معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: تعافي سوريا اقتصاديا لا يبشر بخير

"جودة المؤسسات الاقتصادية ستكون، على المدى الطويل، أكثر أهمية من حجم الاستثمار نفسه"
في تقرير تناول وضع الاقتصاد السوري بعد مرور نحو عام ونصف العام على سقوط نظام بشار الأسد، طرح "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي تساؤلات بشأن الآفاق الاقتصادية لسوريا الجديدة وما قد يترتب عليها من انعكاسات على إسرائيل.
وادعى المعهد أن سوريا تعيش مفارقة واضحة؛ فعلى الصعيد الخارجي، حققت حكومة الشرع تقدما دبلوماسيا تمثل في اتساع نطاق الاعتراف الإقليمي والدولي بها، إلى جانب تلقيها موجة من التعهدات الاستثمارية من دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة وأوروبا.
أما في الداخل، فتبدو الأوضاع أكثر مدعاة للقلق، في ظل استمرار التوترات الإثنية والتهديدات الأمنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي أصبحت أحد أبرز مصادر الضغط السياسي والاجتماعي على الحكومة.

"أزمة مستمرة"
وأعدّ التقرير الباحثان نوعام بينستوك وكارميت فالنسي اللذان خلصا إلى أن قدرة سوريا على إرساء أساس متين لنمو اقتصادي مستدام، لا مجرد استيعاب الاستثمارات، ستحدد مستقبل اقتصادها واستقرار البلاد في السنوات المقبلة.
ويشير المعهد إلى أن الجمهور السوري، بعد نحو 13 عاما من الحرب، يرزح تحت ضغط اقتصادي شديد مصدره ارتفاع تعرفة الكهرباء وتراجع قيمة الليرة السورية، المقدرة بنحو 14 ألف ليرة للدولار، وتآكل القوة الشرائية وصعوبة شراء الأسر للغذاء.
وتكشف البيانات حجم الأزمة؛ إذ تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي من نحو 1550 دولارا عام 2011 إلى 670 دولارا عام 2022، بانخفاض يتجاوز 50 بالمئة، كما تراجع معدل إتمام التعليم الابتدائي من قرابة 100 بالمئة إلى نحو 62 بالمئة عام 2023.
وبينما تقف نسبة البطالة الرسمية عند 13 بالمئة "فقط"، صرح وزير الاقتصاد، نضال الشعار، عام 2025 بأن الرقم الفعلي أقرب إلى 60 بالمئة، وهو ما يكشف فجوة كبيرة بين الأرقام الرسمية وواقع سوق العمل.
وفي تقرير نشره البنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدّرت المؤسسة تكاليف إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مقارنة بناتج محلي إجمالي بلغ 67 مليار دولار عام 2011، العام السابق للحرب، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ذلك الناتج.
وتُظهر استطلاعات عام 2026 أثر الأوضاع الاقتصادية على تأييد الحكومة؛ إذ رأى 63 بالمئة من السوريين في فبراير/شباط أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، لكن النسبة تراجعت في أبريل/نيسان إلى 13 بالمئة، فيما تراجع الشعور بالأمان الشخصي من 67 إلى 38 بالمئة في الفترة نفسها.
وأبلغ المبعوث الأممي، كلاوديو كوردوني، مجلس الأمن في أبريل/نيسان بأن تدهور الأوضاع الاقتصادية يغذي الاضطرابات الاجتماعية، مشددا على أن الاستقرار سيبقى هشا دون حوكمة شاملة وعدالة انتقالية ودعم دولي.
وأمام هذه التطورات، اتخذت الحكومة سلسلة إجراءات لتخفيف الضغط الشعبي، أبرزها حذف صفرين من الليرة، ومراسيم رئاسية لرفع الأجور في القطاع العام.
هذا فضلا عن إصلاح ضريبي أطلقه وزير المالية، محمد برنية، يعفي محدودي الدخل، ممن يقل دخلهم عن 640 ألف ليرة سنويا (نحو 4600 دولار)، من ضريبة الدخل، ويفرض ضريبة استهلاك 5 بالمئة مع إعفاء السلع الأساسية، إلى جانب رفع المعاشات التقاعدية 30 بالمئة.
ويرى اقتصاديون، بحسب المعهد، أن رفع الأجور وحده لا يكفي، وأنه يجب أن يقترن بإصلاح فعلي في القطاع العام يحسّن الخدمات ويعالج الاختلالات الإدارية.
ويشير التقرير إلى معضلة تواجه الحكومة بين ضغط شعبي متزايد لطلب الدعم، وخطر الانزلاق إلى فخّ وقعت فيه حكومات أخرى تراكمت عليها ديون الدعم دون قدرة على التراجع، كما حدث في مصر، وهو ما تجلى في احتجاجات زراعية على سعر شراء القمح، دفعت الشرع إلى رفع السعر بمرسوم رئاسي إلى نحو 420 دولارا للطن.
سباق تمويل
وعلى صعيد التمويل الخارجي، شارك "برنية" في جلسة مغلقة لوزراء مالية مجموعة السبع في باريس بحثت التعافي الاقتصادي السوري، فيما قرر الاتحاد الأوروبي استئناف العلاقات التجارية مع سوريا، وسمحت شركتا "فيزا" و"ماستركارد" باستخدام البطاقات الائتمانية الدولية داخل البلاد.
ويشير التقرير إلى أن التطلع الدولي لإعادة الإعمار يصطدم أحيانا بعدم الاستقرار السائد؛ إذ وقعت انفجارات قرب موقع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في دمشق في 7 يوليو/تموز، خلال زيارته البلاد بصفته أول زعيم غربي يزورها منذ سقوط نظام الأسد.
ويصف التقرير ما تخوضه سوريا بأنه "سباق إعادة إعمار" إلى جانب دول أخرى منكوبة، مثل لبنان واليمن وليبيا والصومال وغزة، مشيرا إلى أن سوريا تتمتع بميزات عدة أبرزها انتهاء الحرب وبروز قيادة تحظى باعتراف دولي وموقعها الجغرافي الفريد.
وبحسب المعهد، فإن تركيا -حليفة سوريا- مهتمة بإعادة الإعمار لتثبيت استقرار حدودها وتوسيع نفوذها، فيما تعيد سوريا، بدعم من أنقرة ودول الخليج، تموضعها كنقطة التقاء بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتهتم أوروبا باستقرارها لتسهيل عودة اللاجئين، ويمثل استقرارها مصلحة واضحة في السياسة الأميركية أيضا.
ورغم هذه المزايا، قد يعرقل عدم الاستقرار العالمي قدرة سوريا على جمع رأس المال المطلوب؛ إذ تواجه دول الخليج أزمة اقتصادية ناجمة عن الحرب مع إيران، وتركيا تضخما مستمرا، فيما تنشغل أوروبا بالتضخم، وتبدو واشنطن أكثر انكفاء على الداخل.
وحذّر التقرير من أن حجم الاستثمار وحده لا يضمن النجاح؛ إذ تُظهر تجارب دول أخرى أن تدفقات رأس المال الخارجي تسرّع التعافي لكنها غير كافية لتوليد نمو مستدام، فالسؤال الجوهري هو مدى قدرة الدولة على استغلال هذه الموارد بكفاءة.
وأشار المعهد إلى أن عقبات قانونية ومالية لا تزال تعرقل اندماج سوريا في النظام العالمي، فما دام تصنيفها دولة راعية للإرهاب قائما، تبقى الشركات الأجنبية العاملة فيها عرضة لمصادرة فورية لأصولها، ما يقوّض قدرتها على جذب رؤوس أموال غربية مؤسسية.
ولفت المعهد إلى أن نظام الأسد خلّف، إلى جانب الدمار المادي، نظاما اقتصاديا مركزيا فاسدا مرتبطا بمراكز القوى، وقطاعا مصرفيا ضعيفا ظلت فيه معظم البنوك مؤممة، ولم يتطور النظام المالي إلى آلية فاعلة لتوفير الائتمان ودعم الاستثمار.
وخلال زيارة ممثلي صندوق النقد الدولي إلى دمشق في يونيو/حزيران 2025، الأولى منذ عام 2009، شدد مسؤولوه على أن التعافي يتطلب تعزيز البنك المركزي، ولاحظ الصندوق في زيارة متابعة عام 2026 أن البنك حافظ على سياسة نقدية متشددة كبحت التضخم.
ويرى المعهد أن تعيين عبد القادر حصرية، الشريك السابق في شركة "إرنست ويونغ" بسوريا، حاكما للبنك المركزي، يعكس رغبة في تقديم إعادة الإعمار المالي كمشروع تكنوقراطي، مضيفا أن مسار البنك المركزي بات أحد أبرز اختبارات إعادة الإعمار.
وتُظهر بيانات عدد الشركات المؤسسة في سوريا عام 2025 صعوبة تطوير قطاع خاص مستقل؛ إذ لا يتجاوز عدد الشركات القائمة 30 ألف شركة، ومن أصل 18 ألف عمل جديد أُعلن عن تأسيسه ذلك العام، لم تكن سوى 4425 شركة مسجلة رسميا فقط.
وخلص المعهد إلى أن سوريا، حتى بعد تحول سياسي جذري، لا تزال بعيدة عن امتلاك قطاع خاص واسع وتنافسي، مؤكدا أن بناء مؤسسات اقتصادية موثوقة وتعزيز المنافسة والابتكار هما ما سيحدد نجاح إعادة الإعمار، أكثر من حجم الاستثمارات وحده.

مآلات على إسرائيل
ويرى المعهد أن مسار إعادة الإعمار سيحدد إلى حد بعيد طبيعة الدولة السورية التي ستواجهها إسرائيل في السنوات والعقود المقبلة، محذرا من أن سوريا الغارقة في أزمة اقتصادية عميقة قد تظل ساحة نفوذ لجهات خارجية ومليشيات وشبكات تهريب وتمويل غير رسمية.
وقد تتيح هذه الأزمة لجهات مثل إيران أو حزب الله استغلال الضائقة الاقتصادية لتوسيع نفوذهما وحضورهما، كما جرى في عهد الأسد؛ إذ يرى المعهد أن ضعف الدولة قد يعمّق عدم الاستقرار على حدودها الشمالية ويبقي التهديد الموجه لإسرائيل قائما.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن تعافي سوريا اقتصاديا لا يبشر بالضرورة بخير لإسرائيل أيضا، فسوريا الأكثر قوة اقتصاديا، إن ظلت متشددة سياسيا أو عسكريا، قد توجه جزءا من مواردها نحو إعادة بناء جيشها وأجهزتها الأمنية.
ويرى المعهد أن العامل الأكثر حسما بالنسبة لإسرائيل هو طبيعة النظام نفسه، بين "التشدد" والاعتدال النسبي، وموقفه منها، مشيرا إلى أن السياسة الإسرائيلية تجاه دمشق تؤثر بدورها في هذا التوجه.
ولفت المعهد إلى أن الجهات الرسمية في إسرائيل لا تزال حذرة تجاه النظام السوري ونواياه؛ إذ يبقى قدر كبير من عدم اليقين قائما حول استقرار سوريا ومسارها المستقبلي، وتشكل حالتها الاقتصادية عنصرا حاسما في تقييم وضعها العام.
وأوصى المعهد إسرائيل بمتابعة مؤشرات مؤسسية واضحة، أبرزها استقلالية البنك المركزي، وجودة الرقابة المصرفية، ووتيرة اندماج البنوك في النظام المالي الدولي، وهوية الجهات المشاركة في إعادة الإعمار، مشددا على ألا يأتي التنافس الدولي عليها على حساب مكانة إسرائيل.
وختم المعهد بأن جودة المؤسسات الاقتصادية ستكون، على المدى الطويل، أكثر أهمية من حجم الاستثمار نفسه في تحديد ملامح سوريا المقبلة وطبيعة التحدي الذي ستمثله لإسرائيل.

















