زيارة الزيدي لواشنطن.. بداية تحول في علاقة العراق بالولايات المتحدة؟

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

شكلت الزيارة الرسمية الأولى لرئيس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي إلى العاصمة الأميركية واشنطن محطة دبلوماسية واختبارًا سياسيًا بالغ الحساسية، ألقت بظلالها على مستقبل التوازنات الإقليمية المعقدة، وانعكاساتها المباشرة على سيادة العراق ومستقبل الفصائل المسلحة فيه.

ففي 13 يوليو/تموز 2026، بدأ الزيدي زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، وسط تجدد التصعيد الأميركي مع إيران، وتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد لكبح نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من طهران.

وفي 14 يوليو/تموز، التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض، في أول زيارة خارجية يجريها الزيدي منذ توليه منصبه، وذلك بعدما أعلن ترامب دعمه ترشحه لرئاسة الحكومة.

وقال ترامب، في تصريحات للصحفيين بالبيت الأبيض، إنه كان حريصًا على وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة العراقية. مشيرًا إلى أن منافسه كان يتبنى مواقف وصفها بأنها "سيئة" تجاه واشنطن.

ويُشار إلى أن الزيدي حظي بمباركة ترامب رغم كونه رئيسًا سابقًا لمجلس إدارة "بنك الجنوب الإسلامي"، الذي كان من بين المؤسسات المالية التي حظرها البنك المركزي العراقي عام 2024 من التعامل بالدولار، في إطار إجراءات اتُخذت بضغوط أميركية لمكافحة غسل الأموال وتحويلها إلى إيران.

وعند تكليف الزيدي رسميًا بتشكيل الحكومة في أبريل/نيسان 2026، كتب ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي أن ذلك يمثل "بداية فصل جديد هائل بين بلدينا.. ازدهار واستقرار ونجاح لم يسبق له مثيل".

وأكد ترامب أنه لا يرى حاجة لاستمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق، مشيرًا إلى أن الجهود الخاصة بنزع سلاح الفصائل المسلحة تسير بصورة جيدة.

وأضاف أن الولايات المتحدة والعراق يتجهان نحو إقامة شراكة قوية في قطاع النفط سيُعلن عنها قريبًا، لافتًا إلى أن شركات النفط الأميركية ستدخل السوق العراقية بمستويات "غير مسبوقة".

كما وصف إيران بأنها تمثل "عبئًا" على العراق، وعدها "المتنمر على دول الشرق الأوسط".

وأسفرت زيارة الزيدي عن تفاهمات أولية بشأن تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية، وجذب استثمارات أميركية في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب بحث مستقبل الوجود الأمني الأميركي، مع الاستعداد لإنهاء مهمة قوات التحالف الدولي بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026، فضلاً عن مناقشة ملف حصر السلاح بيد الدولة والحد من نفوذ الفصائل المسلحة.

من جانبه، أكد الزيدي أن زيارته إلى الولايات المتحدة تأتي بصفتها زيارة إلى أهم شريك إستراتيجي للعراق، مشددًا على أن القوات الأميركية ستغادر البلاد، مقابل دخول الشركات الأميركية للاستثمار والعمل في العراق.

وأوضح أن حكومته اتخذت قرارًا بحصر السلاح بيد الدولة، مؤكدًا أنه بعد 30 سبتمبر/أيلول المقبل "لن تكون هناك حاجة إلى وجود فصائل مسلحة، ولن يُسمح لأي جهة بحمل السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية".

وفي ملف النفط، قال الزيدي: إن العراق من الدول المؤسسة لمنظمة "أوبك"، لكنه يطالب بحصة إنتاج عادلة، مشيرًا إلى أن بلاده خاضت حربًا مكلفة ضد الإرهاب ألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية.

وتأتي الزيارة في وقت تواجه فيه بغداد تحديًا متزايدًا للحفاظ على توازن علاقاتها بين واشنطن وطهران.

ويرافق الزيدي وفد رسمي في زيارة تستمر أسبوعًا، يلتقي خلالها مسؤولين أميركيين وممثلي شركات نفط وطاقة، في إطار مساعيه لتعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

وقال مكتب رئيس الوزراء، في بيان، إن هدف الزيارة يتمثل في "تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع دور الشركات الأميركية في تنفيذ مشروعات البنية التحتية"، إلى جانب تطوير قطاع الطاقة في العراق.

وقبل زيارته، كتب الزيدي في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" أن حكومته "ملتزمة بضمان احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة"، مؤكدًا أن العراق "اختار طريق التنمية بدلاً من الانخراط في المحاور والصراعات الإقليمية".

وحددت الحكومة العراقية نهاية سبتمبر/أيلول المقبل موعدًا نهائيًا للفصائل المسلحة لتسليم أسلحتها، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي قلّص وجوده العسكري تدريجيًا بعد سنوات من دعم القوات العراقية في مكافحة تنظيم "داعش".

ورغم إعلان بعض الفصائل استعدادها للتعاون مع الحكومة، لا تزال مجموعات أخرى ترفض التخلي عن سلاحها.

وقبل اجتماع البيت الأبيض، نقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤول في إدارة ترامب قوله: إن الولايات المتحدة ستتخذ قرارات مدروسة استنادًا إلى مدى نجاح العراق في نزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل أراضيه.

مصلح مالي

علي فالح الزيدي رجل أعمال ومصرفي عراقي، تولى رئاسة مجلس الوزراء بصفته مرشحًا توافقيًا بعد فترة من الجمود السياسي، ويُعرف بمسيرته في القطاع المصرفي، حيث شغل مناصب قيادية في عدد من البنوك البارزة.

وصعد إلى رئاسة الحكومة في منتصف مايو/أيار 2026 بوصفه شخصية تكنوقراطية مستقلة، قادمة من قطاع المال والأعمال والمصارف، بعيدًا عن المسارات الحزبية التقليدية، ويتبنى نهجًا براغماتيًا يركز على إصلاح النظام المصرفي، ومكافحة غسل الأموال وتهريب العملة الصعبة.

ويتميز بتوجه اقتصادي وتنموي، إذ أطلق منذ توليه المنصب حملات لمكافحة الفساد شملت اعتقال مسؤولين ونواب، بالتوازي مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد العراقي الذي لا يزال يواجه تحديات ما بعد الحروب والأزمات.

وبرز الزيدي كمرشح تسوية حظي بقبول إقليمي ودولي واسع لإنهاء حالة الانسداد السياسي، وسرعان ما اكتسب شعبية داخلية بعد إطلاق حملة "صولة الفجر" لملاحقة كبار المتهمين بالفساد واسترداد الأموال المنهوبة.

وشنت حكومته حملات دهم واعتقلت عشرات النواب الحاليين والسابقين، إلى جانب مسؤولين حكوميين متهمين بالفساد، من بينهم شخصيات مقربة من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

ويتسم خطاب الزيدي السياسي بالتركيز على مفهوم "السيادة الناجزة"، والسعي إلى إبعاد العراق عن سياسة المحاور، مع التشديد على بناء مؤسسات عسكرية موحدة وحصر السلاح بالكامل بيد الدولة.

وتُعد زيارته إلى واشنطن أول جولة خارجية له، وتعكس أولويات حكومته في تبني الدبلوماسية الاقتصادية وتحقيق التوازن في العلاقات الدولية.

وتأتي الزيارة في توقيت إقليمي ودولي بالغ التعقيد، إذ تشهد المنطقة مواجهة متصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تخللتها هجمات صاروخية للحرس الثوري الإيراني، وإغلاقات متكررة لمضيق هرمز، ما هدد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

وفي ظل هذه الأجواء، تسعى إدارة ترامب إلى تشديد الخناق على شبكات تمويل طهران، عبر إحكام الرقابة على الدولار في بغداد، ودفع الحكومة العراقية إلى إنهاء اعتمادها على الغاز والكهرباء الإيرانيين.

وعلى الصعيد الداخلي، تزامنت الزيارة مع اقتراب موعد الانسحاب الرسمي لقوات التحالف الدولي، وسط انقسام سياسي وعسكري حاد، إذ أعلنت بعض الفصائل الشيعية المسلحة "مبايعتها" الصريحة للقيادة الإيرانية ورفضها القاطع تسليم السلاح.

وعدت تلك الفصائل تعهدات الزيدي لواشنطن رضوخًا للشروط الأميركية، الأمر الذي يضع البلاد أمام احتمالات توتر داخلي متزايد.

وتباينت ردود فعل الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي بشأن الزيارة؛ إذ رأى مؤيدون أنها خطوة جريئة لترسيخ سيادة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وإنعاش الاقتصاد عبر جذب الاستثمارات الأميركية.

في المقابل، هاجم معارضون الزيارة بشدة، وعدوا تعهدات الزيدي لواشنطن تنازلاً عن الثوابت الوطنية واستهدافًا للفصائل المسلحة.

وعبر ناشطون، من خلال وسوم مثل #علي_الزيدي و#البيت_الأبيض و#العراق و#ترامب، عن انقسام واضح في المواقف، إذ رأى فريق أن الزيارة تمثل فرصة لإعادة بناء الدولة، بينما عدها آخرون رضوخًا للإملاءات الأميركية، في حين تبنى مستقلون موقفًا أكثر حذرًا، محذرين من تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ومشككين في قدرة الحكومة على تنفيذ هذه الالتزامات المعقدة بعد عودتها إلى بغداد.

زيارة ناجحة

وعد المحتفون بزيارة الزيدي خطواته "مطرقة السيادة" التي تضرب في عمق ظاهرة السلاح المنفلت والفصائل الموازية، ورأوا في إصراره على بناء دولة تحتكر العنف المشروع شجاعة سياسية نادرة تُنهي حقبة الدولة الموازية التي فرضتها بعض الفصائل لسنوات.

وأشادوا بالتوجه نحو شراكة اقتصادية مع واشنطن مقابل تعزيز السيادة الداخلية، عادين إياها خطوة حتمية لبناء دولة قوية خالية من الفساد والسلاح غير الشرعي، رغم وجود أصوات أخرى متشككة أو معارضة، وتداولوا تصريحاته بقوة.

هجوم وانتقاد

في المقابل، شنّ ناشطون مؤيدون للفصائل المسلحة ومحور المقاومة هجوماً حاداً على رئيس الوزراء العراقي، عادين تصريحاته خلال لقائه الرئيس الأميركي ووعوده بـ(حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل) بمثابة "انبطاح كامل" واستسلام للإدارة الأميركية، داعين لعدم رفع سقف الآمال والتعويل على الزيدي.

ورأوا في تصريحاته طعنة في ظهر التضحيات التي قدمتها الفصائل في مواجهة الإرهاب والاحتلال، ومحاولة لتجريد العراق من أدوات قوته الحقيقية أمام "الأطماع الأميركية-الإسرائيلية"، مؤكدين أن العراق أصبح تابع لأميركا.

وأكدوا أن السلاح الذي تحمله الفصائل شرعي ووطني، وأنه ضروري لحماية البلاد من أي تهديد خارجي، ويرفضون أي تعهدات تؤدي إلى نزع سلاح المقاومة أو دمجها قسراً تحت سيطرة الدولة بطريقة تُضعف محور المقاومة، فيما تحدث آخرون عن التحديات التي تواجه حكومة الزيدي لتنفيذ تعهداتها في ذلك الملف.

سليماني والمهندس

وبرزت تعليقات واسعة على رد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على بعض تصريحات الرئيس الأميركي خاصة المتعلقة بقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وتفاخره بقتله، ومعه شخص عراقي آخر "سيئ للغاية" (يقصد أبو مهدي المهندس).

فقد سأل ترامب الزيدي بشكل مباشر أو استفزازي ما إذا كان قد أسدى لهما (للعراق) معروفاً بهذا الفعل، ورد الزيدي كان دبلوماسياً هادئاً.

وأشار إلى أنه لم يكن يمارس السياسة في ذلك الوقت (وقت الاغتيال عام 2020)، وأنه لا يريد البقاء أسيراً للماضي، بل جاء للتركيز على المستقبل والتعاون الاقتصادي والاستثمارات.

ورأى فريق أن رد الزيدي ذكي ودبلوماسي، يحافظ على مصالح العراق دون إحراج أو استفزاز، ويسمح بالتركيز على الشراكات المستقبلية مع أميركا دون التورط في خلافات تاريخية، في حين انتقده آخرون بشده وعدوه ضعيفاً ومهيناً لأنه لم يدافع بقوة عن سليماني والمهندس، ووصفوه بالخضوع والتهرب.

الاقتصاد والمال

وركز ناشطون على الجانب الاستثماري والاقتصادي لزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، معتبرين أن خلفيته المصرفية تمكنه من التعامل بلغة الأرقام والمفاوضات المالية الجادة. 

وأشادوا بجهوده في جذب الشركات الأميركية للاستثمار في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية، ومحاولة تحرير الأموال المحجوزة (حوالي 30 مليار دولار) لدعم الاقتصاد العراقي المأزوم. 

وأكد ناشطون أن في ذلك فرصة حقيقية لخلق فرص عمل مستدامة بعيدًا عن المحاصصة السياسية التقليدية، وتحويل الشراكة مع أميركا من الجانب العسكري إلى الاقتصادي التنموي، مما يساهم في تنويع الاقتصاد وإصلاح القطاع المصرفي.