قضية محمد قحطان.. رفات مجهول يعيد فتح أكبر ملفات الإخفاء القسري في اليمن

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

دخلت قضية القيادي البارز في حزب التجمع اليمني للإصلاح، محمد قحطان، منعطفًا غامضًا ومثيرًا للجدل، عقب إعلان اللجنة الرباعية المكلَّفة بالتحقق من مصيره انتهاء أعمالها في العاصمة صنعاء، دون التوصل إلى نتيجة حاسمة تكشف لغز اختفائه القسري المستمر منذ ما يقارب 11 عامًا.

وفي 9 يوليو/تموز 2026، برزت إلى السطح فصول جديدة من الغموض والمناورات التي تحيط بأبرز ملفات الإخفاء القسري في الحرب اليمنية، بعدما أعلنت الأطراف المعنية بملف الأسرى والمختطفين انتهاء أعمال اللجنة الفنية والطبية المشتركة التي ضمت ممثلين عن الحكومة اليمنية، وجماعة الحوثي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وعائلة المختطف.

وخلال أعمالها، عاينت اللجنة رفاتًا غير مكتمل عرضته جماعة الحوثي في مستشفى الكويت بالعاصمة صنعاء، مدعية أنه يعود إلى محمد قحطان.

وأكدت مصادر طبية أنه جرى أخذ أربع عينات من الرفات لإجراء فحص الحمض النووي (DNA)، في ظل غياب أي تأكيد علمي أو قانوني يثبت هوية الجثمان بصورة قاطعة.

وأوضح زيد محمد قحطان، نجل القيادي المختطف، أن الرفات المعروض اقتصر على النصف السفلي من الجسد، فيما كان الجزء العلوي، بما في ذلك الرأس، مفقودًا بالكامل، مشيرًا إلى أن الحوثيين برروا ذلك بالقول إن والده تعرض لقصف جوي، وهو ما عدته الأسرة رواية لا تبدد الشكوك الكبيرة المحيطة بالقضية.

وأشار إلى أن المعاينة أُجريت بحضور اللجنة المشتركة التي ضمت خبيرًا جنائيًا وطبيبًا شرعيًا، إلى جانب ممثل عن الوفد الحكومي في مشاورات الأسرى، وممثل عن جماعة الحوثي، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأكد نجل القيادي السياسي أن المؤشرات الأولية لمعاينة الرفات تعزز فرضية تعرض والده للتصفية الجسدية أو محاولة طمس الأدلة المتعلقة بوفاته، لافتًا إلى أن أفراد العائلة تعرضوا لضغوط مكثفة لحملهم على التوقيع على محضر المعاينة وإغلاق القضية، إلا أنهم رفضوا ذلك، وتمسكوا بضرورة استكمال التحقيقات الجنائية وانتظار نتائج فحص الحمض النووي.

من جانبه، أكد المتحدث الرسمي باسم حزب الإصلاح، عدنان العديني، أن أعمال اللجنة انتهت دون العثور على محمد قحطان أو حسم مصيره، مشددًا على أن القضية "عادت إلى المربع الأول" نتيجة ما وصفه بتلاعب جماعة الحوثي بالملف الإنساني.

وأضاف أن جوهر القضية لم يتغير، وأن السؤال السياسي والحقوقي لا يزال قائمًا: “أين محمد قحطان؟” مؤكدًا أن أي نقاش آخر لا يمكن أن يبدأ قبل الحصول على إجابة واضحة وموثقة بشأن مصيره.

وقال العديني: إن أي حديث لا يقدم إجابة مباشرة وحاسمة عن مصير محمد قحطان لا يكفي لإغلاق الملف، محملًا جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن الكشف عن مكان وجوده أو الإفراج عنه، بصفتها الجهة التي قامت باختطافه، ومؤكدًا أن قضيته ستظل مفتوحة حتى تتضح الحقيقة.

مهندس التوافقات

يُعد محمد قحطان أحد أبرز القيادات السياسية في اليمن، وعضو الهيئة العليا لحزب التجمع اليمني للإصلاح، أحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد. وعُرف طوال مسيرته السياسية بلقب "مهندس التوافقات السياسية"، لدوره في تقريب وجهات النظر بين المكونات السياسية اليمنية المختلفة.

ويعود تاريخ اختفائه إلى أبريل/نيسان 2015، عقب سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، عندما اقتحم مسلحون تابعون للجماعة منزله واقتادوه إلى جهة مجهولة.

وعلى مدار نحو أحد عشر عامًا، فرضت جماعة الحوثي تعتيمًا كاملًا على مصيره، فلم يُسمح له بالتواصل مع أسرته، ولم تتمكن أي جهة حقوقية أو دولية من زيارته، كما لم تُعرف أي معلومات مؤكدة حول ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة أم لا، ما جعل قضيته توصف بأنها واحدة من أكبر قضايا الإخفاء القسري في الحرب اليمنية.

ونظرًا لمكانته السياسية، طالب مجلس الأمن الدولي، في قراره رقم 2216، جماعة الحوثي بالإفراج الفوري وغير المشروط عن محمد قحطان، إلى جانب ثلاثة قيادات سياسية أخرى، أُفرج عنهم لاحقًا في إطار صفقات تبادل سابقة، بينما ظل قحطان وحده مجهول المصير.

وبعد سنوات من الجمود، انطلقت جولات مفاوضات شاقة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي، برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في كل من مسقط وعمّان، لبحث ملف الأسرى والمحتجزين.

ورفضت الحكومة اليمنية وحزب الإصلاح المضي في أي اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين ما لم يُكشف أولًا، وبشكل علني وموثق، عن مصير محمد قحطان.

ولكسر حالة الجمود، أسفرت المفاوضات عن صياغة صفقة تبادل كبرى تهدف إلى الإفراج عن آلاف المحتجزين من الطرفين، بالتوازي مع إقرار بروتوكول إنساني خاص بانتشال وتبادل جثامين ورفات قتلى الحرب والمفقودين عبر لجان ميدانية.

وتضمنت هذه التفاهمات بندًا استثنائيًا يقضي بتشكيل لجنة رباعية مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة اليمنية، وجماعة الحوثي، وعائلة محمد قحطان، تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تتولى التحقق ميدانيًا وبصورة قاطعة من وضعه ومصيره.

وبموجب هذه التفاهمات، سُمح لأعضاء اللجنة المشتركة، ومن بينهم نجل محمد قحطان، بدخول العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين للمرة الأولى.

وفور وصول اللجنة، لم تقدم جماعة الحوثي محمد قحطان حيًا، بل استدعت أعضاءها إلى مستشفى الكويت؛ حيث عرضت عليهم الجزء السفلي فقط من جثمان مجهول الهوية، مدعية أنه يعود إلى محمد قحطان، وأنه توفي في غارة جوية وقعت قبل سنوات.

وأثارت هذه الخطوة صدمة واسعة، إذ رفضت عائلة قحطان والحكومة اليمنية الرواية الحوثية، ورأتا أنها محاولة للتنصل من المسؤولية عن القضية، وتمسكتا بعدم إغلاق الملف أو القبول بهذه الرواية قبل إرسال عينات من الرفات لإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) في مختبرات دولية مستقلة خارج اليمن، للتأكد من هوية الجثمان ومحاسبة المسؤولين عن الواقعة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تعثر جولات المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة بشأن تبادل الأسرى والمختطفين، في وقت أصرت فيه الحكومة اليمنية وحزب الإصلاح مرارًا على أن الكشف عن مصير محمد قحطان يمثل شرطًا أساسيًا للمضي قدمًا في أي اتفاق شامل.

ويرى مراقبون أن ترويج جماعة الحوثي لرواية وفاة قحطان نتيجة قصف جوي يأتي في سياق محاولاتها لاحتواء الضغوط الدولية والمحلية المتزايدة، وإغلاق الملف سياسيًا وإنسانيًا بأقل كلفة ممكنة، في وقت لا تزال فيه شكوك قوية تحيط بإمكانية تعرضه للتصفية الجسدية أو الوفاة تحت التعذيب داخل أماكن الاحتجاز السرية.

نصف جسد

وأثار إعلان نجل قحطان عن تسليم الحوثيين "جزءا سفليا من جثمان مجهول" (نصف جسد بلا رأس ولا قفص صدري) على أنه لوالده، موجة غضب عارم بين الناشطين على منصات التواصل، عادين هذا السلوك دليلاً إضافيًا على الإجرام والوحشية الحوثية، وإمعانًا في السقوط الأخلاقي والقيمي للمليشيا.

ووصفوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #محمد_قحطان، #اين_قحطان، #الحوثي، #صنعاء، وغيرها الإجراء بأنه "مسرحية هزلية" لا تحترم حرمة الموت ولا مشاعر العائلة المكلومة، صابين جام غضبهم على الحوثي.

وأشار ناشطون إلى أن ما فعله الحوثي يمثل تعذيبًا نفسيًا جديدًا بعد 11 عامًا من الإخفاء القسري وسقوطا أخلاقيا، ويثير شكوكًا عميقة حول هوية الجثمان وملابسات الوفاة، مطالبين بتحقيق دولي مستقل ورفض قبول أي رواية منقوصة.

 

==========================

 

======================

 

=====================

 

======================

 

======================

 

====================

 

====================

 

======================

 

========================

 

====================

 

=======================

 

تشكيك وارتياب

وشكك سياسيون وناشطون في الرواية الحوثية ورأوها متناقضة ومليئة بالثغرات التي تؤكد نية الخداع والتضليل، كما شككوا في ادعاءات الحوثيين بشأن موت قحطان جراء القصف. مؤكدين أن المليشيا تبحث عن مخرج لجريمتها بعد سنوات من إخفائه.

وأشاروا إلى أن المليشيا أخفت قحطان لأكثر من 11 عاماً، واستخدمته ورقة تفاوض، ثم أعلنت اليوم رواية موته بقصف جوي مع عرض جثمان غير مكتمل (النصف السفلي فقط)، مما دفع أسرته للتشكيك في الهوية والملابسات تحت ضغط.

وذهب البعض إلى الجزم بأن محاولة تقديم رفات مشوَّه وغير مكتمل تعزز الفرضية القائلة بأن قحطان تعرض للتصفية الجسدية العمدية تحت التعذيب منذ سنوات، وأن الجماعة حاولت طوال العقد الماضي إخفاء الجريمة حتى تآكلت معالم الجثة.

ورأوا في ذلك جريمة تصفية متعمدة ومحاولة للخروج من مأزق الإخفاء القسري بعد سنوات من الكذب والابتزاز، داعين إلى فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

 

=================

 

==========================

 

========================

 

=====================

 

===================

 

======================

 

====================

 

====================

دناءة حوثية

في المقابل، تعامل ناشطون مع الأحداث كحقيقة واقعة، مقدرين أن محمد قحطان تم تصفيته (اغتياله/إعدامه) داخل معتقلات الحوثيين بعد سنوات من الإخفاء القسري، وقدموا واجب النعي والعزاء.

ووصفوا قحطان بـ"الشهيد"  والقيادي الحر الذي حذر مبكراً من خطورة الحوثيين، ورجل السياسة والسلام، ودعوا له بالرحمة، عادين تصفيته جريمة حوثية بشعة هزت اليمن، ودليلاً على طبيعة الجماعة "الإرهابية" التي لا تؤمن بالعهود وتستخدم الإخفاء والكذب لأغراض سياسية. 

 

========================

 

=====================

 

=====================

 

==================

 

================

 

=================

 

====================

 

=================

 

=============

 

قامة وطنية

وخصص إعلاميون وباحثون وناشطون منشوراتهم للحديث عن قحطان وسيرته كقيادي وطني في حزب الإصلاح، ورمز للحوار السلمي والمساواة والعدالة، وكضحية للإخفاء القسري والتصفية على يد الحوثيين.

وركزوا على تقديمه كـ"مدرسة وطنية" في هدوء الخطاب ورجاحة العقل وقدرته على إدارة الاختلاف، ورجل سياسة وطني مخلص ارتبط اسمه بالعمل السلمي والشراكة الوطنية وقيم المساواة والعدالة، لا مجرد سياسي بل "شخصية محورية" في تاريخ العمل الحزبي اليمني.

وأكد ناشطون أن سيرة قحطان مرتبطة بفكرة لا تموت بغياب صاحبها، وأنه مصدر إلهام لمستقبل اليمن الأفضل، وأن قتله/إخفاءه يعكس خوف المشروع العنصري (الحوثي) من رموز الاعتدال والحوار. 

 

========================

 

==========================

 

==================

 

===================

 

====================

 

=====================

 

======================

 

======================

 

=================

 

=========================