التعاون العسكري الخليجي مع أوكرانيا.. براغماتية جديدة أم مجازفة مع موسكو؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، تسعى أوكرانيا إلى توظيف خبرتها القتالية بوصفها ورقة جديدة في سياستها الخارجية. 

وفي هذا الإطار، أوفدت كييف مجموعات من الخبراء العسكريين إلى الأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات، للمساعدة في اعتراض الطائرات المسيرة الإيرانية وتقديم المشورة في مجالات الدفاع الجوي.

وتبع هذه الخطوة، خلال مارس/ آذار وأبريل/ نيسان ومايو/ أيار 2026، عدد من الزيارات التي أجراها مسؤولون أوكرانيون إلى المنطقة، إلى جانب توقيع سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية مع كل من قطر والسعودية والإمارات.

وبحسب "المجلس الروسي للشؤون الدولية"، دفعت هذه التحركات بعض الأوساط السياسية والأكاديمية الغربية إلى "الاعتقاد بأن دول الخليج بدأت تبتعد تدريجيا عن روسيا، وتتقارب مع الغرب في مواجهة موسكو، والقول إن أوكرانيا بدأت تحل محل روسيا بوصفها شريكا أمنيا جديدا في المنطقة".

غير أن التقرير يرفض هذه القراءة، مقدرا أنها "متسرعة ومضللة، لأنها تتجاهل طبيعة السياسة الخارجية التي تنتهجها دول الخليج خلال السنوات الأخيرة".

بعد رمزي

ويرى الموقع الروسي أن "الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أعادت إلى الواجهة المخاوف القديمة لدول الخليج بشأن تهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلا عن هشاشة البنية التحتية الحيوية أمام الهجمات العسكرية".

وفي هذا السياق، ذكر أن "الخبرة العسكرية الأوكرانية أصبحت تحظى باهتمام متزايد، سواء من الناحية التجارية أو الإستراتيجية".

وعزا ذلك إلى "الخبرات التي اكتسبتها كييف في المجالات التي باتت تشكل أولوية لدول الخليج، مثل الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وأنظمة التصدي لها، والحرب الإلكترونية، وتطوير منظومات الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية في ظل التعرض لضغوط صاروخية متواصلة".

ووفقا له، فإن "هذا التوجه لا يجعل دول الخليج في معسكر مناهض لروسيا، بل يعكس في المقام الأول طبيعة سياساتها البراغماتية".

ومن ثم، ينظر التقرير إلى "مذكرات التفاهم والاتفاقيات الإطارية التي وقعتها أوكرانيا أخيرا مع السعودية والإمارات وقطر باعتبارها أدوات لبناء قدرات جديدة، لا بصفتها إعلانات عن تحولات جيوسياسية كبرى".

وأردف: "معظم التفاهمات المعلنة حتى الآن لا تزال تندرج في إطار التعاون العام؛ إذ تركز على إنشاء آليات للتعاون المستقبلي، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر، وتشكيل مجموعات عمل مشتركة، فضلا عن بحث فرص الإنتاج المشترك".

وبحسبه، "لا توجد بعد معلومات معلنة عن صفقات شراء كبيرة تتضمن كميات محددة أو جداول زمنية للتسليم أو ترتيبات تمويل واضحة، الأمر الذي يجعل البعد السياسي والرمزي لهذه الاتفاقيات يتجاوز في الوقت الراهن قيمتها التجارية الفعلية".

ولفت التقرير إلى أن "تفاصيل هذه الاتفاقيات تستحق قراءة متأنية، ففي كييف، وُصفت الاتفاقية الدفاعية مع السعودية بأنها وثيقة (ترسي الأساس لمزيد من الاتصالات والتعاون التكنولوجي والاستثمارات)".

وهي صياغة عدها "تعكس طبيعتها الإطارية وتشير إلى أنها تمهد الطريق لصفقات مستقبلية، أكثر من كونها عقدا نهائيا لتوريد أسلحة يتضمن كميات محددة ومواعيد للتسليم والتزامات مالية واضحة".

أما الاتفاق مع الإمارات، فقال الموقع: إنه "يتطلب بدوره قراءة دقيقة، فقد أعلنت كييف أن الجانبين توصلا إلى اتفاق للتعاون في مجالي الأمن والدفاع، مشيرة إلى أن الفرق الفنية كانت تستكمل آنذاك وضع اللمسات الأخيرة على تفاصيله".

وأضاف أن "تقارير إعلامية وتصريحات مسؤولين أوكرانيين تحدثت لاحقا عن توقيع اتفاق تعاون دفاعي يمتد لعشر سنوات مع أبوظبي، إلا أن المعلومات المتاحة حتى الآن تشير إلى أنه لا يزال إطارا عاما للتعاون، وليس مجموعة عقود تنفيذية محددة".

وفيما يتعلق بقطر، أوضح الموقع أن "مستوى التفاهمات يبدو أكثر تقدما؛ إذ وقع البلدان اتفاقية حكومية لمدة عشر سنوات تشمل الصناعات الدفاعية والدفاع الجوي وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة وتدريب الكوادر والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة".

فوائد ملموسة

ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن "النص المنشور للاتفاقية يقدمها بوصفها أساسا لتوسيع الاستثمارات وتعزيز التعاون طويل الأمد، أكثر من كونها دليلا على بدء صفقات تسليح كبيرة أو مشتريات فورية". وفق قراءته.

ولفت إلى أن "هذا الفارق يحمل أهمية جوهرية؛ لأن الاتفاقيات الإطارية ومذكرات التفاهم تمثل في الأساس أدوات سياسية لفتح قنوات التواصل وإعلان النوايا وتهيئة الفرص أمام الحكومات والشركات، قبل أن تتحول لاحقا إلى اتفاقيات تجارية ملزمة".

"وهو ما يعني أنها لا تشكل، في حد ذاتها، دليلا على حدوث تحول إستراتيجي في مواقف دول الخليج"، بحسب رأيه.

على الجانب الآخر، أقر التقرير الروسي أن أوكرانيا "تمتلك خبرة عملية واسعة في التكيف مع هجمات الطائرات المسيرة الإيرانية، وهو ما جعلها شريكا يحظى باهتمام متزايد لدى دول الخليج".

فهذه الدول، بحسب الموقع، "لا تبحث فقط عن شراء منظومات دفاعية، بل تسعى أيضا إلى الاستفادة من الخبرات الميدانية والمعرفة العملياتية التي اكتسبتها كييف خلال حرب عالية الكثافة، وهي خبرات لا يستطيع كثير من موردي السلاح الغربيين تقديمها بالصورة نفسها".

وأوضح أن "هذه الخبرات تشمل تشغيل الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، ومنظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، فضلا عن القدرة على إدخال الابتكارات العسكرية إلى ساحات القتال بوتيرة متسارعة".

وفي هذا السياق، قدر الموقع أن أوكرانيا "قد تجني فوائد ملموسة من اتفاقياتها العسكرية مع دول الخليج إذا تحولت مستقبلا إلى عقود تنفيذية، أو استثمارات مباشرة، أو مشاريع إنتاج مشترك، أو شراكات لتبادل التكنولوجيا".

ومع ذلك، أكد أن "كييف لن تتحول إلى بديل لروسيا بوصفها المزود الرئيس للأمن في الخليج، كما أنها لا تمتلك، في المستقبل المنظور، القاعدة الصناعية التي تؤهلها للاضطلاع بهذا الدور، فضلا عن محدودية قدراتها على الإنتاج العسكري المخصص للتصدير بكميات كبيرة".

ومن هذا المنطلق، يعتقد التقرير أن "التفسير الأكثر واقعية يتمثل في أن دول الخليج تسعى بصورة انتقائية إلى الاستفادة من الخبرات العسكرية الأوكرانية التي جرى اختبارها ميدانيا، مع تجنب الانخراط في التزامات جيوسياسية واسعة".

وأضاف أن الإمارات "قد تكون أول دولة خليجية تنتقل إلى التنفيذ العملي لمذكرة التفاهم الموقعة مع أوكرانيا، مستفيدة من مرونة منظومتها للصناعات الدفاعية واهتمامها بالتقنيات العسكرية الحديثة".

أما السعودية، فيرى التقرير أنها "تمتلك إمكانات أكبر على المدى الطويل لتوسيع التعاون، غير أن تنفيذ المشروعات فيها يسير عادة بوتيرة أبطأ، نتيجة الإجراءات البيروقراطية وارتباطها بمتطلبات توطين الصناعات ضمن مستهدفات (رؤية 2030)".

في المقابل، توقع الموقع أن "يركز التعاون مع قطر على مجالات أكثر تخصصا، مثل تدريب الكوادر، والأمن السيبراني، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، إضافة إلى تقنيات القيادة والسيطرة، بدلا من التوسع في برامج التسليح الكبرى".

مكانة مؤثرة 

ورغم هذه المعطيات، شدد الموقع على أن "العلاقات بين روسيا ودول الخليج تستند إلى أسس أوسع وأعمق من أن تتأثر بمجرد توقيع اتفاقيات دفاعية مع أوكرانيا".

وأكد على "ضرورة عدم المبالغة في تقدير هذه المزايا؛ إذ إن توسيع التعاون العسكري مع أوكرانيا لا يعني بالضرورة إحلالها محل روسيا في المنطقة".

وأرجع ذلك إلى أن "موسكو لا تزال تحتفظ بمكانة مؤثرة في الشرق الأوسط، سواء عبر تعاونها مع دول الخليج في قطاع الطاقة، أو من خلال العلاقات المرتبطة بالأمن الغذائي والأسمدة والطاقة النووية، إضافة إلى استمرار قنوات التواصل الدبلوماسي والتعاون في الصناعات الدفاعية".

واستطرد: "العلاقات بين روسيا ودول الخليج تستند إلى أسس أوسع وأعمق من أن تتأثر بمجرد توقيع اتفاقيات دفاعية مع أوكرانيا".

وأضاف: "روسيا لا تزال تعرض على الأسواق الخارجية منظومات للدفاع الجوي، وأنظمة للحرب الإلكترونية، وطائرات مسيرة، وذخائر جوالة، ومعدات طيران، إلى جانب حلول متخصصة لمواجهة الطائرات المسيرة".

وتابع: "ورغم أن صادرات الصناعات الدفاعية الروسية تواجه تحديات ناجمة عن العقوبات الغربية وضغوط الإنتاج وارتفاع الطلب المحلي، فإن موسكو تواصل تسويق أسلحة أثبتت كفاءتها في ساحات القتال".

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن شركة "روس أوبورون إكسبورت" عرضت خلال معرض "يوميكس" الذي أقيم في أبوظبي خلال يناير/ كانون الثاني 2026 مجموعة من الطائرات المسيرة والذخائر الجوالة الروسية".

في خطوة تعكس، وفق الموقع، "استمرار المنافسة بين موسكو وكييف داخل الأسواق الدفاعية نفسها".

ومن هذا المنطلق، يقدر أنه "سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن روسيا لم تعد قادرة على تقديم قيمة عسكرية أو تكنولوجية تضاهي بعض الخبرات التي تمتلكها أوكرانيا".

واستطرد: "بنت كييف رواية مقنعة حول خبرتها في مواجهة الطائرات المسيرة، مستفيدة من تجربتها في التكيف مع الهجمات المتواصلة، في حين تواصل روسيا الاعتماد على خبراتها في مجالات الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي، إلى جانب ما توفره من مرونة سياسية وقيود أقل مقارنة بالموردين الغربيين".

وهو ما يعتقد التقرير أن "دول الخليج تدركه جيدا، فهي تعي مزايا وحدود التعاون مع كل من موسكو وكييف، ومن غير المرجح أن تراهن على طرف واحد بصورة حصرية".

وضرب مثالا على الإمارات قائلا: "تتبع أبوظبي منذ سنوات سياسة ثابتة تقوم على تنويع مصادر التسلح بهدف تقليل الاعتماد المفرط على الموردين الغربيين، وهي مقاربة لا تقتصر على التعاون مع أوكرانيا، بل تشمل أيضا الصين وتركيا وكوريا الجنوبية، وإلى حد ما روسيا".

وبحسب وجهة نظره، فإن "الهدف من هذه السياسة ليس استبدال تحالف بآخر، وإنما تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الإستراتيجية، وهي المقاربة نفسها التي تتبعها أيضا كل من السعودية وقطر".

بصورة عامة، شدد التقرير على أن "دول الخليج تدرك بصورة واضحة نقاط القوة والضعف لدى الطرفين، وهو ما يجعلها تتعامل معهما بمنطق براغماتي بعيد عن الاصطفافات السياسية".

مقاربة واقعية

من منظور تحليلي مغاير، يعتقد الموقع الروسي أن دول الخليج "تتعمد الحفاظ على قدر من الغموض الإستراتيجي في علاقاتها الخارجية، وهو النهج الذي اتبعته باستمرار في تعاملها مع موسكو منذ عام 2022".

وتابع موضحا: "رغم تقديم بعض دول الخليج دعما إنسانيا وسياسيا لأوكرانيا، واستضافتها جولات تفاوض، والحفاظ على قنوات اتصال مع كييف، إلى جانب استكشاف مجالات جديدة للتعاون الأمني؛ فإنها امتنعت في معظمها عن الانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، رغم الضغوط الكبيرة التي مارستها الولايات المتحدة وأوروبا".

ووفقا له، "تجلى ذلك في مواصلة دول الخليج حوارها السياسي مع موسكو، والحفاظ على علاقاتها الاقتصادية معها، فضلا عن استمرار التعاون داخل إطار تحالف (أوبك+)".

علاوة على ذلك، "لا يزال التعاون مع روسيا في قطاع الطاقة يمثل قيمة إستراتيجية بالنسبة للدول الخليجية المصدرة للنفط، لما يوفره من تنسيق في مستويات الإنتاج واستقرار للأسعار وإدارة أكثر فاعلية لأسواق الطاقة العالمية".

من هنا، شدد على أنه "من الخطأ تفسير التعاون الدفاعي بين دول الخليج وأوكرانيا بصفته مؤشرا على انتقال دول مجلس التعاون إلى المعسكر المناهض لروسيا".

في الوقت ذاته، لفت التقرير إلى أن "هذا التعاون يخدم عدة أهداف، من بينها الاستفادة من الخبرات العسكرية الأوكرانية، وفتح قنوات جديدة للاستثمار، وتعزيز القدرات الدفاعية الخليجية".

فضلا عن "توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية تؤكد اهتمام دول الخليج بالملف الأوكراني".

ونوه الموقع إلى أن "هذا البعد غالبا ما يغيب عن كثير من التحليلات الغربية؛ إذ إن التعاون المحدود مع أوكرانيا يمنح دول الخليج فرصة لإظهار قدر من التوازن السياسي، وتخفيف الضغوط والانتقادات الغربية الموجهة إليها بسبب استمرار علاقاتها البراغماتية مع موسكو".

"كما يمنحها هامشا أوسع للمناورة والتفاوض مع كل من واشنطن وروسيا، دون الاضطرار إلى التضحية بعلاقاتها مع أي من الطرفين". وفق تعبيره.

ويعتقد التقرير أن "المنطق ذاته ينطبق على علاقة دول الخليج بإيران، فهذه الدول لا ترغب في إدارة ظهرها لطهران بصورة كاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التعايش مع المخاطر الناجمة عن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية أو التهديدات التي قد تنال الملاحة البحرية".

وبحسبه، فإن "موقف مجلس التعاون الخليجي يتسم بدرجة كبيرة من الدقة والتوازن؛ إذ يقوم على احتواء إيران مع الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة، والتعاون مع واشنطن دون التحول إلى منصة لتصعيد عسكري مفتوح، إلى جانب تطوير التعاون مع أوكرانيا دون التفريط في العلاقات القائمة مع روسيا".

وعقّب التقرير: "هذا النهج قد لا يرضي الدوائر الغربية المتشددة، لكنه بالنسبة لدول الخليج يمثل مقاربة واقعية لإدارة المخاطر التي تفرضها البيئة الإقليمية".

وعليه، شدد على أن "تبني دول الخليج مواقف أكثر عدائية تجاه إيران أو روسيا لن يجعل المنطقة أكثر أمنا، بل قد يزيد من تعرضها لإجراءات انتقامية، ويحد في الوقت نفسه من قدرتها على لعب أدوار الوساطة وخفض التصعيد واحتواء المخاطر".

فهو يقدر أنه "لو انخرطت دول الخليج في حملة صريحة ضد روسيا أو إيران، فإن ذلك لن يجعل المنطقة أكثر استقرارا، بل سيزيد من احتمالات التصعيد والردود الانتقامية وتصاعد الصراعات غير المباشرة".

إضافة إلى ذلك، "مثل هذا الخيار سيحرم دول الخليج أيضا من قدر مهم من المرونة الدبلوماسية التي مكنتها خلال السنوات الماضية من لعب أدوار الوساطة، واستضافة المفاوضات، والمساهمة في عمليات تبادل الأسرى، والحفاظ على قنوات التواصل خلال الأزمات".

وفي المحصلة، خلص التقرير إلى أن "التطورات الأخيرة لا تعكس ابتعاد دول الخليج عن روسيا، بقدر ما تؤكد استمرارها في ترسيخ سياسة تقوم على تنويع الخيارات الإستراتيجية وإدارة المخاطر، في ظل تزايد الانقسامات الإقليمية وتراجع الثقة في الاعتماد على ضامن أمني واحد".