"ممر آمن وحيوي وملاذ للاستقرار".. لماذا تعدّ سوريا الرابح الأكبر من الحرب الإيرانية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أعادت الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما رافقها من إغلاق لمضيق هرمز الإستراتيجي، رسم ملامح الدور الجيوسياسي لسوريا في المنطقة. 

فبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024، وانسحاب القوات الأميركية من البلاد مطلع عام 2026، وتصاعد التوترات الإقليمية، بدأت سوريا تتحول تدريجيا من دولة أنهكتها سنوات الصراع والعزلة إلى مركز لوجستي بديل يزداد حضوره في الشرق الأوسط، بحسب موقع "راديو سفوبودا".

وفي هذا الإطار، استعرض الموقع الناطق باللغة الروسية الفرص التجارية والاقتصادية والاستثمارية التي قد تتيح لسوريا لعب دور بديل لمضيق هرمز، كما تناول أبرز التحديات والعقبات التي قد تعرقل مساعي دمشق للتحول إلى مركز تجاري ولوجستي إقليمي.

ممر آمن

وأشار الموقع في مستهل تقريره إلى أن "الحرب التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى مثلت فرصة كبيرة للرئيس السوري أحمد الشرع".

وعزا ذلك إلى أن "سوريا تقدم اليوم نفسها بصفتها بديلا يحتاج إليه العالم بشدة، مستفيدة من امتلاكها ما لا يقل عن ثلاثة موانئ كبيرة وعميقة على البحر المتوسط".

فضلا عن "حدودها المشتركة مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، وذلك باستثناء هضبة الجولان وخط التماس العازل مع إسرائيل التي لا تزال دمشق في حالة حرب رسمية معها".

وقال مدير دائرة العلاقات المحلية والدولية في هيئة المنافذ البرية والبحرية السورية، مازن علوش، في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز:" إنه "بعد إغلاق مضيق هرمز، توجهت إلينا عمليا جميع دول المنطقة المجاورة بطلبات للحصول على إمكانية الوصول إلى موانئنا البحرية".

وأضاف علوش: "نعمل اليوم بصورة مكثفة على تطوير هذا الخيار البديل؛ تحسبا لاستمرار أزمة الخليج لفترة أطول".

ولفت الموقع إلى أنه "بسبب تراجع حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز بنسبة 95 بالمئة، والارتفاع الحاد في تكاليف التأمين على السفن التجارية، ولا سيما ناقلات النفط؛ تحولت سوريا إلى جسر بري رئيس بالنسبة إلى جيرانها القريبين والبعيدين الذين باتوا بحاجة كبيرة إلى موانئها الرئيسة في اللاذقية وطرطوس".

وأردف: "بدأت العراق وبعض دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، بالفعل في نقل النفط وسلع أساسية أخرى، مثل المواد الكيميائية والأسمدة الزراعية، عبر الأراضي السورية باتجاه سواحل البحر المتوسط، متجاوزة الطرق البحرية السابقة التي أصبحت مغلقة حاليا".

وأوضح التقرير أن "الجزء الأكبر من النفط المنقول من العراق إلى سوريا ومنها إلى وجهات أخرى لا يزال ينقل بواسطة الشاحنات الصهريجية".

فقد أرسل العراق أولى قوافل النفط إلى سوريا نهاية مارس/ آذار 2026، وتمر عبر الحدود العراقية السورية حاليا في بعض الأيام أكثر من 400 صهريج، بمتوسط يصل إلى نحو 650 ألف طن من الوقود شهريا.

وفي أبريل/ نيسان، وصلت إلى سوريا عبر الأردن أول شحنة تجارية من الإمارات تضم 200 سيارة كهربائية مصنوعة في الصين، قبل أن يعاد تصديرها إلى أوروبا عبر ميناء اللاذقية.

إضافة إلى ذلك، "وقعت الأردن وسوريا وتركيا في السابع من أبريل مذكرة تفاهم لإنشاء مسار متكامل للنقل البري والسكك الحديدية، كما تخطط السعودية للانضمام إلى هذا المشروع لتأمين وصولها إلى الأسواق الشمالية وأوروبا".

في الوقت ذاته، أشار الموقع إلى "تسارع الجهود الرامية إلى إعادة تشغيل خط أنابيب النفط (كركوك – بانياس)، وهو ممر إستراتيجي للطاقة يمتد لنحو 800 كيلومتر، ويربط بين حقول كركوك النفطية في العراق وميناء بانياس السوري المطل على البحر المتوسط".

وقد شيدت شركة "بريتيش بتروليوم" البريطانية هذا الخط خلال الفترة الممتدة بين عامي 1947 و1952، ومنذ منتصف خمسينيات القرن العشرين استخدم بصورة غير منتظمة.

بديل إستراتيجي

وبحسب التقرير، "تعرض خط أنابيب النفط (كركوك – بانياس) لأضرار جسيمة نتيجة الغارات الجوية خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ليتوقف بعدها عمليا عن العمل كنظام متكامل".

وذكر أن "دمشق وبغداد يناقشان حاليا خيارين، أولهما إصلاح الخط القائم، وثانيهما إنشاء خط جديد بالكامل بطاقة تصل إلى 1.25 مليون برميل يوميا".

مع الإشارة إلى أن التشغيل الكامل للمشروع يتطلب، وفق الموقع، إعادة تأهيل محطات الضخ ونحو 30 خزان تخزين في بانياس وطرطوس.

"علاوة على ذلك، أعادت أنقرة في أبريل طرح مشروع إنشاء خط الغاز الإستراتيجي (قطر -تركيا-أوروبا)، الذي يفترض أن يمر جزئيا عبر الأراضي السورية"، وفق الموقع.

وتابع: "تنظر تركيا إلى هذا المسار بصفته بديلا إستراتيجيا لطرق الإمداد عبر مضيق هرمز، وفرصة لترسيخ مكانتها كمركز رئيس للطاقة".

ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن الدوحة "لا تزال تتعامل بحذر مع المشروع؛ إذ تواصل التعويل على استئناف صادرات الغاز الطبيعي المسال عبر الناقلات من خلال مضيق هرمز".

في غضون ذلك، ذكر أنه "أُطلق بالفعل مشروع محلي بدعم من قطر وأذربيجان لنقل الغاز من تركيا إلى سوريا (عبر خط كليس-حلب) لإنعاش قطاع الطاقة السوري".

بصورة عامة، يرى التقرير أن "الحصار الاقتصادي المفروض على إيران أدى إلى خلق فراغ مفيد اقتصاديا تستفيد منه الحكومة السورية الجديدة بصورة متزايدة".

فوفقا له، "تحصل دمشق اليوم على إيرادات كبيرة من رسوم العبور والخدمات الجمركية والأنشطة اللوجستية المرتبطة بالتخزين".

وأضاف أنه "خلال الأشهر العشرة الماضية، لا سيما منذ نهاية فبراير/ شباط 2026 عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربات إلى إيران، استقطب قطاع الطاقة السوري نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المخصصة لتطوير البنية التحتية التي يفترض أن تحل مستقبلا محل المسارات البحرية السابقة التي أصبحت غير مستقرة".

وأردف: "جاءت هذه الاستثمارات من شركات دولية كبرى مثل شيفرون وتوتال وقطر للطاقة".

"ملاذ للاستقرار"

على الصعيد السياسي، رأى الموقع أن "أبرز المكاسب التي حققها الشرع تتمثل في أن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان؛ سرعت من وتيرة إعادة تأهيل سوريا على الساحة الدولية".

ولفت إلى أن "الضرورة العملية والمكاسب التجارية الواضحة دفعت الدول الإسلامية المجاورة والدول الغربية على حد سواء إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع القيادة السورية الجديدة".

من جهته، أشار الموقع إلى أن الشرع "يحرص باستمرار على تقديم سوريا بوصفها أرضا محايدة وملاذا للاستقرار وسط الحرب الدائرة في إيران وسلسلة النزاعات الأخرى في الشرق الأوسط، التي غالبا ما تتداخل وتترابط فيما بينها".

ومع ذلك، أكد التقرير أن "سوريا لا تزال تواجه مخاطر كبيرة قد تعيق تحولها إلى مركز رئيس للتجارة العالمية".

وأرجع ذلك إلى أن "البنية التحتية التي دمرتها سنوات الحرب الأهلية تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل لإعادة تأهيلها، ولكي تتمكن حكومة الشرع من الاستفادة من الفرص الجديدة، يتعين عليها تجاوز عقبات عديدة، من بينها النقص الحاد والمزمن في الكهرباء والمياه".

من جانب آخر، أشار التقرير إلى أن "الإعلان الرسمي في 16 أبريل عن استكمال انسحاب القوات الأميركية من البلاد أتاح لدمشق بسط سيطرتها الكاملة على شبكات النقل الحدودية والموارد الواقعة شرقي البلاد".

وفي هذا الصدد، ذكر أن "معبر التنف الحدودي، الذي يعد أحد أهم مراكز نقل النفط برا من العراق إلى سوريا، ظل خارج الخدمة لسنوات طويلة".

وبحسب علوش، مدير دائرة العلاقات المحلية والدولية في هيئة المنافذ البرية والبحرية، فإن إعادة تشغيله بصورة كاملة ستستغرق عدة أشهر على الأقل، وستكلف نحو 25 مليون دولار.

واستدرك التقرير: "لكن دمشق، سعيا إلى تسريع إعادة افتتاح المعبر، دفعت بعدد كبير من المهندسين والخبراء إلى موقعه، بمن فيهم مختصون من أوروبا، كما أرسلت قوافل محملة بالمعدات اللازمة وأجهزة الحاسوب، إضافة إلى فرق مراقبة الحدود والجوازات، وأنشأت لهم مساكن متنقلة في المنطقة الصحراوية المحيطة بالمعبر".

"لن تذهب سدى"

وبصورة عامة، أشار التقرير إلى أن "تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تتجاوز 200 مليار دولار، وفقا لتقرير أصدره البنك الدولي عام 2025، في حين يتوقع أن يخصص أكثر من 80 مليار دولار منها لإصلاح الطرق وشبكات الكهرباء وإمدادات المياه وقطاع الاتصالات".

في هذا الإطار، لفت إلى أنه "رغم رفع الولايات المتحدة معظم العقوبات المفروضة على دمشق، لا تزال سوريا مدرجة ضمن قائمة (الدول الراعية للإرهاب)، وهو ما يفرض عليها مجموعة كبيرة من التحديات المالية المعقدة".

في غضون ذلك، ذكر التقرير أنه "في نهاية عام 2025، نفذت الحكومة السورية أول تحويل إلكتروني عبر أحد البنوك الغربية منذ 14 عاما، في خطوة رمزية مهمة على طريق إعادة دمج البلاد في النظام المصرفي العالمي".

ومع ذلك، أشار إلى أن سوريا "لا تزال حتى اليوم خارج نظام (سويفت) الخاص بالتحويلات المالية الدولية، وهو ما يمثل عقبة كبيرة أمام المستثمرين الأجانب الراغبين في دخول السوق السورية".

ومن العقبات الأخرى التي تواجه سوريا في مساعيها للتحول إلى مركز تجاري عالمي، أبرز الموقع "حالة عدم الاستقرار المزمنة في المنطقة، إلى جانب النزاعات العرقية والطائفية داخل سوريا".

وأوضح أن "دمشق نجحت حتى الآن في احتواء هذه التوترات، لكنها لم تتمكن من إنهائها بشكل كامل، وهو ما قد يجعل الممرات اللوجستية السورية الجديدة عرضة للهشاشة والمخاطر ذاتها التي يواجهها مضيق هرمز". بحسب تقييمه.

في المحصلة، أشار الموقع إلى أن “الحكومة السورية، رغم التحديات القائمة، تراهن على إقناع الدول المجاورة والشركات الدولية بأن الاستفادة الكاملة من الموارد المتاحة في البلاد تتطلب الاستثمار في إعادة بناء البنية التحتية، وأن هذه الاستثمارات لن تذهب سدى”. 

وبحسب تقديره، فإن "هذا المسعى يحقق نجاحا متزايدا مع مرور الوقت".

واستشهد على ذلك قائلا: "أعلنت شركة إعمار العقارية، أكبر تكتل للتطوير العقاري في دبي، خلال مايو/ أيار 2026 على هامش أول منتدى استثماري سوري-إماراتي في التاريخ الحديث يعقد في دمشق، أنهم يدرسون ضخ استثمارات تصل إلى 7 مليارات دولار في الساحل السوري، فضلا عن استثمارات أخرى قد تبلغ 12 مليار دولار في البنية التحتية للعاصمة دمشق".