الأبيض.. عقدة الإمداد التي تشعل صراع السيطرة غرب السودان

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع تصاعد حشود قوات الدعم السريع المتمردة المدعومة إماراتيا حول مدينة الأبيض، وسلسلة الضربات الاستباقية التي ينفذها الجيش السوداني بالطائرات المسيرة على محاور التقدم في شمال كردفان، تتزايد المؤشرات على اقتراب واحدة من أكثر معارك الحرب السودانية حساسية منذ اندلاعها.

وفي وقت تحذر فيه الأمم المتحدة وعشرات الدول من هجوم قد يحول الأبيض إلى "فاشر جديدة"، تبدو المدينة اليوم أمام اختبار قد يعيد رسم خريطة السيطرة في إقليم كردفان، ويؤثر في مسار الحرب بأكملها.

لماذا أصبحت المعركة المقبلة؟

منذ منتصف يونيو/حزيران 2026، تصاعدت المؤشرات على انتقال مركز الثقل العسكري في السودان إلى مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مع تكثيف قوات الدعم السريع حشودها على المحاور الغربية والشمالية للمدينة، مقابل رفع الجيش السوداني درجة الاستنفار والدفع بتعزيزات جديدة إلى خطوط الدفاع.

وتكتسب الأبيض أهمية استثنائية في الحسابات العسكرية للطرفين، فهي لا تمثل فقط عاصمة الولاية، وإنما تعد عقدة مواصلات تربط الخرطوم بولايات كردفان ودارفور، كما تشكل مركزا رئيسا لخطوط الإمداد العسكرية والمدنية القادمة من غرب السودان.

ولهذا ينظر إليها العسكريون بصفتها مفتاح السيطرة على إقليم كردفان، إذ إن فقدانها أو الاحتفاظ بها ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة القوات والإمدادات في مساحة واسعة من البلاد.

وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت المدينة لسلسلة هجمات من قبل الدعم السريع بالطائرات المسيرة استهدفت مواقع عسكرية وخدمية، بينها محطة الكهرباء الرئيسة، ومحطات وقود، إضافة إلى مواقع قرب سوق القفة غرب استاد الأبيض، ومحيط قيادة الجيش والمجلس التشريعي وسجن المدينة، بحسب مصادر محلية.

وأدت بعض هذه الهجمات إلى سقوط قتيل وعدد من المصابين، كما تسببت في زيادة الضغوط على الخدمات الأساسية داخل المدينة.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يعكس انتقال الصراع من مرحلة الضغط غير المباشر إلى مرحلة تهيئة ميدان المعركة؛ إذ بات كل طرف يسعى إلى إنهاك خصمه قبل أي مواجهة برية واسعة.

لذلك لم تعد الأبيض مجرد مدينة تقع على خطوط الإمداد، بل أصبحت الهدف الإستراتيجي الأبرز في كردفان، والمدينة التي قد تحدد نتائج المعركة المقبلة في غرب السودان.

وفي محاولة لإحباط أي هجوم محتمل على الأبيض، كثف الجيش السوداني خلال الفترة الماضية عملياته الجوية باستخدام الطائرات المسيرة، مستهدفا تجمعات وتحركات الدعم السريع في عدد من المحاور الحيوية بشمال كردفان.

ووفق مصادر عسكرية، شملت الضربات مناطق طريق الصادرات وأم صميمة وأبو قعود، قبل أن تمتد إلى حمرة الشيخ وجبرة الشيخ وسودري وأم بادر، وهي مناطق تعد من أهم خطوط تحرك وإمداد قوات الدعم السريع القادمة من غرب الإقليم.

كما استهدفت العمليات مواقع غربي مدينة بارا وشمال الأبيض؛ حيث كانت القوات تعمل على حشد المقاتلين وتجهيز الآليات استعداداً لعمليات جديدة.

وتشير المعلومات الميدانية إلى أن الضربات أسفرت عن خسائر في المعدات والآليات، فضلا عن تعطيل استعدادات كانت تجرى باتجاه منطقة الدانكوج، التي تمثل أحد أبرز خطوط الدفاع الشمالية عن الأبيض.

ويرى محللون أن الجيش يحاول من خلال هذه العمليات منع وصول قوات كبيرة إلى محيط المدينة، وحرمان خصمه من القدرة على شن هجوم متزامن من أكثر من محور.

في المقابل، واصلت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي إرسال تعزيزات جديدة إلى المناطق المحيطة بالأبيض رغم الضربات الجوية، ما يشير إلى تمسكها بخيار الضغط العسكري وعدم التخلي عن هدف السيطرة على المدينة.

كما دفعت القوات المسلحة السودانية، بحسب مصادر ميدانية، بوحدات إضافية من القوات المشتركة وقوات درع السودان وجهاز المخابرات العامة لتعزيز المواقع الدفاعية، في مؤشر على أن الطرفين يتعاملان مع الأبيض بصفتها ساحة المواجهة الرئيسة خلال المرحلة المقبلة.

ويعكس هذا المشهد سباقا واضحا لفرض أفضلية ميدانية قبل اندلاع المعركة، إذ يركز الجيش على استهداف خطوط الإمداد ومنع اكتمال الحشود، بينما تحاول قوات الدعم السريع الحفاظ على زخم التعزيزات وإبقاء الضغط قائماً حول المدينة.

هل يتكرر سيناريو الفاشر؟

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تصاعدت التحذيرات الدولية من احتمال تحول الأبيض إلى بؤرة مواجهة جديدة ذات تداعيات إنسانية واسعة.

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه من التقارير التي تحدثت عن حشود عسكرية متزايدة حول المدينة، محذرا من أن أي هجوم واسع قد يؤدي إلى موجة جديدة من العنف والمعاناة الإنسانية.

كما حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من المخاطر التي قد يتعرض لها المدنيون إذا امتدت العمليات العسكرية إلى داخل المدينة أو محيطها.

وفي موقف غير معتاد، انضمت 29 دولة إلى الأمم المتحدة في دعوة قوات الدعم السريع إلى الامتناع عن شن هجوم على الأبيض، في إشارة إلى حجم القلق الدولي من تطورات الموقف الميداني.

ويستند هذا القلق إلى التجربة التي شهدتها مدينة الفاشر؛ حيث أدى الحصار الطويل والاشتباكات المتواصلة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح واسع للسكان، وانهيار أجزاء كبيرة من الخدمات الأساسية.

ويخشى مسؤولون أمميون ومنظمات إنسانية من أن يؤدي تكرار السيناريو نفسه في الأبيض إلى كارثة أكبر، نظرا إلى موقع المدينة الاستراتيجي وكثافتها السكانية ووجود أعداد كبيرة من النازحين الذين لجأوا إليها من مناطق القتال الأخرى.

كما أن أي تعطيل طويل الأمد لحركة الأبيض سيؤثر في شبكات التجارة والإمداد التي تربط دارفور وكردفان بوسط السودان، وهو ما يضاعف من حجم التداعيات الاقتصادية والإنسانية، ويجعل المعركة المحتملة قضية تتجاوز حدود المدينة نفسها.

البعد الإقليمي والدولي لمعركة الأبيض

لا تبدو التطورات العسكرية حول مدينة الأبيض بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع للحرب السودانية؛ إذ تتقاطع المعركة المرتقبة مع حسابات معقدة تتجاوز حدود الإقليم، وتنعكس على مواقف القوى الفاعلة في المشهدين الإقليمي والدولي.

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المؤشرات على اقتراب مواجهة واسعة في شمال كردفان، تبرز تحركات دبلوماسية وتحذيرات أممية تعكس حجم القلق من تحول الأبيض إلى نقطة اشتعال جديدة على غرار ما حدث في مدن سودانية أخرى خلال مراحل سابقة من الحرب.

وتشير المعطيات إلى أن المجتمع الدولي ينظر إلى تطورات كردفان بصفتها جزءاً من مسار أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان، وهو ما يفسر تصاعد الدعوات الأممية والدولية لضبط النفس وتجنب استهداف المناطق المدنية.

كما يعكس الموقف الدولي خشية متزايدة من أن يؤدي أي تغيير في السيطرة على الأبيض إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ العسكري والاقتصادي في غرب السودان، بما ينعكس مباشرة على خطوط الإمداد الحيوية التي تربط البلاد بمحيطها الإقليمي.

وفي هذا السياق، تتداخل حسابات القوى الإقليمية التي ترتبط مصالحها بأمن البحر الأحمر واستقرار الممرات التجارية، مع مخاوف من امتداد تداعيات الحرب إلى مناطق أوسع في القرن الإفريقي والساحل.

كما ينظر إلى الصراع في كردفان باعتباره جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتعلق بتوازنات النفوذ، والدور الذي تلعبه الأطراف الداعمة في دعم أو تقليص قدرة الفاعلين العسكريين على الحسم الميداني.

وبذلك، فإن معركة الأبيض لا تبدو مجرد مواجهة محلية على مدينة إستراتيجية، بل حلقة في صراع إقليمي ودولي مفتوح، تتداخل فيه اعتبارات الأمن، والمصالح الاقتصادية، ومسارات النفوذ السياسي في المنطقة بأكملها.

الحرب تتسع

ولا ينحصر التصعيد الحالي في محيط الأبيض، بل يتزامن مع اتساع رقعة الحرب إلى ولايات أخرى، في مؤشر على دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدا.

ففي ولاية النيل الأبيض، قتل شخص وأصيب 14 آخرون إثر هجوم بطائرة مسيّرة استهدف محطة وقود بمدينة كوستي، بحسب السلطات المحلية.

ويأتي الهجوم ضمن سلسلة ضربات استهدفت خلال الأشهر الماضية منشآت الوقود والطاقة في كوستي وربك وكنانة، ما ألحق أضرارا بالبنية التحتية الحيوية، وفاقم أزمة الوقود وأثر في حركة النقل والإمدادات.

ويرى مراقبون أن استهداف منشآت الطاقة لم يعد مجرد عمل عسكري محدود، وإنما أصبح جزءاً من إستراتيجية تستهدف إضعاف القدرات اللوجستية للطرف المقابل وإرباك حركة الإمداد في المناطق التي يسيطر عليها الجيش.

وفي شمال كردفان، دخلت مدينة أم روابة أيضا دائرة الاستهداف عبر هجوم بالطائرات المسيرة، في وقت تحولت فيه هذه الطائرات إلى أحد أبرز أسلحة الحرب، بعدما أصبحت تستخدم لضرب أهداف بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.

أما في إقليم النيل الأزرق، فقد امتدت المواجهات إلى منطقة جبل كركم جنوب غربي مدينة سالي؛ حيث قالت مصادر عسكرية: إن الجيش تصدى لمحاولة تقدم لقوات الدعم السريع بالقصف المدفعي.

وفي تطور آخر، أعلنت قوات تابعة لتحالف "تأسيس"، الذي يضم الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، سيطرتها على منطقة سركم والاستيلاء على مركبات وأسلحة، بينما لم يصدر تعليق رسمي فوري من الجيش على تلك الأنباء.

وفي جنوب كردفان، تعرضت مدينة الدلنج لقصف مدفعي، وسط تقارير عن تنسيق ميداني بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال في بعض مناطق الولاية، وهو ما يضيف بعدا جديدا للمشهد العسكري، ويشير إلى اتساع ساحات المواجهة في وقت واحد.

معركة مصيرية

ويرى الباحث السوداني محمد نصر في حديثه مع "الاستقلال" أن معركة الأبيض تتجاوز كونها مواجهة عسكرية للسيطرة على مدينة، لتصبح اختبارا حاسما لمستقبل ووحدة السودان الجغرافية.

ويشير إلى أن الأبيض، التي يزيد عدد سكانها على نصف مليون نسمة وتستضيف أعدادا كبيرة من النازحين، تمثل أهم عقدة لوجستية وعسكرية في غرب البلاد، إذ تربط الخرطوم بولايات كردفان ودارفور، وتتحكم في شبكة الطرق والإمدادات التي يعتمد عليها الجيش في عملياته.

ويضيف نصر أن أهمية المدينة لا تكمن في رمزيتها الإدارية فحسب، بل في موقعها الذي يجعل السيطرة عليها عاملا مؤثرا في موازين القوى على امتداد مسرح العمليات في غرب ووسط السودان.

فنجاح الدعم السريع في بسط نفوذها على الأبيض سيمنحها أفضلية استراتيجية في الحركة والإمداد، وقد يفتح المجال أمام تغييرات عسكرية وسياسية واسعة في كردفان، بينما تمثل هزيمتها في هذه العقدة الإستراتيجية، وفق تقديره، ضرورة للحفاظ على تماسك خطوط الدفاع ومنع اتساع رقعة سيطرة الدعم السريع بما قد ينعكس على وحدة الدولة السودانية واستقرارها.

ويحذر نصر من أن أي معركة واسعة داخل المدينة ستكون لها كلفة إنسانية باهظة، ليس فقط بسبب كثافتها السكانية، وإنما أيضا لأنها تؤوي عشرات الآلاف من النازحين الذين فروا من جبهات القتال الأخرى.

ويرى أن استمرار استهداف البنية التحتية والخدمات الأساسية، بالتوازي مع الحشود العسكرية المتقابلة، ينذر بموجة نزوح جديدة قد تكون من الأكبر منذ اندلاع الحرب، وهو ما يفسر تنامي التحذيرات الأممية والدولية من خطورة المعركة المرتقبة وتداعياتها على مستقبل السودان بأكمله.