ترامب يريد الزج بجيش سوريا في مستنقع لبنان لإنقاذ إسرائيل.. ما الاحتمالات؟

لا توجد مؤشرات رسمية على تحالف سوري-إسرائيلي أو تعاون عسكري معلن ضد "حزب الله"
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي ألمح فيها إلى إمكانية اضطلاع سوريا بدور في مواجهة "حزب الله" اللبناني، جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب مضمونها، بل لما تعكسه من تحولات عميقة في خريطة التحالفات الإقليمية منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وخلال مقابلة مع برنامج "ميت ذا برس" على قناة “إن بي سي” في 8 يونيو/حزيران، تناول فيها التطورات في لبنان، أشار ترامب إلى احتمال مساهمة سوريا في تسهيل تنفيذ ضربات "أكثر دقة" ضد "حزب الله".
كما أشاد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، مقدرا أنه نجح في إعادة قدر من الاستقرار إلى سوريا بعد سنوات من الحرب والاضطرابات.
وأوضح أن واشنطن قد تقدم دعماً مباشراً أو "توصي" سوريا بخطوات معينة، في إطار المساعي لمعالجة دور "حزب الله" في لبنان، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة حول طبيعة الدور الذي قد تضطلع به دمشق في أي مواجهة مستقبلية مع الحزب المدعوم من إيران.
وتفاعلا مع التصريحات، أوضح موقع “ذا ميديا لاين”، أن ابتعاد دمشق عن تحالفها القديم مع طهران و"حزب الله" من شأنه أن يعيد تشكيل أمن الحدود، ومسارات التهريب، وحرية حركة الحزب.

تحولات جذرية
وقال الموقع الأميركي، في تقرير له: إن هذه التصريحات فتحت نقاشا أوسع حول مكانة سوريا في المشهد السياسي المتغير في المنطقة. فعلى مدى عقود، مثّلت سوريا أبرز حليف عربي لـ "حزب الله"، موفرة له الدعم الجغرافي والسياسي والعسكري الذي ساعده على توسيع نفوذه الإقليمي.
وقد أعقب تصريحات الرئيس ترامب رد مقتضب من الشرع، نفى فيه التقارير التي أشارت إلى إمكانية دخول القوات السورية إلى لبنان، واصفا هذه الادعاءات بأنها "عارية عن الصحة تماما".
وبينما وضع بيانه حدودا واضحة للتكهنات بشأن التدخل العسكري المباشر، فإنه لم يتطرق صراحة إلى قضايا مثل مراقبة الحدود، أو عمليات مكافحة التهريب، أو غيرها من أشكال التعاون الأمني المحتمل، بحسب ما لاحظه "ذا ميديا لاين".
ولفهم أهمية تصريحات ترامب، استعرض الموقع طبيعة العلاقة التي ربطت سوريا بـ "حزب الله" على مدى عقود.
فقد لعبت دمشق دورا محوريا في دعم الحزب منذ ظهوره في ثمانينيات القرن الماضي. وخلال الوجود العسكري السوري في لبنان، قامت العلاقة على المصالح المشتركة في مواجهة إسرائيل، والحفاظ على شراكة استراتيجية مع إيران.
وتعمق هذا التحالف بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب السورية عام 2011، إذ تدخّل "حزب الله" عسكريا إلى جانب نظام الأسد، ونشر آلاف المقاتلين على جبهات رئيسة، بما في ذلك القصير والقلمون وريف دمشق، وساعد النظام على الصمود خلال إحدى أخطر مراحل الحرب.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الأراضي السورية ممرا حيويا لشحنات الأسلحة الإيرانية إلى لبنان، وجزءا أساسيا من شبكة الإمداد اللوجستي العسكري لـ "حزب الله".
واستدرك التقرير بأن "هذا الواقع تغيّر جذريا بعد سقوط الأسد وظهور قيادة جديدة بقيادة الشرع. فعلى عكس سابقتها، لا تُعد الحكومة السورية الجديدة جزءا من المحور الإقليمي الذي ربط دمشق وطهران و"حزب الله". بل ورثت دولة منهكة من الحرب، تسعى إلى التعافي الاقتصادي، وإعادة الاندماج الإقليمي، واكتساب الشرعية الدولية".
وعلى الرغم من الجدل الذي أثارته تصريحات ترامب، فإنه لم يدعُ إلى عمل عسكري سوري مباشر ضد "حزب الله"، ولم يعلن عن أي مبادرة أميركية إسرائيلية سورية مشتركة. وفق التقرير.

أشكال الدور السوري
وبدلا من ذلك، بدت تصريحاته وكأنها تعكس رؤية سياسية وأمنية أوسع، يمكن للقيادة السورية الجديدة من خلالها الحد من نفوذ "حزب الله" وتقليص حريته العملياتية.
وصرح العميد المتقاعد في سلاح الجو السوري، محمد منصور، لـ "ذا ميديا لاين"، بأن هذا الدور قد يتخذ عدة أشكال.
وقال منصور: "يتمثل الشكل الأول في تشديد الرقابة على الحدود السورية اللبنانية". مشيرا إلى أن هذه الحدود الطويلة والمعقدة لطالما شكلت طريقا رئيسا لنقل الأسلحة والمعدات والأفراد.
وأوضح أن الاحتمال الثاني يتمثل في شن حملة أكثر شراسة ضد شبكات التهريب التي توسعت خلال الحرب السورية، وأصبحت جزءا من البنية التحتية اللوجستية لـ "حزب الله".
وأضاف منصور أن سوريا قد تعزز أيضا إجراءاتها الأمنية ضد الشبكات أو المنشآت المرتبطة بـ "حزب الله" داخل الأراضي السورية، لا سيما في المناطق الحدودية التي حافظ فيها الحزب على وجود كبير خلال السنوات الأخيرة.
ويرى العديد من المراقبين الإقليميين أن فقدان "حزب الله" حرية الحركة التي كان يتمتع بها في سوريا سيشكل، في حد ذاته، تحولا مهما، حتى في غياب أي مواجهة مباشرة بين دمشق والحزب.
ويرى الباحث السوري عبد الرحمن رياض أن التحول الجوهري يكمن في تغير أولويات الدولة السورية.
وقال رياض: "لم تعد العلاقة التي كانت تربط دمشق بطهران و"حزب الله" كما كانت قبل عام 2024". وأوضح أن القيادة السورية الجديدة تركز بالدرجة الأولى على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوطيد شرعيتها الإقليمية والدولية، بدلا من الانخراط في صراعات المحاور التي طبعت المرحلة السابقة.
وقدم المحلل السياسي فواز دلول تقييما مماثلا، قائلا: "لا يتعلق الأمر بمواجهة سوريا لـ "حزب الله" بشكل مباشر، بل باستعادة السيادة على الحدود والمعابر".
وأضاف: "فأي جهد يهدف إلى ضبط الحدود، أو الحد من التهريب، أو منع حركة الأسلحة خارج نطاق سلطة الدولة، سيؤثر حتما على القدرات اللوجستية لـ "حزب الله"، حتى وإن لم يكن موجها ضده تحديدا".
ومن لبنان، قدمت الناشطة السياسية والصحفية فاطمة عثمان وجهة نظر مختلفة؛ إذ ترى أن مستقبل "حزب الله" لا يزال مرتبطا، بالدرجة الأولى، بتوازن القوى الداخلي في لبنان، وقدرة الدولة اللبنانية على بسط نفوذها في جميع أنحاء البلاد.
وأشارت إلى أنه "في الوقت نفسه، فإن أي تغيير في البيئة الإقليمية المحيطة بـ "حزب الله"، لا سيما على الجبهة السورية، سيؤثر حتما على الحيز العملياتي الذي تمتع به الحزب لعقود".
ورغم هذه الاختلافات، تتفق وجهات النظر الثلاث على نقطة محورية، وهي أن التحول الأكثر أهمية لا يتمثل في احتمال دخول سوريا في مواجهة عسكرية مع "حزب الله"، بل في حقيقة أن دمشق لم تعد تمثل العمق الإستراتيجي المطلق الذي اعتمد عليه الحزب طويلا.
وتواجه القيادة السورية تحديات اقتصادية وداخلية هائلة، في وقت تسعى فيه إلى نيل الاعتراف الدولي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ودعم جهود إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، يبدو أن دمشق تبدي اهتماما متزايدا بتقديم نفسها بوصفها دولة ذات سيادة، قادرة على بسط سيطرتها على كامل أراضيها، ومنع الجماعات المسلحة من العمل خارج نطاق سلطة الحكومة، وفق التقرير.
كما استفادت الإدارة الجديدة من تنامي الانخراط العربي والدولي، فضلا عن سلسلة من الإجراءات الأميركية خلال عام 2025، التي خففت أولا ثم رفعت مجموعة من العقوبات المفروضة خلال عهد الأسد.
ونتيجة لذلك، يرى العديد من المحللين أن مصالح سوريا الحالية تختلف جوهريا عن مصالح الحكومة السابقة؛ إذ أصبحت أولوياتها تتمثل في تحقيق الاستقرار، والتعافي الاقتصادي، وبناء مؤسسات الدولة، بدلا من الانخراط في صراعات القوى الإقليمية.

تدخل مرفوض
وتساءل الموقع الأميركي: هل يعني ذلك قيام تحالف مع إسرائيل؟
وأجاب: "على الأقل في الوقت الراهن، يبدو أن الإجابة هي لا، فلا توجد مؤشرات رسمية على تحالف سوري-إسرائيلي أو تعاون عسكري معلن ضد "حزب الله".
كما يدرك القادة السوريون أن أي تقارب علني مع إسرائيل سيثير ردود فعل سلبية واسعة على المستويين المحلي والإقليمي، وسيوفر ورقة ضغط للمعارضين السياسيين.
ويفسر ذلك، جزئيا، رفض الشرع القاطع للتقارير التي أشارت إلى إمكانية دخول القوات السورية إلى لبنان.
ومع ذلك، فإن إصرار دمشق على تأكيد سيادتها على أراضيها قد يفضي إلى نتائج غير مواتية لـ "حزب الله"، لا سيما إذا تضمن ذلك تشديد الرقابة على المعابر الحدودية غير الرسمية، وتوسيع نطاق الجهود المبذولة لمكافحة شبكات التهريب، بحسب التقرير.
وتبرز تصريحات الرئيس ترامب، والرد السوري عليها، حجم التحولات التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين. فالدولة التي كانت تعد أقرب حليف عربي لـ "حزب الله"، باتت اليوم تُطرح بوصفها عاملا محتملا للحد من نفوذ الحزب.
وبينما تواصل دمشق رفض أي تلميح إلى تدخل عسكري مباشر في لبنان، يبدو أن التغيرات في البنية السياسية السورية وأولوياتها قد أعادت تشكيل علاقتها بـ "حزب الله" بصورة جذرية.
وفي نهاية المطاف، يرى الموقع أن السؤال الأكثر أهمية قد لا يكون ما إذا كانت سوريا ستشارك في حرب ضد "حزب الله"، بل ما إذا كانت ستمنع الحزب من الاستفادة من المزايا الإستراتيجية التي وفرتها له الأراضي السورية على مدى عقود.
وختم بالقول: "إذا حدث ذلك، فقد تكون عواقبه على مستقبل "حزب الله" أكثر أهمية من أي مواجهة عسكرية مباشرة".

















