مكاسب جيوسياسية.. هل يفتح تعطل هرمز الباب أمام صعود الدور اللوجستي لعُمان؟

“قد تتحول السلطنة من دور الوسيط إلى محور للتجارة الإقليمية”
في ظل التحولات التي فرضتها حرب إيران على خرائط التجارة والطاقة في المنطقة، تبرز سلطنة عمان لاعبا متنامي الأهمية في مشاريع الربط الإقليمي، ساعية إلى توظيف موقعها الجغرافي ورصيدها الدبلوماسي لتعزيز دورها الاقتصادي وبناء بدائل للممرات التقليدية الحساسة.
ونشر مركز "أورسام" مقالا للكاتب التركي حسين بحري كُورت، تحدّث فيه عن التغييرات المهمة في منطقة الخليج، بعد بدء الحرب التي تسبّبت بها الهجمات الأميركية- الإسرائيلية في 28 أبريل/ نيسان 2026.
وبعد مرور أربعين يوما على اندلاعها، أصبحت الجهود الدبلوماسية ومحادثات وقف إطلاق النار هي السمة الأبرز للصراع.
ولم تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية والأضرار الاقتصادية فقط، بل امتدت لتؤثر على حركة التجارة العالمية، خاصة بعد تعطل المرور عبر مضيق هرمز، والذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة في العالم.
فقد تسبب هذا الوضع في اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، كما أدى إلى زيادة الصعوبات على سلاسل التوريد الدولية في نقل وتأمين السلع والمنتجات الأساسية. لذلك فقد أصبح البحث عن طرق وممرات بديلة للتجارة والنقل ضرورة ملحة في مرحلة ما بعد الحرب.
في هذا الإطار، يبرز دور عُمان بصفتها دولة تسعى إلى تعزيز مشاركتها في مشاريع الربط الإقليمي التي تدعمها تركيا، خاصة مشروع سكة حديد الحجاز ومشروع طريق التنمية، حيث يمكن لهذه المشاريع أن تمنح السياسة العُمانية، المعروفة بتركيزها على الوساطة والاستقرار، بعدا اقتصاديا وتنمويا جديدا.
وسيط إقليمي
تتمتع عُمان بتاريخ طويل في لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة في المنطقة.
فقد أسهمت في تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، كما لعبت دورا مهما في تخفيف التوترات بين دول الخليج.
كذلك شاركت بشكل غير مباشر في تسهيل الاتصالات المتعلقة بالأزمة اليمنية بين السعودية والإمارات من جهة والحوثيين من جهة أخرى.
وبسبب هذا النهج المتوازن، توصف عُمان أحيانا بأنها "سويسرا الشرق الأوسط"، لأنها تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف وتفضل الحلول الدبلوماسية على المواجهات العسكرية.
ورغم أن التطورات الأمنية في اليمن خلال عام 2025 جعلت مهمة الوساطة أكثر صعوبة، إلا أن عُمان واصلت التمسك بسياسة عدم التدخل المباشر في الصراعات.
وأكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في أكثر من مناسبة أن أمن المنطقة لا يمكن تحقيقه من خلال الإقصاء أو المواجهة، بل عبر الحوار والتعاون بين جميع الأطراف.
ومع ذلك، لم تكن عُمان بعيدة تماما عن تداعيات التوترات الإقليمية، فقد تعرضت بعض المواقع الإستراتيجية فيها لهجمات محدودة، كما لحقت أضرار جزئية بِمينائَي الدقم وصلالة.
ورغم ذلك، استمرت السلطنة في دعم جهود التهدئة، والعمل من أجل وقف إطلاق النار ومنع توسع الصراع.

بدائل هرمز
واستدرك الكاتب التركي أن الأحداث الأخيرة أظهرت مدى أهمية مضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي.
فعندما تعطلت حركة الملاحة فيه، تأثرت التجارة الدولية وسلاسل التوريد بشكل واضح، خاصة في الدول الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والسلع القادمة عبر الخليج.
ولهذا السبب، أصبح تطوير ممرات نقل بديلة أولوية للعديد من الدول، ولم يعد التركيز مقتصرا على التحالفات السياسية والعسكرية، بل أصبح يشمل أيضا مشاريع البنية التحتية التي يمكن أن تعيد رسم طرق التجارة العالمية.
ومن بين هذه المشاريع مشروع سكة حديد الحجاز، الذي تعمل تركيا على إحيائه وربطه بسوريا والأردن والسعودية؛ حيث يُعَدّ هذا المشروع جزءا مهما من رؤية جديدة لتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة.
كما طرح وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو فكرة تمديد خط السكة الحديدية مستقبلا ليصل إلى عُمان، وهو ما قد يؤدي إلى إنشاء ممر لوجستي جديد يربط الخليج بشرق البحر المتوسط.
ورغم أن عُمان لا تمتلك حاليا شبكة سكك حديدية تشغيلية متكاملة، إلا أنها تعمل على تطوير مشاريع مهمة في هذا المجال.
ومن أبرز هذه المشاريع مشروع سكة حديد حفيت الذي تنفذه بالتعاون مع الإمارات، والذي سَيربط مدينة العين الإماراتية بميناء صحار العُماني.
إضافة إلى ذلك، تخطط السلطنة لتوسيع شبكة السكك الحديدية الوطنية خلال السنوات المقبلة، لتصل إلى أكثر من ألفي كيلومتر. وإذا تم ربط هذه الشبكة بمشروع سكة حديد الحجاز، فقد تتحول عُمان إلى مركز لوجستي مهم على المستوى الإقليمي والدولي.
إن هذا المشروع لا يقتصر على كونه وسيلة نقل حديثة فقط، بل يمكن أن يشكل أيضا بديلا بريّا لمضيق هرمز، وهو ما قد يسهم في تعزيز أمن التجارة الإقليمية، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الممرات البحرية وحدها.

طريق التنمية
ولفت الكاتب النظر إلى أن اهتمام عُمان بمشاريع الربط الإقليمي لا يقتصر على سكة حديد الحجاز فقط، بل يشمل أيضا مشروع طريق التنمية الذي يهدف إلى ربط الخليج بالعراق وتركيا ثم أوروبا.
وقد أبدت عُمان رغبتها في المشاركة كمستثمر في هذا المشروع، لتصبح ثالث دولة خليجية بعد قطر والإمارات تعلن اهتمامها الرسمي بالمساهمة فيه ماليا وإستراتيجيا.
وتنسجم هذه الخطوة مع أهداف "رؤية عُمان 2040"، التي تسعى إلى تقليل اعتماد الاقتصاد الوطني على النفط، وتنويع مصادر الدخل من خلال الاستثمار في قطاعات جديدة؛ مثل النقل والخدمات اللوجستية والبنية التحتية.
فخلال السنوات الماضية، واجهت العديد من الدول الخليجية تحديات مالية بسبب انخفاض أسعار النفط، إلا أن عُمان كانت قد تمكّنت من تنفيذ إصلاحات اقتصادية، ساعدتها على تحسين أوضاعها المالية، وخفض مستوى اعتماد الموازنة العامة على أسعار النفط المرتفعة.
لكن رغم هذا التحسن، لا تزال الحكومة العُمانية تعمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، لذلك ترى في مشاريع النقل والبنية التحتية فرصة إستراتيجية لتحقيق هذا الهدف.
وأردف الكاتب بأنه من الناحية السياسية، فإن مشاركة عُمان في مشروع طريق التنمية قد تسهم أيضا في دعم الاستقرار داخل العراق، وذلك من خلال تعزيز دور المؤسسات الحكومية وتشجيع التنمية الاقتصادية، وهذا قد يحد من نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية.
بالتالي، فإن هذه المشاركة لا توفر فوائد اقتصادية فحسب، بل تمنح عُمان أيضا نفوذا سياسيا ودبلوماسيا أكبر على المستوى الإقليمي.
كما أن الحديث عن مشروع خط أنابيب نفطي بين العراق وعُمان، بحيث يمكنه تجاوز مضيق هرمز، يعكس تنامي التعاون بين البلدين في مجالي الطاقة والنقل، ويؤكد وجود توجه مشترك لتعزيز الروابط الاقتصادية والإستراتيجية بينهما.
وأشار الكاتب إلى أن التطورات الأخيرة تؤكّد أنّ عُمان لم تعد تكتفي بدور الوسيط الدبلوماسي التقليدي، بل تسعى أيضا إلى أن تصبح شريكا رئيسا في مشاريع البنية التحتية والتجارة الإقليمية.
وقد أظهرت الأحداث أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار الدائم، وأن التكامل الاقتصادي وتطوير شبكات النقل والبنية التحتية يمثلان عنصرين أساسيين لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
من هذا المنطلق، تكتسب مشاريع مثل سكة حديد الحجاز وطريق التنمية، اللذين تقودهما تركيا، أهمية كبيرة بالنسبة لعُمان، وذلك لأنها توفر لها فرصاً جديدة لتنويع اقتصادها وزيادة تأثيرها الإقليمي.
لذلك وبحسب تقييم الكاتب التركي، إذا نجحت هذه المشاريع وتم دمج عُمان فيها بصورة كاملة، فقد تتحول السلطنة من دولة تلعب دور الوسيط في الأزمات، إلى دولة تسهم بشكل مباشر في بناء شبكات التجارة والاتصال التي تربط دول المنطقة ببعضها البعض، وهو ما سَيعزز مكانتها السياسية والاقتصادية في المستقبل.
















