إسرائيل تتجاهل تهنئة "ملك الشمال".. رسالة سياسية أم انهيار للتحالف التاريخي مع لندن؟

"العلاقات الثنائية التاريخية وصلت بصمت إلى أدنى مستوياتها"
دخل آندي برنهام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في "10 داونينغ ستريت" متعهدا بإحداث تغيير جذري في الاقتصاد والخدمات العامة.
ومنذ يومه الأول في المنصب، أظهر توجها أكثر تشددا تجاه إسرائيل، يشمل إمكانية فرض عقوبات إضافية وقيود على التجارة مع الضفة الغربية، وفق ما أورده موقع "مكور ريشون" العبري.

أسلوب مباشر
وأصبح برنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين في تاريخ بريطانيا، ووفقا للأعراف الدستورية، قبل الملك تشارلز استقالة كير ستارمر، ثم استدعى برنهام صباحا إلى قصر باكنغهام وكلفه بتشكيل حكومة جديدة.
وفي مستهل خطابه أمام مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت"، قال برنهام: "أدرك تماما أنني الشخص السادس خلال السنوات العشر الماضية الذي يعبر عتبة داونينغ ستريت، ورئيس الوزراء السابع منذ عام 2016، إنها لحظة تستدعي مراجعة الذات وتجديد الالتزام".
ولفت الموقع إلى أنه "ألقى كلمته بارتجال ودون استخدام منصة الخطابة التقليدية التي شهدت بعض أبرز محطات السياسة البريطانية في السنوات الأخيرة".
وعقّب التقرير قائلا: “وبذلك، واصل برنهام أسلوبه المباشر في التواصل الذي اشتهر به خلال فترة توليه رئاسة بلدية مانشستر”، ومع تعاظم نفوذه السياسي، لُقّب بـ"ملك الشمال".
وأضاف رئيس الوزراء الجديد: "أعلم أن الناس في منازلهم سئموا السياسة. أتفهم ذلك، وأريد أن أكون صريحا معكم: لم نكن على المستوى المطلوب. علينا أن نتحسن، وسنتحسن".
ثم عدد ما وصفه بأنه أبرز خطأ سياسي ارتكب منذ ثمانينيات القرن العشرين، وأسهم في وصول البلاد إلى وضعها الراهن، والمتمثل في تركيز السلطة.
في هذا السياق، تعهد برنهام بتصحيح هذا الخطأ من خلال نقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى مختلف أنحاء البلاد.
وقال: إن حكومته ستعرض خلال الأشهر المقبلة خطة تمتد لعشر سنوات، ترسم ملامح مستقبل بريطانيا على المدى المتوسط.
أما على المدى القريب، فتعهد باتخاذ إجراءات لمساعدة المواطنين على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، مضيفا: "بدءا من الغد سأعرض بعض هذه الإجراءات، بما في ذلك آليات تمويلها".
مواقف مشابهة
فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، يرى موقع "القناة 12" العبري أنه "وفقا لتصريحاته السابقة يبدو أن بورنهام يتبنى مواقف مشابهة إلى حد كبير لمواقف ستارمر والتيار الرئيس في حزب العمال بشأن إسرائيل".
وقال: "ففي وقت سابق من شهر يوليو/ تموز 2026 قدم اعتذارا في مقابلة مع صحيفة الغارديان عن رد الفعل الأولي لحزب العمال إزاء العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة، مقدرا أن الحزب (لم يتصرف على النحو الصحيح)، وأنه (يتعين عليه أن يقدم أداء أفضل) تحت قيادته".
في هذا الإطار، أوضح رئيس الوزراء الجديد أنه يعتزم زيادة الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، قائلا: "لقد اتخذنا بعض الخطوات المهمة، لكن إذا أردنا أن نكون صادقين، فإن بريطانيا تأخرت في المطالبة بوقف إطلاق النار. والآن يتعين علينا أن نفعل المزيد لتعزيز نهجنا".
وذكر التقرير أنه "من بين الإجراءات التي اقترحها بورنهام جولة جديدة من العقوبات ضد من يعدون (مسؤولين عن العنف في قطاع غزة)، بالإضافة إلى فرض قيود على تجارة المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية".
ويعتقد موقع "مكور راشين" أن "هذا المقترح قد يعيد إشعال جدل سياسي وقانوني احتدم في السنوات الأخيرة في العديد من الدول الأوروبية، والذي امتد أيضا إلى الساحة السياسية البريطانية".
وتابع: "في الواقع، كانت الحكومة السابقة قد مهدت الطريق لهذه الخطوة، فخلال حكومة ستارمر، شددت بريطانيا تدريجيا موقفها تجاه إسرائيل، وفرضت عقوبات على عدد من الوزراء الإسرائيليين، واعترفت رسميا بدولة فلسطينية".
وبحسب رأيه، "مثّل هذا الموقف تحولا جذريا عن سياسة الحكومات المحافظة، ويبدو أن بورنهام مصمم على الاستمرار فيه، بل وربما تشديده بدرجة أكبر".
ومع ذلك، قدر الموقع أنه "لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيترجم رئيس الوزراء الجديد تصريحاته إلى قرارات عملية".
وعزا ذلك إلى أن برنهام "يرث دولة تواجه تباطؤا في النمو الاقتصادي، وضغوطا متزايدة على الخدمات العامة، وتراجعا في التأييد الانتخابي للحزب الحاكم".
ووفق تقديره، فإنه "من المتوقع أن تحد هذه العوامل بدرجة كبيرة من هامش تحرك حكومته، بما في ذلك على الساحة الدولية".
وتابع: "في حقيقة الأمر، قد تتكامل السياسة الخارجية مع احتياجات الساحة الداخلية، حيث سيتعين على الزعيم الجديد أن يثبت سريعا قدرته على استعادة ثقة الناخبين الذين ينجذبون بشكل متزايد إلى الأحزاب الشعبوية".
ومن وجهة نظر إسرائيل، فيرى التقرير أن "انتقال السلطة في لندن يمثل في جميع الأحوال تطورا يستحق المتابعة عن كثب؛ إذ لا تزال بريطانيا واحدة من أبرز حلفائها في أوروبا".
وأضاف: "إذا تحولت الإجراءات التي ألمح إليها برنهام إلى قرارات فعلية، فقد تسهم حكومته في زيادة الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، في وقت لا يزال فيه الصراع الإقليمي بعيدا عن نهايته".

"لن يتغير أبدا"
في الوقت نفسه، لم يستبعد الموقع أن "تكون تصريحات رئيس الوزراء الجديد ووزير الخارجية الجديد إد ميليباند موجهة بالأساس إلى إرضاء الجناح اليساري داخل قاعدة ناخبي حزب العمال، بحيث لا تترجم في نهاية المطاف إلى خطوات عملية، كما حدث في مناسبات سابقة".
وعزز هذا الرأي ما ذكره موقع "القناة 12" الإسرائيلية؛ إذ لفت إلى أن برنهام "تجنب وصف ما ترتكبه إسرائيل في غزة بأنه إبادة جماعية، وهو مطلب رئيس لدى قطاع من اليسار البريطاني".
وقال إنه رغم وجود "أدلة متزايدة" على جرائم حرب، فإن قرار ما إذا كانت تشكل إبادة جماعية من عدمه يعود إلى المحاكم الدولية.
علاوة على ذلك، "سعى بورنهام إلى طمأنة الجاليات اليهودية في بريطانيا"، موضحا أنه "رغم تغيير موقفه، فإنه لا يزال قلقا للغاية إزاء تصاعد معاداة السامية في المملكة المتحدة، وأنه يدين بشدة هجوم حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023".
وبالنظر إلى ماضي رئيس الوزراء الجديد لا تعد تلك المواقف مستغربة، فقد أوضح التقرير أنه "أكد في عام 2015، على صداقته لإسرائيل وللجالية اليهودية". مضيفا أن ذلك "(لن يتغير أبدا)".
وأردف: "كما سبق أن صرح، في مرحلة سابقة من مسيرته السياسية، بأن أول زيارة يرغب في القيام بها بصفته زعيما لحزب العمال ستكون إلى إسرائيل".
مع ذلك، ذكر التقرير أنه "سبق وأن وصف فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات عام 2015 بأنه (أمر محبط)".
واختتم الموقع حديثه مشيرا إلى أن برنهام "كان من أوائل السياسيين في بريطانيا الذين دعوا إلى وقف إطلاق النار في غزة، وذلك بعد ثلاثة أسابيع فقط من هجوم السابع من أكتوبر، كما شارك في فعالية لإحياء ذكرى الهجوم مع الجالية اليهودية في مانشستر، وحافظ على علاقات جيدة مع الجالية طوال فترة توليه رئاسة بلدية المدينة".
هوة عميقة
من جانب آخر، تناولت صحيفة "معاريف" ما وصفته بـ"الصمت الإسرائيلي" حيال تولي برنهام رئاسة الوزراء، مشيرة إلى أن "امتناع إسرائيل عن توجيه التهنئة له، لا يمثل مجرد خطأ بروتوكولي".
بل يعكس، وفق تحليلها، "أزمة عميقة في العلاقات بين إسرائيل ولندن، وتحالفا تاريخيا بين الجانبين تعرض لتآكل متواصل حتى بات على شفا القطيعة".
وقالت: "تقوم الدبلوماسية الدولية، في جوهرها على لغة من الرموز؛ حيث لا تقتصر الحسابات الدقيقة على المفاوضات المباشرة والبيانات المشتركة والزيارات الرسمية، بل تمتد بالقدر نفسه إلى التجاهل المتعمد والصمت المحسوب".
وأردفت: "وعندما يتولى زعيم جديد السلطة في إحدى الديمقراطيات الغربية الكبرى، تقتضي الأعراف الدبلوماسية أن تتوالى بسرعة برقيات التهنئة والبيانات الرسمية ورسائل المباركة العلنية من قادة الدول والحكومات الحليفة".
واستدركت: "غير أنه عقب الصعود المفاجئ واللافت لبرنهام إلى مقر رئاسة الوزراء، خيم صمت لافت على إسرائيل".
وتابعت موضحة: "فحتى إعداد التقرير، لم يبادر أي وزير إسرائيلي بارز، أو زعيم في الائتلاف الحاكم، أو شخصية معارضة بارزة، إلى توجيه تهنئة علنية أو إصدار رسائل المباركة المعتادة".
وترى الصحيفة أن "هذا الغياب اللافت للمجاملات الدبلوماسية ليس مجرد خلل بروتوكولي أو تأخير إداري، بل هو مؤشر واضح على هوة عميقة في المشهد الجيوسياسي الراهن".
ومن هنا، قدرت أن "العلاقات الثنائية التاريخية بين المملكة المتحدة وإسرائيل وصلت بصمت إلى أدنى مستوياتها، وأن البرود الرسمي الذي اُستقبل به برنهام يمثل فصلا غير مسبوق في العلاقات بين الجانبين".
ويناقض هذا المشهد طبيعة العلاقات التاريخية بين الجانبين؛ إذ ذكر التقرير أنه "على مدى عقود، قامت الشراكة البريطانية الإسرائيلية على قدر كبير من الاستمرارية الإستراتيجية".
وأضاف: "فبفضل التعاون الاستخباراتي الوثيق والروابط التاريخية والمصالح الأمنية المشتركة، حافظت الحكومات البريطانية والإسرائيلية المتعاقبة على علاقات ودية، بغض النظر عن الحزب الذي كان يتولى السلطة في وستمنستر".
واستطرد: "وسواء حكم المحافظون أو حكومات حزب العمال التقليدية، بقي الإطار العام للعلاقة بمنأى عن التقلبات السياسية اليومية".
لكن هذه المظلة، بحسب الصحيفة، "تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتآكل شبه كامل".
وأوضحت ذلك قائلة: "أدى تراكم الأزمات الجيوسياسية، والتحولات العميقة في السياسة البريطانية الداخلية، إلى جانب تنامي استياء إسرائيل من الموقف البريطاني المتغير تجاه صراعات الشرق الأوسط، إلى وصول العلاقات بين البلدين إلى حالة من الجمود".
ومن ثم، رأت أن "امتناع المسؤولين الإسرائيليين عن توجيه رسائل التهنئة المعتادة إلى برنهام يمثل رسالة مقصودة تعكس الاستياء والحذر، وتعبر عن القلق في إسرائيل إزاء الضغوط الداخلية والتركيبة الأيديولوجية والمسار المتوقع لحكومة حزب العمال الجديدة في ملفات السياسة الخارجية".

اغتراب متبادل
من منظور تحليلي أعمق، يرى التقرير أن "البرود الذي أبدته إسرائيل يعكس أيضا حالة أوسع من الإحباط المتبادل".
وأوضح مقصده: "فمن وجهة نظر المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، أصبحت السياسة الخارجية البريطانية في السنوات الأخيرة أكثر عزلة، وأكثر خضوعا للتقديرات الانتخابية الداخلية، وتعتمد بصورة مفرطة على الأطر القانونية الدولية التي تنظر إليها إسرائيل بوصفها منحازة أو غير مدركة لواقعها الأمني".
بتعبير آخر، "يعتقد صناع القرار في إسرائيل أن لندن باتت تمنح الأولوية لحساباتها السياسية الداخلية على حساب الحفاظ على تحالفات متينة مع دول تواجه تهديدات أمنية متعددة".
في المقابل، ترى الصحيفة أن "صناع القرار البريطانيين وكثيرا من المراقبين الأوروبيين يرون أن إسرائيل أصبحت أقل استجابة للمساعي الدبلوماسية التقليدية، وأكثر تجاهلا للإجماع متعدد الأطراف، وأقل اكتراثا بنصائح حلفائها".
وأردفت: "إن هذه الديناميكية أوجدت حلقة مفرغة، فكلما ازدادت لندن تشكيكا في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، ازدادت إسرائيل انغلاقا وتعاملت مع المبادرات البريطانية بقدر أكبر من الريبة، وتراجعت قناعتها بجدوى بريطانيا شريكا دبلوماسيا في المنطقة".
واستطردت: "عندما يتولى رئيس وزراء في إحدى دول مجموعة السبع السلطة ويقابل بصمت متعمد من حليف تاريخي، فإن ذلك يشير إلى انفصال مقلق في العلاقات".
ولفتت الصحيفة إلى أن "الدبلوماسية وُجدت أساسا للتعامل مع لحظات الخلاف العميق، عبر الحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة وإدارة التوتر ومنع الوصول إلى القطيعة".
وبالتالي، خلصت إلى أن "تخلي إسرائيل عن النهج الدبلوماسي المعتاد يكشف حقيقة مؤلمة، مفادها أن (العلاقات الخاصة) القديمة بين البلدين تحولت إلى حالة من الاغتراب المتبادل".
في المحصلة، يعتقد التقرير أنه "مع استقرار برنهام في منصبه الجديد وبدء رسم ملامح سياسته الخارجية، لن يكون من الممكن تجاهل واقع العلاقات مع إسرائيل".
ونظرا للواقع الحالي، شدد التقرير على أن "إعادة بناء هذا الجسر تتطلب أكثر من بيانات مشتركة أو لقاءات دبلوماسية روتينية، بل تستلزم مراجعة صريحة لكيفية ابتعاد بلدين وقفا يوما إلى جانب بعضهما بعضا إلى هذا الحد".
واختتم قائلا: "يبقى السؤال معلقا عما إذا كانت القيادة السياسية الحالية في الجانبين تمتلك البصيرة الإستراتيجية والشجاعة السياسية لانتشال العلاقات من حافة الهاوية أم لا، غير أن المؤكد تماما هو أن تجاهل هذا البرود لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة الجفاء بين الجانبين".

















