بين الرهان والطموحات.. هل يسعى نبيه بري لتسويق نفسه "كبديل معتدل" عن حزب الله؟

"الانتقادات المتزايدة لا تعني فقدان الحاضنة الشعبية"
في بداية مارس/ آذار 2026 عندما انخرط “حزب الله” في الحرب ضد إسرائيل، وجه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري "توبيخا نادرا" للتنظيم، فوفقا لصحيفة "زمان" العبرية، بدا بري "مصدوما" من تصرفات حزب الله.
وأضافت أنه "بعد أيام قليلة، استخدم نفوذه السياسي ضد التنظيم، وامتنع عن عرقلة قرار لبناني يحظر نشاط الجناح العسكري لحزب الله".
خطاب مزدوج
ويتزعم بري حركة "أمل"، وهي حزب سياسي شيعي يشكل مع حزب الله ثنائيا شيعيا مهيمنا في لبنان منذ ثمانينيات القرن العشرين.
وبحسب الصحيفة، "كان حزب الله قد تعهد لبري بعدم التدخل في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وألا يزج لبنان في حرب جديدة".
"ومع ذلك، أقدم الحزب على الدخول في المعركة، ما تسبب في هزة داخل التحالف الشيعي القائم بين الطرفين"، على حد تعبيرها.
وقالت الصحيفة: إن "هذه التحركات أثارت تكهنات بأن حركة أمل قد تكون مستعدة للانفصال عن حزب الله ورسم مسار مستقل للطائفة الشيعية في البلاد، مسار من شأنه تعزيز مؤسسات الدولة وعزل الحزب".
واستدركت: "بيد أن بري يعد سيد الخطاب المزدوج، ففي الوقت الذي خلق فيه انطباعا بأنه قد يبتعد عن حزب الله، استمر في حماية مصالح الحزب ووفر له الغطاء السياسي اللازم لمواصلة قصف إسرائيل والبقاء مسلحا".
"كما أنه دعا إلى إجراء حوار هادئ وتوافقي لمناقشة مصير سلاح حزب الله، بدلا من المطالبة بنزع سلاحه بشكل سريع"، وفقا لها.
وقالت الباحثة البارزة في معهد واشنطن، حنين غدار: إن "بري يستفيد من حزب الله وسلاحه، فحركة أمل لا تستطيع الفوز في الانتخابات من دونهما، وهو لن يسحب دعمه من حزب الله إلا إذا كان ذلك يخدم مصالحه".
وأضافت: “ومن ثم، يظل السؤال المركزي المطروح أمام بري وحركة أمل هو: هل يستمران في الالتصاق بحزب الله، أم يحين الوقت أخيرا لتوحيد الطائفة الشيعية في لبنان تحت قيادة أمل وحده؟”
وتابعت: "يعتمد هذا الحساب على مجموعة من العوامل، من بينها مستوى الاستياء داخل الشارع الشيعي تجاه حزب الله".
وهنا ذكّرت الصحيفة بأن "القصف الإسرائيلي تسبب في تهجير أكثر من مليون لبناني من منازلهم منذ بداية المواجهة".

الشخص الوحيد
من جانب آخر، قدّر التقرير أن بري "قد يكون الشخص الوحيد القادر على إبقاء الشيعة داخل الإطار الوطني اللبناني، والحفاظ على وحدة لبنان نفسه، في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالبة بالفيدرالية، أي تقسيم البلاد على أسس طائفية".
وفي هذا السياق، أفاد المحلل السياسي اللبناني سامي نادر، بأن "هناك دعوات متزايدة في لبنان إلى الفيدرالية، وفي بعض الحالات حتى إلى تقسيم الدولة، فعدد متزايد من المسيحيين والسنة باتوا يطالبون الآن بنوع من الانفصال أو الحكم الفيدرالي".
وأضاف: "هم يقولون لحزب الله: إذا كنتم تريدون الاحتفاظ بسلاحكم وبجيشكم الخاص، فاحتفظوا به داخل مناطقكم، لا يمكنكم فرض الاصطفاف مع إيران علينا".
وفيما يتعلق بموقف بري من التفاوض مع إسرائيل، لفتت الصحيفة إلى أن زعيم حركة أمل "رفض في التاسع من مارس دعوة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل بهدف معالجة النزاع المتفاقم المرتبط بإيران".
لكنه، وفقا لها، "تراجع عن موقفه فقط بعد أن قصفت إسرائيل، في الثامن من أبريل/ نيسان 2026، مناطق لبنانية مكتظة بالسكان من أنصار حركة أمل".
وأوضحت غدار: "تعرضت أحياء خاضعة لسيطرة أمل للقصف، بما في ذلك مقر بري، كما قُتل عدد من عناصر الحركة، وكانت هذه رسالة إسرائيلية واضحة إلى بري: توقف عن مساعدة حزب الله".
وأضافت أن "صورا لعناصر من حركة أمل قُتلوا في تلك الضربات ظهرت لاحقا على ملصقات جرى تداولها على نطاق واسع".

سياسة التحوط
مع ذلك، تعتقد الصحيفة أن بري "لم يحسم موقفه النهائي بعد، ويبدو أنه يسعى إلى توزيع المخاطر والتحوط للمستقبل أكثر من تبنيه موقفا واضحا وحاسما إلى جانب أي طرف".
وتابعت موضحة: " إذا وافقت طهران على نزع سلاح حزب الله في إطار صفقة شاملة مع واشنطن؛ فإن بري يبدو مستعدا ومهيأ لتولي قيادة الطائفة الشيعية في لبنان وملء الفراغ الذي قد ينشأ عن تراجع نفوذ الحزب".
وأردفت: "أما إذا قرر الشيعة اللبنانيون الابتعاد عن حزب الله وحملوه مسؤولية الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي لحقت بجنوب لبنان، فسيكون بإمكان بري تقديم حركة أمل بوصفها بديلا أكثر اعتدالا وقبولا داخل الساحة الشيعية".
وعقّب علي مراد، الباحث والناشط السياسي اللبناني الذي خاض الانتخابات البرلمانية عام 2022 كمرشح معارض للمؤسسة السياسية التقليدية: "بدأ الشيعة يقولون إن حزب الله ارتكب خطأ عندما هاجم إسرائيل".
واستطرد: "ومع ذلك، لا تزال تداعيات المواجهة الحالية على الثنائية الشيعية المتمثلة في حركة أمل وحزب الله غير واضحة بشكل كامل".
وعليه، أشارت الصحيفة إلى أنه "في الوقت الراهن، يواصل بري الرهان على حزب الله".
وعزت ذلك إلى أن "حالة الجمود القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ينظر إليها إلى حد كبير على أنها نجاح نسبي لإيران، وهو ما قد ينعكس إيجابا على مكانة حزب الله ويعزز موقعه داخل لبنان، كما أن البيئة الشيعية لم تتخل حتى الآن بشكل قاطع عن التنظيم".
وشرح مراد قائلا: "المجتمع الشيعي لن يتخلى عن حزب الله بين ليلة وضحاها. انظروا إلى أمثلة أخرى، وليد جنبلاط لم يحسن إدارة الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه لا يزال الزعيم الأبرز للدروز".
وأردف: "وكذلك سمير جعجع، القائد السابق لأحد التيارات المسيحية، لا يزال يقود حزب القوات اللبنانية ويحظى بدعم شريحة واسعة من المسيحيين".
ورغم ذلك، نوه مراد إلى أن "كثيرا من الشيعة اللبنانيين الذين تحولت منازلهم إلى أنقاض وتمزقت حياتهم بسبب الحرب، بدأوا يشككون في رواية النصر التي يروج لها حزب الله"، على حد قوله.
وأضاف: "لا شك أن الخسائر التي تكبدها حزب الله كبيرة، والثمن الذي تدفعه الطائفة الشيعية هائل. فاليوم أصبح وضعهم أسوأ مما كان عليه في أي مرحلة من تاريخهم القريب".
من جهته، يرى الخبير اللبناني في الشؤون السياسية مايكل يونغ أن "الغضب المتصاعد داخل الطائفة الشيعية تجاه حزب الله لا يعني بالضرورة انهيار مكانته الشعبية".
وكتب على منصة "إكس": "نعم، يواجه حزب الله حالة غضب كبيرة داخل المجتمع الشيعي، لكنني أعتقد أن هذا الغضب سيتلاشى تدريجيا؛ لأن أبناء الطائفة يشعرون بأنهم محاصرون ومعزولون ومرفوضون داخل وطنهم".
وأضاف أن “حزب الله قد يتمكن في نهاية المطاف من الاستفادة من هذا الشعور العميق بالقلق والتهديد”. مشيرا إلى أن "طبيعة السياسة الطائفية في لبنان كثيرا ما تنتج نتائج غير متوقعة وتفاجئ المراقبين".
واختتمت الصحيفة حديثها: "في الوقت الراهن، يبدو أن بري عازم، قبل أي شيء آخر، على تقديم نفسه بوصفه الشخصية الأكثر موثوقية وقدرة على إدارة الحوار الداخلي في لبنان".

















