"سكاي واسب".. كيف غيرت الحرب الإيرانية العقيدة الأمنية ​​والعسكرية السعودية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في تحول لافت، تتجه السعودية التي اعتمدت على مدى عقود على استيراد أحدث المنظومات العسكرية الغربية، إلى تطوير وإنتاج نسخة محلية من الطائرة المسيّرة الانتحارية الإيرانية "شاهد-136".

وفي مقال بموقع القناة الـ12 الإسرائيلية، يرى الدكتور يوئيل غوزانسكي، الخبير في شؤون دول الخليج، أن الخطوة "تعكس إدراكًا عميقًا للدرس الأساسي المستخلص من الحرب الحالية، والمتمثل في أن النموذج الإيراني القائم على إنتاج أسلحة منخفضة التكلفة بأعداد كبيرة وجاهزة للاستخدام بشكل دائم، يثبت فاعليته الكبيرة في ساحات القتال".

وأعلنت شركة "إس آر 2 فيكتور" (SR2Vector)، وهي مشروع مشترك بين شركة سعودية وأخرى أميركية، عن تطوير طائرة مسيّرة هجومية بعيدة المدى تحمل اسم "سكاي واسب" (SKYWASP)، بتصميم يحاكي الطائرات الإيرانية من طراز "شاهد-136"، على أن يتم تصنيعها في منشأة قرب الرياض.

وتُصنف "سكاي واسب" ضمن الطائرات المسيّرة الانتحارية أحادية الاتجاه؛ إذ تُنفذ مهمتها بضربة واحدة دون إمكانية العودة.

ويأتي المشروع في إطار اتفاق تعاون بين الجانبين يهدف إلى توطين صناعة أنظمة الطائرات المسيّرة في السعودية، ضمن مساعي المملكة لتعزيز قدراتها الدفاعية وتقليص الاعتماد على الواردات العسكرية.

وتحظى شركة "فيكتور" (Vector) الأميركية، المتخصصة في تطوير الطائرات الصغيرة، بدعم عدد من صناديق الاستثمار، فيما تمثل “إس آر 2” جهة سعودية ناشئة في مجال الصناعات الدفاعية، وتحظى بدعم صندوق "ماسنا فينتشرز" (MASNA Ventures) السعودي المتخصص في الاستثمار الدفاعي، والذي يقوده الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة لوثين زيغلر.

وبحسب ما أوردته منصة "سيمافور"، يأتي الإعلان بعد مذكرة تفاهم وقعتها الشركتان في مارس/آذار 2026، تنص على "استكشاف فرص التصنيع المحلي والتجميع والدعم الفني" لأنظمة شركة فيكتور داخل المملكة.

نموذج فعال

وذكر غوزانسكي في المقال أن الحرب مع إيران "أفرزت للسعودية مجموعة من الدروس العسكرية والإستراتيجية".

وبحسب الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) فإن "أحد أبرز هذه الدروس يتمثل في الإدراك بأن السلاح البسيط والرخيص والقابل للإنتاج بأعداد كبيرة قد يمنح أفضلية مهمة في ساحة المعركة، حتى في عصر الطائرات الشبحية ومنظومات الدفاع المتطورة والذكاء الاصطناعي".

ومن هذا المنطلق، يشدد على أن "قرار الرياض تطوير وإنتاج الطائرة المسيرة "سكاي واسب" محليا، وهي طائرة تستند بدرجة كبيرة إلى تصميم المسيّرة الإيرانية "شاهد 136"، لا يعد مجرد مشروع صناعي أو عسكري".

بل يمثل، وفقا له، "دليلا على أن السعودية استوعبت أحد أهم دروس الحرب: النموذج الإيراني يثبت فعاليته".

ويعد هذا التحول مغايرا للعقيدة العسكرية السعودية، "فعلى مدى عقود، بنت السعودية قوتها العسكرية على شراء أكثر أنظمة التسليح تطورا في العالم".

فقد استثمرت مبالغ هائلة في الطائرات القتالية الأميركية، ومنظومات الدفاع الجوي مثل "باتريوت" و"ثاد"، إضافة إلى وسائل قتالية متقدمة أخرى. 

"وفي المقابل، طورت إيران التي واجهت عقوبات عزلة دولية مشددة، إستراتيجية مغايرة تماما"، يقول المقال.

وتابع: "فبدلا من منافسة الغرب ودول الخليج في الجودة والتطور التكنولوجي، ركزت طهران على الكثافة العددية والوفرة والتكلفة المنخفضة".

وأردف: "ويظهر هذا النهج في الترسانة الهائلة من الصواريخ والطائرات المسيرة التي بنتها طهران على مدار الأعوام، بهدف استنزاف خصومها وفرض تكاليف باهظة عليهم حتى دون الحاجة لامتلاك تفوق جوي تقليدي".

ويعتقد الكاتب أن "الحرب الأخيرة أظهرت بوضوح مزايا المقاربة الإيرانية، فحتى عندما تم اعتراض نسبة كبيرة من المسيرات الإيرانية، فإنها نجحت في تحقيق هدف إستراتيجي مهم يتمثل في إرهاق منظومات الدفاع الجوي، وإجبار الخصوم على استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، وإدخال عنصر جديد إلى معادلة الكلفة والعائد".

واستطرد: "ففي حين تقدر تكلفة إنتاج طائرة مسيرة انتحارية بعشرات آلاف الدولارات فقط، قد تصل تكلفة اعتراضها إلى مئات آلاف أو حتى ملايين الدولارات، وبعبارة أخرى، فإن المسيرة التي يتم إسقاطها قد تكون قد أدت مهمتها بالفعل".

تحول عميق

وتأسيسا على هذه المعطيات، يقدر الكاتب أن الرياض "توصلت إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن مواجهة هذا النمط من التهديد عبر الاعتماد على الدفاع الجوي وحده".

وتابع: "وعليه، وبدلا من الاكتفاء بتحسين قدرات الاعتراض، تسعى المملكة إلى تبني جزء من العقيدة العسكرية الإيرانية ذاتها".

في هذا السياق، لفت غوزانسكي إلى أن مشروع "سكاي واسب" يشير إلى "تحول جذري من فكر عسكري تمحور لسنوات حول الدفاع والاعتماد المطلق على المنظومات الغربية المكلفة، إلى فكر جديد يدمج قدرات هجومية رخيصة التكلفة، وبعيدة المدى، وقابلة للإنتاج الكمي الواسع".

وفي هذا الصدد، ذكر المقال أن "السعودية لا تكتفي بالتعلم من إيران، بل تعمل على محاكاتها إستراتيجيا؛ فمثلما نجحت طهران عبر السنين في بناء قدرة تهدد البنى التحتية والقواعد والمنشآت الإستراتيجية في أنحاء الشرق الأوسط، تسعى الرياض كذلك إلى امتلاك قدرة ردع متماثلة وخاصة بها".

ومن هنا، يقدر المقال أن "المدى العملياتي المعلن للطائرة المسيرة السعودية الجديدة، والذي يقارب 1,500 كيلومتر، لا يبدو محض صدفة، بل هو مدى مدروس يتيح لها الوصول إلى أهداف إستراتيجية في عمق الأراضي الإيرانية".

الأمر الذي عده "يمنح المملكة سلاح ردع إضافي يعزز من قدرات سلاح الجو والمنظومات الصاروخية التقليدية التي تمتلكها".

من زاوية أخرى، لفت الكاتب المتخصص في الشأن الخليجي إلى أن هذه الخطوة "تعكس تحولا أعمق في العقيدة الأمنية السعودية، فعلى مدى سنوات، استندت المملكة إلى افتراض مفاده أن الولايات المتحدة ستوفر لها المظلة الأمنية اللازمة".

واستدرك: "غير أن التطورات الأخيرة في المنطقة، إلى جانب السعي لتحقيق مستهدفات "رؤية 2030" وبناء صناعات دفاعية محلية، دفعت الرياض إلى التركيز على تطوير قدراتها الذاتية".

ومن هذا المنظور، يرى أن "المسيرة الجديدة لا تمثل مجرد سلاح إضافي، بل تعد جزءا من مشروع أوسع يهدف إلى إنشاء قاعدة صناعية عسكرية وطنية وتقليص الاعتماد على الواردات الخارجية".

سباق تسلح

من منظور تحليلي أوسع، يقدر المقال أن "هذا التوجه يحمل أبعادا إقليمية مهمة أيضا، فبعدما ارتبط اسم إيران لسنوات بالاستخدام المكثف للطائرات المسيرة الانتحارية والذخائر الجوالة، بدأت دول الخليج تتجه تدريجيا إلى تبني الأدوات نفسها".

وبحسب تحليله، "قد يقود ذلك إلى سباق تسلح جديد لا تقتصر معادلاته على الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع المتقدمة، بل تشمل أيضا القدرة على إنتاج وتشغيل آلاف المسيرات منخفضة التكلفة على مدى طويل".

وفي نهاية المطاف، يشدد الكاتب على أن "الإنجاز الإستراتيجي الأكبر لإيران في هذه الحرب لا يرتبط بعدد الإصابات التي حققتها أو الأهداف التي ضربتها، بل يكمن الإنجاز الحقيقي في نجاحها بإقناع خصومها بأن مفهومها القتالي ذو جدوى وفوق ذلك شديد الفاعلية".

من ثم، يعتقد أنه "حين تقرر المملكة العربية السعودية -التي تعد أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة ومن أكبر مشتري الأسلحة الغربية في العالم- تطوير نسخة محلية من طائرة "شاهد"، فإن ذلك يمثل اعترافا ضمنيا، ولكنه ذو دلالة كبيرة، بجدوى النموذج الإيراني"

ووفق وجهة نظره، "لعل هذا هو الدرس الأول والأكثر أهمية من دروس الحرب بالنسبة للرياض، وهو أنه من أجل مواجهة إيران لا يكفي التسلح بأجهزة وأسلحة أكثر تطورا، بل يتعين أحيانا التعلم من الخصم، وتبني بعض أساليبه، وتطوير قدرات مماثلة لقدراته".

واختتم حديثه قائلا: "في الشرق الأوسط الحالي، يبدو أن السبيل لمواجهة طائرات الشاهد يمر، في جزء منه على الأقل، عبر بناء "شاهد سعودي" خاص بك".