اعتراف حكومة الدبيبة بالجنائية الدولية يرفع حدة الانقسام الليبي.. ما القصة؟

"المحكمة تتجه نحو تسريع المحاكمات وطلب أوامر قبض جديدة"
لا يكاد الجدل السياسي في ليبيا يهدأ حتى يعود مجددًا وبحدة أكبر، في ظل استمرار الانقسام السياسي داخل البلاد وما يرافقه من تباين في وجهات النظر حول عدد من الملفات، من بينها مسألة التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.
وتجدد الجدل أخيرا عقب توجيه رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة رسالة إلى رئيس المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها استمرار اعتراف ليبيا باختصاص المحكمة في الجرائم الدولية، وفقًا للإعلان الصادر عام 2011 والممتد حتى نهاية عام 2027.
وخاطب الدبيبة رئيس قلم المحكمة الجنائية الدولية، أوزغانك زقالا جايلر، عبر رسالة رسمية بتاريخ 21 مايو/أيار 2026، موضحًا أن هذا الاعتراف يقتصر على الجانب الجنائي فقط، ولا يشمل الاختصاص المدني أو قضايا التعويضات.
حفتر يتصدى
وبمجرد انتشار الخبر، سارعت حكومة الشرق الليبي التابعة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى توجيه مذكرة للمحكمة الجنائية الدولية، أكدت فيها أن ليبيا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، وأن أي قبول لاختصاص المحكمة يجب أن يصدر وفق إجراءات دستورية واضحة ومن خلال المؤسسات المخولة قانونا.
وترى حكومة أسامة حماد أن قرار الدبيبة يمثل محاولة لتجاوز السلطة التشريعية المنتخبة والتفريط في اختصاصات القضاء الليبي، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الوطنية قدرة الأجهزة القضائية الليبية على التحقيق والمحاسبة وفق القوانين النافذة.
وشددت حكومة الشرق على أن السيادة القضائية ليست ملفا إداريا يمكن التصرف فيه بقرار تنفيذي، بل هي من صميم الاختصاصات السيادية للدولة التي لا يجوز التنازل عنها أو تقاسمها إلا وفق الأطر الدستورية والتشريعية المعتمدة.
ولم يتوقف الأمر عند الموقف السياسي، بل تطور إلى مسار قضائي بعد صدور أمر ولائي من محكمة جنوب بنغازي الابتدائية يقضي بإيقاف تنفيذ إعلان حكومة الوحدة الوطنية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
ويرى موقع "ليبيا24" الداعم لحكومة الشرق، أن موقف الأخيرة يرتكز على مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والذي يمنح الأولوية للقضاء الوطني متى كان قادرا وراغبا في مباشرة اختصاصاته.
وأوضح الموقع في 5 يونيو/حزيران 2026، أن حكومة حماد ترى أن القضاء الليبي ما زال يمارس مهامه ويصدر أحكامه ويباشر التحقيقات في مختلف القضايا الجنائية، الأمر الذي يجعل مبررات اللجوء إلى القضاء الدولي محل جدل واسع.
ورأى أن "الحفاظ على الاختصاص القضائي الوطني يمثل جزءا أساسيا من معركة استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها وسيادتها بعد سنوات طويلة من الانقسام والفوضى".
وشدد المصدر ذاته على تمسك حكومة حماد ومجلس النواب بخيار حماية القرار الوطني، ورفض أي خطوات تنتقص من سيادة الدولة أو تمنح أطرافا خارجية نفوذا إضافيا على الملف الليبي.

موقف قانوني
في خضم هذا النقاش، يرى أستاذ القانون الدستوري بجامعة سرت، عمر عبدالله، أن خطوة الدبيبة تستند إلى نص الفقرة (3) من المادة (12) من نظام روما الأساسي، غير أنها لا تمثل إجراء شكليا أو محدود الأثر، بل هي تصرف قانوني بالغ الخطورة تترتب عليه آثار واسعة قد تمتد لسنوات طويلة.
وأكد عبدالله لموقع "الساعة24" المحلي في 4 يونيو، أن الدولة التي تتقدم بإعلان قبول الاختصاص بإرادتها المنفردة، دون أن تكون طرفا في النظام الأساسي، إنما تمنح المحكمة سلطة مباشرة لممارسة ولايتها بشأن الجرائم الداخلة في اختصاصها ضمن النطاق المحدد في ذلك الإعلان.
وتابع: "بعد ذلك، لن يكون لها أي دور أو تأثير في التحكم في مسار التحقيقات أو تحديد الأشخاص الذين قد تشملهم إجراءات التحقيق والمحاكمة؛ إذ تصبح هذه المسائل خاضعة للنظام الأساسي للمحكمة ولصلاحيات أجهزتها المختلفة".
ونوه إلى أن محاولة قصر الاختصاص على جانب دون آخر، أو فرض قيود تتعارض مع طبيعة الاختصاص الذي قرره نظام روما الأساسي، تثير إشكالات قانونية؛ لأن الدولة عند قبولها اختصاص المحكمة لا تعيد صياغة النظام الأساسي، وإنما تقبل الخضوع للمنظومة القانونية التي أنشأها ذلك النظام.
وأردف، ولذلك كان ينبغي التروي والدراسة الدقيقة قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة، موضحا أن "قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليس قرارا عابرا يمكن التراجع عن آثاره بسهولة، بل هو قرار سيادي ذو تبعات قانونية وسياسية قد تتجاوز ما تتوقعه الجهة التي اتخذته".

جرائم موثقة
الجرائم المرتكبة من عناصر وجماعات مسلحة بليبيا وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والقانونية، ومنها "المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا".
وفي هذا الصدد، ذكرت المؤسسة في منشورات عبر صفحتها على فيسبوك خلال شهر يونيو 2026، أنه تم اكتشاف مقبرة جديدة في مدينة ترهونة تُجدّد المطالب بكشف مصير المفقودين، وتحقيق العدالة ولإنصاف أسر الضحايا وملاحقة المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجرائم من "مليشيا الكاني" التي كانت تسيطر على المدينة والتي كانت تحضي بشرعية القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبيّة.
وأوضحت المؤسسة أن هذه المليشيا شكلت الذراع الأساسية للقيادة العامة برئاسة الجنرال التقاعد خليفة حفتر في الحرب التي شنتها قوات القيادة العامة خلال سنة 2019م على مدينة طرابلس والمنطقة الغربية.
كما سجلت المؤسسة واقعة قيام عددا من العسكريين التابعين للواء 444 التابع للمنطقة العسكرية طرابلس التابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي بالهجوم على مركز شرطة سوق الخميس إِمسيحل وإخراج موقوفين بداخل المركز على ذمة النيابة العامة بقوة السلاح والاعتداء على ضباط وضباط صف الأمن بالمركز، مساء يوم الأربعاء 3-يونيو.
وشدد المصدر ذاته على أن هذه الممارسات الخارجة عن القانون، تقوض سيادة القانون والنظام العام والاعتداء على سلطات إنفاذ القانون والضرب بعرض الحائط بأوامر النيابة العامة من قبل وحدة عسكرية تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي في خروج صريح عن القانون والإخلال بالنظام العام.
كما وثقت المؤسسة قيام عسكريين تابعين للواء 444 بالاعتداء الجسدي على أحد المواطنين وسط مدينة ترهونة مساء يوم الخميس 28 مايو 2026.
وفي هذا الصدد، دعت المؤسسة إلى فتح تحقيق في ملابسات وظروف الواقعة وضمان ضبط ومحاسبة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، وإنهاء الإفلات منّ العقاب حيال هذه الممارسات غير المشروعة والخارجة عن القانون والانتهاكات الجسيمة، وتعمّد الإساءة والاعتداءات على المواطنين من قبل المنتمين إلى بعض الجهات الأمنية والوحدات العسكرية الغير منضبطة والتي تُسئ استعمال سلطاتها الممنوحة لها.
في السياق، انتقدت المؤسسة تعرض المتهم المطلوب لدي المحكمة الجنائية الدولية المتهم (سيف النصر سليمان سنيدل) للقتل خارج نطاق القانون في ظروف غامضة بمدينة بنغازي بشرق البلاد خلال الفترة الماضية.
وأضافت، حيثُ جرى اختطافه منّ قبّل مسلحين ملثمين منّ أمام منزله الكائن في مدينة بنغازي، وبعد ذلك وجدّت جُثته في مستشفى 1200 بالمدينة، وسط استمرار الصمت حيال مقتله والغموض وعدم الإفصاح عن الواقعة من قبل السلطات في شرق البلاد.
يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية قد أعلنت على رفع السرية في أغسطس/آب 2025 عن مذكرة التوقيف الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بحق سيف النصر سليمان سنيدل، أحد قادة "مجموعة الـ 50" التابعة للقوات الخاصة ضمن القوات المسلحة العربية الليبية، والمتهم بارتكاب جرائم حرب تشمل القتل والتعذيب والاعتداء على الكرامة الإنسانية، والتي يُزعم ارتكابها في مدينة بنغازي وضواحيها خلال عامي 2016 و2017م.
وشددت المؤسسة على أن عمليات اغتيال مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، ما هي إلا خطوة استباقية لطمس أدلة الإثبات ضد كبار المجرمين وداعميهم، وهو الأمر الذي يُخشى أن يكون جزءا من مخطط ممنهج لتصفية شهود الإثبات ضد كبار المجرمين المطلوبين للعدالة، وللعبث بالأدلة والتحقيقات الجنائيّة.
وطالبت المؤسسة مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في حوادث الاغتيالات والقتل خارج نطاق القانون التي نالت المتهمين المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والمطلوبين لدي المحكمة الجنائيّة الدولية، وهو ما يُعد محاولة لتعطيل وعرقلة سير العدالة، والبحث في خلفيات الأطراف التي تقف وراء هذه العمليات.

إشكالات سياسية
من جانب آخر، يرى الكاتب الصحفي والناشط السياسي الليبي محمد ألامين، أن رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية ليست حدثا قانونيا معزولا، ولا تفصيلا إداريا في دفتر الحكومة، بل يعكس فشلها في ضبط السلاح المنفلت، مما يدفع بها لفتح نافذة نحو الخارج واستدعاء القانون الدولي.
وذكر ألامين لـ "الاستقلال" أن خوف حكومة الدبيبة من خصومها، والاتجاه نحو الجنائية الدولية، فيه توريط لحلفائها.
ورأى أن ما يجري يؤكد أن الملفات الكبرى في ليبيا تحولت إلى أدوات ابتزاز، ومنها ملف الميليشيات، السجون، الجرائم، العاصمة، النفط، الشرعية، الجنائية الدولية وغيرها، حيث ظاهرها قانون وباطنها صراع على البقاء.
وقال ألامين: إن الجنائية لا تدخل بلدا منقسما كضيف محايد، بل تدخل ومعها العواصم والسفارات والتقارير والضغوط والمساومات وخرائط النفوذ، محذرا من كون الخطوة قد تفتح بابا واسعا للتدخل الأجنبي في ليبيا.
وأبرز ألامين أن هناك مفارقة قاتلة قائمة، قوامها أن السلطة التي تغذت على المليشيات تريد اليوم تخويفها بالقانون الدولي، والمليشيات التي حمت السلطة قد تكتشف أنها أول من سيُقدم قربانا عند تبدل الموازين.
أما المواطن، يردف الكاتب الصحفي، "فيُراد له أن يرى المشهد كأنه معركة بين العدالة والجريمة، بينما الحقيقة أعمق: إنها معركة بين دولة غائبة، وسلاح حاضر، وخارج ينتظر لحظة الدخول من الباب الذي يفتحه أهل البيت بأيديهم".
وذكر المتحدث ذاته أن ما يجري ينقل القرار الليبي من الشارع والمؤسسات إلى غرف التفاوض الدولية، مما يحوّل العدالة إلى ورقة ضغط، والضحايا إلى لافتة، والدم إلى مادة تفاوض.
ويرى ألامين أن المتضرر من خطورة حكومة الدبيبة هو الليبي العادي، من يريد دولة لا وصاية، وقضاء لا انتقام، وعدالة لا تُستخدم موسميا، وسيادة لا تُباع عند أول ارتباك.
واسترسل: "المتضرر هو كل من يفهم أن استدعاء الخارج لحل أزمة الداخل لا ينهي الأزمة، بل يمنحها عمرا أطول ومالكا جديدا"، مشيرا إلى أن استدعاء الجنائية الدولية قد تفتحه مراسلة من ورق، لكن إغلاق خذا الباب لن يكون بسهولة.
التزام رسمي
أكدت المحكمة الجنائية الدولية في تقريرها الـ31 المقدم إلى مجلس الأمن الدولي في مايو 2026، إحراز تقدم ملموس في مسار التحقيقات الخاصة بليبيا، مشيرة إلى أن تسليم المتهم خالد محمد علي الهيشري مثّل أول عملية تسليم فعلية منذ إحالة الملف الليبي إلى المحكمة عام 2011.
وأوضح التقرير الذي جاء عقب إحاطة نائبة المدعي العام نزهة شميم خان أمام مجلس الأمن، أن الهيشري يواجه 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي بحق ليبيين ومهاجرين بين عامي 2014 و2020.
كما كشفت المحكمة عن استمرار ملاحقة عدد من المطلوبين، بينهم أسامة المصري نجيم، مع الإشارة إلى وجود تسعة أوامر قبض لم تُنفذ بعد.
وانتقد التقرير ضعف تعاون مكتب النائب العام في ليبيا، مؤكدا عدم تلقي المحكمة ردودا كافية بشأن ملفات ترهونة وسجن معيتيقة ومكان وجود بعض المطلوبين.
وفي المقابل، أشادت المحكمة بتعاون حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، مقدرة أن إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027 منح دفعة جديدة للتحقيقات.
التقرير أشار أيضا إلى توسع التحقيقات في الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين، بالتعاون مع دول أوروبية ووكالة يوروبول، وسط تأكيد المحكمة أن طريق الهجرة عبر المتوسط ما يزال الأكثر فتكا في العالم، مع تسجيل مئات الوفيات منذ بداية العام الجاري.
وفي ختام التقرير، أكدت المحكمة أنها تتجه نحو تسريع المحاكمات وطلب أوامر قبض جديدة، مع التركيز على الجرائم المرتبطة بالسجون والانتهاكات ضد المهاجرين والعمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا بين 2014 و2020.
وخلال الدورة نفسها، نقل مندوب ليبيا بمجلس الأمن الطاهر السني رسالة الدبيبة إلى المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيها التزام حكومته بتنفيذ قرار توسيع صلاحيات المحكمة وتمديد ولايتها إلى 2027.
وشدد السني أن "هذا القرار أدى إلى تعزيز حقوق الإنسان في كل أنحاء ليبيا دون استثناء، فكلّ مجرم متحصّن بات يفكّر عشرات المرات قبل تجاوز حدود إنسانية ضحاياه".
ونبه إلى أن حكومة الوفاق تعمل حثيثا لتفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وضمان تجنّب إفلاتها من العقاب، وأنها تعمل لتعزيز أداء مؤسسات الدولة التي تحفظ كرامة المواطن وتلتزم بالقانون.
وأدان المصدر ذاته كل الجرائم من قتل وتعذيـب وإخفاء قسري التي ارتكبت السنوات الماضية، وأن الحكومة لن تألُو جهدا في محاسبة مرتكبيها لضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.
















