تشاتام هاوس: لهذه الأسباب ستفشل خطة أميركا في ليبيا

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

نشر معهد بريطاني تقريرا حول محدودية المسعى الأميركي لإعادة توحيد ليبيا دون تحسين الحوكمة، مستندا إلى ما كشفته تحقيقات مكافحة الفساد عن حجم الاختلالات في إدارة الدولة.

وذكر معهد "تشاتام هاوس" أن مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب وإفريقيا، صعّد في الأسابيع الأخيرة جهوده لكسر الجمود السياسي في ليبيا، المنقسمة بين إدارتين متنافستين.

الأولى هي "حكومة الوحدة الوطنية" في طرابلس المعترف بها أمميا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية "حكومة الاستقرار الوطني" في بنغازي المتحالفة مع مليشيا خليفة حفتر.

تفشي الفساد

وأوضح التقرير أن الخطة الأميركية تهدف إلى جمع آل حفتر والدبيبة مع قوى رئيسة أخرى في حكومة موحدة، مشيرا إلى أن نائب قائد العام، صدام حفتر، توجه في يونيو/حزيران 2026 إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية ماركو روبيو، بينما يسعى بولس لانتزاع موافقة عائلة حفتر على تقاسم السلطة.

وقال المعهد: إن “آل الدبيبة لم يسافروا إلى واشنطن، لكن بولس لا يزال يأمل في إقناعهم بدعم الاتفاق”. مضيفا أن "معارضي هذا الاتفاق كثيرون، ويرون فيه عودة لحكم العائلات وطريقة لإضفاء الشرعية على العائلتين المتنافستين".

ورأى أن الاتفاق يبدو للمواطنين الليبيين استمرارا في المسار ذاته، إذ يركز على تقاسم السلطة بين النخب أكثر مما يركز على قدرة الدولة على تقديم الخدمات لمواطنيها.

ولفت المعهد إلى أن تقريرين حديثين صدرا عن تحالف بين "ديوان المحاسبة الليبي" و"الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" يكشفان الكلفة التي يدفعها المواطنون الليبيون جراء التعايش بين آل حفتر والدبيبة، والمصالح المتشابكة للسياسيين والجماعات المسلحة.

وأشار إلى أن هذه المبادرة تلقى دعما منذ انطلاقها من "تشاتام هاوس" الذي قدّم إرشادات في تطوير برنامج التحالف، مضيفا أن التقريرين يتناولان سلاسل توريد الوقود المدعوم والأدوية المدعومة على التوالي، ويشكلان قراءة قاتمة لكنها مهمة.

وذكر المعهد أن توفير الوقود صار مصدر جدل رئيس في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، إذ أفضى تغيير قيادة "المؤسسة الوطنية للنفط" عام 2022، بتوسط إماراتي بين عائلتَي حفتر والدبيبة، إلى توسع سريع في مشتريات الوقود.

وأوضح أن ليبيا، رغم كونها دولة منتجة للنفط، تعاني عجزا في طاقة التكرير، ما يجبرها على استيراد الوقود لسوقها المحلية، حيث يُباع البنزين في المحطات بكلفة 0.02 دولار للتر.

وأضاف المعهد أن كلفة الدعم صارت فلكية، إذ بلغت فاتورة الاستيراد أكثر من 9 مليارات دولار بحلول عام 2024، أي ما يعادل نحو 1200 دولار للفرد الواحد في ليبيا، وتضاعف حجم الواردات أكثر من مرتين منذ 2021.

ورأى أن هذه الزيادة لا يمكن تبريرها بأي تقدير معقول للطلب في السوق، مضيفا أن التقرير يفصّل جميع جوانب سلسلة التوريد ويكشف مشاكل الدولة الليبية المفتتة.

وأشار إلى أن تقييم الطلب على الوقود يفتقر إلى أساس "علمي"، إذ تطالب أجهزة الدولة الليبية بكميات متزايدة نادرا ما تدفع ثمنها، فيما رفعت الجماعات المسلحة المرتبطة بالدولة استهلاكها من الديزل بنسبة 1527 بالمئة عام 2024 مقارنة بعام 2021.

بُعد دولي

وأضاف المعهد أن استهلاك محطة كهرباء جنوب طرابلس ارتفع بنسبة 1368 بالمئة، وهو ما يشير إلى واقع تتحكم فيه مصالح متنفذة بتدفقات مربحة للسلع، يُباع جزء كبير منها على الأرجح في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير أو يُهرَّب دوليا.

وأوضح أن المستفيدين ليسوا نخب ليبيا وحدها، بل ثمة بُعد دولي أيضا لهذه الأنشطة، إذ قُلّص عدد موردي الوقود المستورد من 17 عام 2021 إلى ستة فقط عام 2024.

وأشار إلى أن التقرير يثير مخاوف تنظيمية جدية بشأن هذه الشركات الأجنبية المستحدثة في معظمها، مضيفا أن الأسعار التي دفعتها الدولة الليبية لوقودها باتت أقل تنافسية مع تقلص عدد الموردين.

وذكر المعهد أن كلفة التأمين والشحن للديزل ارتفعت بنسبة 450 بالمئة، ما أسفر عن خسارة تقارب 600 مليون دولار عام 2024 وحده، لافتا إلى أن التقرير الخاص بتوريد الأدوية يوضح ديناميكيات مشابهة بشكل صارخ.

وأضاف أن هذا التقرير كشف عدم وجود إطار وطني ينظم توريد الأدوية، وأن تقدير الاحتياجات يستند إلى منهجية "تخمينية"، فيما جرى الوقوف على خلل عميق في نظام تسجيل شركات الدواء.

وأشار المعهد إلى أن التقرير رصد نموا هائلا في أرباح وحصص عدد صغير من الشركات في السوق خلال السنوات الأخيرة، وتبين أن بعضها يرتبط ارتباطا مباشرا بمسؤولين حكوميين وأعضاء في البرلمان.

ورأى أن ذلك يمثّل تضاربا واضحا في المصالح، لأن هؤلاء المسؤولين والبرلمانيين أنفسهم هم من يشكّلون سياسات المشتريات التي تستفيد منها الشركات ذاتها.

حدود الاقتسام

وتساءل المعهد عن صلة ما سبق بمساعي تشكيل حكومة موحدة، موضحا أن الأساس المنطقي للحاجة إلى هذه الحكومة هو أنها ستجلب استقرارا يمكن أن ينبثق منه تطور اقتصادي، لا سيما في قطاع النفط.

وأشار إلى أن التقرير المتعلق بالوقود مهم في سياق الدفع الأميركي نحو الوحدة، إذ يسعى بولس إلى توسيع الاستثمارات الأميركية في قطاع النفط الليبي إذا عمل الفصيلان المتنافسان معا.

لكن نتائج التقارير، بحسب المعهد، تضع علامة استفهام حول ما إذا كان مجرد إضفاء طابع رسمي على "التعايش" بين اللاعبين المتنافسين في ليبيا يشكّل فعلا أساسا للتنمية.

ورأى أن اقتسام السلطة قد يزيد الفساد سوءا عبر تقليص القيود القائمة على تصاعد الإنفاق العام، وأنه لن يكون نتيجة إيجابية لشركات النفط الدولية أيضا، الحذرة من ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة في سوق يخضع فيه تطبيق القانون لأهواء عائلات حاكمة متناحرة يرجَّح أن يستمر تنافسها داخل الحكومة الجديدة.

وأكد المعهد أن أحد الدروس الرئيسة من تقارير هيئات مكافحة الفساد هو أن النظر إلى نظام تشغيل السلطات الحاكمة في ليبيا أمر حاسم، وأنه لا بد من شروط واضحة لكيفية إدارة أي حكومة مستقبلية للمالية العامة.

وأضاف أن هذه الشروط يجب أن تتضمن شفافية أكبر وتركيزا على توفير الخدمات العامة، لا على الإثراء الخاص، مشيرا إلى أن الموازنة الموحدة لليبيا التي جرى الاتفاق عليها بوساطة أميركية في أبريل/ نيسان 2026 لم تُنفَّذ فعليا حتى الآن.

ورأى أن ذلك يبيّن أن الاختراقات السياسية دون خطة تنفيذ لا تغيّر الوقائع على الأرض، مقرّا بأن مثل هذه الشروط ستقاومها النخب الليبية وستجعل مسار تشكيل حكومة جديدة أكثر صعوبة.

ولفت المعهد إلى أن ذلك عمليا سيُلزم الولايات المتحدة بدور رقابي لتنفيذ ما يُتَّفق عليه، لكن هذا هو السبيل الوحيد لضمان الشروط الأساسية للاستثمار الذي يسعى إليه بولس.

وأشار إلى أن “الوسطاء المطلعين على تحديات التوصل إلى اتفاق بين الزعماء الليبيين المتنافسين يتساءلون عما هو البديل عن مساومة نخبوية بين آل حفتر وآل الدبيبة”.

وختم المعهد بأنه “إذا لم تُحسّن حكومة جديدة تُشكَّل على الأساس الذي يقترحه بولس الحوكمة فعلا، فإن جدواها ستكون محدودة في أفضل الأحوال”.