بين تصعيد الاحتلال الإسرائيلي وضغوط واشنطن.. إلى أين تتجه جبهة لبنان؟

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في تحد سافر لكل المبادئ الإنسانية والدولية وتجاهل للتفاهمات المعلنة أخيرا، يواصل الاحتلال الإسرائيلي قصف لبنان وانتهاك سيادته، رغم إعلان الهدنة الأخيرة والاتفاق على وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، الذي نص صراحة على إنهاء العمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

وفي 20 يونيو/حزيران 2026، شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة على جنوب لبنان ومناطق في البقاع، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 47 شخصا وإصابة عشرات آخرين، بينهم مدنيون، فضلا عن أضرار واسعة لحقت بالمنازل والبنية التحتية، في واحدة من أكثر موجات التصعيد دموية منذ بدء المواجهات الأخيرة.

واستهدفت الغارات بلدات كفررمان وكفرصير وزبدين وشوكين والجبل الرفيع والريحان والنبطية الفوقا وحبوش وعدشيت، في قضاءي النبطية وجزين.

وعصر الجمعة، أعلن الجيش الإسرائيلي، في بيان، تنفيذ هجمات على أكثر من 150 هدفا في جنوب وشرق لبنان منذ الليلة الماضية، مدعيا أنها تابعة لـ"حزب الله"، فيما أظهرت المعطيات الميدانية أن الغارات نالت في معظمها منازل وأعيانا مدنية.

وفي تأكيد على حجم التصعيد، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الجيش قصف أكثر من 80 هدفا في لبنان، بحسب تدوينة نشرها على منصة "إكس".

ويعد هذا التصعيد الأعنف منذ توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، مساء الأربعاء الماضي، والتي تضمنت 14 بندا، ونصت على الإنهاء الفوري للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع التعهد بعدم الشروع في أي حرب أو عملية عسكرية جديدة بين الأطراف المعنية.

وبحسب نص المذكرة، تعهدت الأطراف بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها، وضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته، على أن يؤكد الاتفاق النهائي الإنهاء الدائم للحرب على مختلف الجبهات، إلى جانب الأحكام الأخرى الواردة في الوثيقة.

غير أن مواقف داخل الحكومة الإسرائيلية، لا سيما من وزراء اليمين المتطرف، رفضت ربط أي اتفاق مع إيران بوقف العمليات العسكرية في لبنان أو تقديم تنازلات أمنية، وأكدت التمسك باستمرار السيطرة على مناطق في جنوب لبنان ومواصلة العمليات العسكرية.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية على لبنان عقب مقتل 4 عسكريين إسرائيليين، بينهم قائد الكتيبة 52، جراء استهداف دباباتهم خلال محاولة توغل في جنوب لبنان، وفق ما أعلن جيش الاحتلال.

وعلى خلفية ذلك، زعم جيش الاحتلال، في بيان، أن "حزب الله خرق وقف إطلاق النار". مضيفا أن الحزب "حاول منع قواتنا من استكمال تدمير قدراته التي بناها على مدار سنوات، وقد ردت قواتنا على ذلك بقوة".

كما ادعى أن قواته "تتمتع بحرية عملياتية كاملة لإزالة التهديدات في كل منطقة". مشيرا إلى أن رئيس الأركان إيال زامير أوعز بتسخير جميع القدرات العسكرية للقوات المنتشرة في الميدان.

في المقابل، أكد "حزب الله"، في بيان، أن إسرائيل "لم تلتزم يوما بأي اتفاق لوقف إطلاق النار"، بما في ذلك التفاهم الأميركي الإيراني الأخير.

واتهم الحزب إسرائيل بمواصلة خرق اتفاقات وقف إطلاق النار عبر ارتكاب مجازر وتدمير أبنية سكنية وبنى تحتية مدنية، إلى جانب استمرار الاعتداءات البرية ومحاولات التوغل والسيطرة على قرى ومناطق في جنوب لبنان.

ومنذ 2 مارس/آذار الماضي، يشن الجيش الإسرائيلي عدوانا واسعا على لبنان، أسفر عن مقتل 3980 شخصا وإصابة 12001 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وفق معطيات وزارة الصحة اللبنانية.

وتواصل إسرائيل احتلال مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، فيما سيطرت على مناطق أخرى خلال الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، كما توغلت خلال العدوان الحالي لمسافة تتجاوز 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في أعمق توغل لها منذ أكثر من 25 عاما، وتحديدا منذ انسحابها من الجنوب اللبناني عام 2000.

وفي أعقاب التصعيد الإسرائيلي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة واشنطن خلال الفترة من 23 إلى 25 يونيو/حزيران الجاري.

وتمثل هذه الجولة الخامسة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية التي تستضيفها واشنطن، بعد أربع جولات سابقة انطلقت في أبريل/نيسان الماضي، ضمن مسار تفاوضي يهدف إلى التوصل إلى تفاهمات بين الجانبين.

وفي سياق متصل، أفادت صحيفة "واشنطن بوست"، الجمعة، بأن وكالات الاستخبارات الأميركية حذرت من أن نتنياهو قد يتخذ خطوات من شأنها تقويض الجهود الرامية إلى تحقيق سلام دائم مع إيران.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين، لم تسمهم، أن التقييمات الاستخباراتية تشير إلى أن إسرائيل تعتزم مواصلة هجماتها في لبنان، في خطوة قد تُعد انتهاكا لأحد البنود الأساسية في الاتفاق الأميركي الإيراني.

وبحسب التقرير، خلص تقييم استخباراتي حديث إلى أن مستقبل نتنياهو السياسي، مع اقتراب الانتخابات المقررة في الخريف المقبل، يرتبط إلى حد كبير بقدرته على إقناع قاعدته الانتخابية بأنه لن يسحب القوات الإسرائيلية من لبنان، وأنه مستعد لمواصلة التصعيد في مواجهة "حزب الله".

وفي برنامج حواري، انتقد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس السياسات الإسرائيلية، قائلا: "أعتقد أن إسرائيل، كغيرها من الدول، تسعى للتأثير على السياسة الأميركية، وأنا أقر بذلك".

وأضاف: "على القادة الأميركيين أن يكونوا حذرين للغاية عند تحديد ما إذا كانوا يسعون إلى تحقيق أجندة تخدم مصالح الولايات المتحدة أم مصالح دولة أخرى".

وأكد فانس أنه لا يتفق مع الرأي القائل إن مصالح الولايات المتحدة تتطابق دائما مع مصالح إسرائيل، مشيرا إلى وجود تباينات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن كيفية إنهاء الصراع مع إيران.

وأوضح أن انتقاد قرارات حكومة نتنياهو لا يعني بالضرورة "معاداة السامية"، لافتا إلى أن هناك أطرافا داخل النظام الإيراني تبدي رغبة في بناء علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وأضاف أن الهدف من الاتفاق يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، وتأمين مكاسب أميركية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى منح طهران فرصة لإقامة علاقات أكثر استقرارا مع إدارة واشنطن.

إرهاب إسرائيلي

وندد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بالتصعيد الإسرائيلي على لبنان وتكثيف الاحتلال غاراته الجوية الوحشية التي نالت المنازل والقرى في الجنوب ما ادى إلى قتلى وجرحى مدنيين بينهم أطفال ونساء، ووصفوه بـ"الجرائم" و"المجازر" والإرهاب الذي يستهدف المدنيين رغم أي اتفاقات وقف إطلاق نار. 

وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #جنوب_لبنان، #إسرائيل، #إيران، #علي_الطاهر، #النبطية وغيرها، إلى أن ما يفعله الاحتلال خرق للهدنة ودليل على عدم  التزامه بأي تفاهمات، متداولين صورا ومقاطع فيديو تظهر الدمار الهائل في بلدات الجنوب اللبناني.

مخطط مدروس

وتحدث محللون وصحفيون وناشطون عن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان كجزء من مخطط يستهدف السيطرة على مرتفعات "علي الطاهر" الإستراتيجية. 

ووصفوا هذا التصعيد بأنه مخطط صهيوني مدروس يركز على التلال الحاكمة للسيطرة النارية على الجنوب، مستندين إلى ادعاءات إسرائيلية بوجود شبكات أنفاق ومستودعات أسلحة لحزب الله في المنطقة.

وأكدوا أن الكيان يسعى لاحتلال هذه المرتفعات قبل أي تهدئة لتثبيت قواتها، ضمان السيطرة على المناطق المحيطة، واستغلال وقف إطلاق نار محتمل للتمشيط وفرض ترتيبات أمنية، مع التركيز على أن المعارك الدائرة هناك تكشف عن أهداف توسعية وليست دفاعية فقط.

ومرتفعات علي الطاهر (أو تلة علي الطاهر) هي موقع جغرافي إستراتيجي مرتفع يقع شمال نهر الليطاني، شرق مدينة النبطية في جنوب لبنان، على ارتفاع يصل إلى نحو 600 متر عن سطح البحر. 

وتُعد هذه المرتفعات من أبرز النقاط الحاكمة في محافظة النبطية؛ إذ تشرف بصريًا وناريًا على مدينة النبطية والمناطق المحيطة بها، وبلدات مثل كفرتبنيت وحبوش، ومحاور طرق رئيسة، وأجزاء واسعة من القطاع الشرقي لجنوب لبنان، بالإضافة إلى محيط نهر الليطاني وطرق تؤدي نحو مناطق داخلية. 

وبالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، تمثل السيطرة عليها هدفًا عسكريًا حيويًا؛ لأنها توفر برج مراقبة طبيعيًا يمكّن من إدارة النيران، رصد التحركات، وتوجيه العمليات العسكرية على نطاق واسع، وهذا الموقع يمنح أي قوة تسيطر عليه تفوقًا ميدانيًا ورصديًا كبيرًا في المنطقة.

كما يُعتقد أنها تشكل تكملة لقلعة الشقيف (بيوفورت) لتشكل "كماشة نارية"، وقد ارتبطت بمزاعم عن وجود شبكات أنفاق ومستودعات أسلحة تابعة لحزب الله، مما يجعلها نقطة محورية في أي محاولة لتأمين المنطقة أو فرض ترتيبات أمنية.

وقاحة نتنياهو

هاجم ناشطون وكتاب لبنانيون وعرب نتنياهو بسبب مزاعمه أن حزب الله هو من خرق وقف إطلاق النار حين صد الهجوم الإسرائيلي على تلة علي الطاهر، عادين تصريحاته وقحة وتعبيراً عن منطق احتلالي يفرض "حرية عمل" إسرائيلية مقابل تنازل لبناني عن الدفاع عن سيادته. 

ووصفوا منطق نتنياهو بأنه يعكس روح اتفاق واشنطن مع عون الذي يُنظر إليه كتنازل عن حق الدفاع الذاتي للبنان، مما يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للعمل ضد حزب الله دون رد يعد "خرقاً"، في حين يُبرر أي رد لبناني على هجمات إسرائيلية (مثل محاولة التقدم نحو تلة علي الطاهر) بأنه انتهاك للهدنة.

تواطؤ عون

وهاجم ناشطون الرئيس اللبناني جوزيف عون بشدة على خلفية رده على التصعيد الإسرائيلي الأخير، ورأوا في رده ضعفا وتواطئا؛ حيث يركز على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن ويطالب بوقف إطلاق نار شامل دون رد عسكري قوي أو تهديد بوقف المحادثات رغم القصف الإسرائيلي المستمر والاحتلال والشهداء.

واتهموا عون بتنازل عن حق الدفاع عن النفس، تنسيق مع العدو عبر اتفاقات أميركية، وتفضيل مصالح شخصية أو سياسية على حساب الدم اللبناني، مقارنين موقفه بالقوة التي يبديها نتنياهو. وطالبوا بموقف وطني رجولي يرفض التفاوض تحت النار ويحمي السيادة. 

وكان عون قد شدد على أن التصعيد الإسرائيلي يستهدف تقويض جهود تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، مؤكدا مواصلة السعي للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار بأسرع وقت.

وقال في بيان للرئاسة اللبنانية: إن "ما نشهده اليوم في الجنوب والبقاع من توسع للاعتداءات الإسرائيلية والمزيد من القتل والتدمير، يشكل تصعيداً خطيراً ومداناً، لا سيما أنه نال عشرات الأبرياء بينهم نساء وأطفال".

وأضاف عون أن "التصعيد يستهدف عملياً كل المحاولات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإيرانية".

وشدد على أن ذلك "لن يحول دون العمل على إنجاز وقف شامل لإطلاق النار بأسرع وقت ممكن"، مشيرا إلى أنه أوصى الوفد اللبناني المفاوض خلال الجولة المقبلة في واشنطن بالتمسك بهذا الهدف.

وأكد عون أن "وقف النار الشامل هو المدخل للبحث في القضايا الأخرى، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وعودة الأسرى".

نبرة حادة

وعلق محللون وناشطون على تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الناقدة لإسرائيل،  وتأكيده أن ترامب هو آخر حليف قوي لها، ودعوته لتمييز المصالح الأميركية عن الإسرائيلية، ورفض خلط انتقاد سياسات نتنياهو بمعاداة السامية) بإيجابية كبيرة.

وعدوها "بداية مشجعة" و"تغييرا ملحوظا" في النبرة الأميركية، مشيرين إلى أن التصريحات الأميركية شكلت صدمة للكيان الإسرائيلي ودليلاً على تراجع الدعم الأعمى، مع التركيز على أهمية الأولويات الأميركية "أميركا أولاً" وانتقاد الخلط بين النقد السياسي والكراهية.