من الاكتشاف إلى التدمير.. كيف تدير الحكومة السورية ملف السلاح الكيميائي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

نور حكيم

شهد ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا تطوراً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، مع إحراز تقدم في الكشف عن المخزونات والوثائق المرتبطة بالبرنامج الكيميائي الذي خلفه نظام بشار الأسد، وسط دعم دولي متزايد للتعاون بين دمشق ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يفتح الباب أمام تسوية أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في تاريخ الصراع السوري.

وعلى مدى 13 عاماً من الحرب، واجه نظام الأسد اتهامات متكررة باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين في عدة مناطق، فيما ظل مصير ترسانته الكيميائية ومواقع تخزينها مصدر قلق دائم للمجتمع الدولي، لا سيما بعد الإطاحة بالنظام في ديسمبر/ كانون الأول 2024.

وفي هذا السياق، أكدت الحكومة السورية الجديدة مراراً التزامها بالتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والمضي في تفكيك وتدمير ما تبقى من المخزونات والمواد المرتبطة بالبرنامج الكيميائي، مشددة في الوقت ذاته على حاجتها إلى دعم فني ولوجستي ومالي من المجتمع الدولي لإنجاز هذه المهمة المعقدة.

وضمن الخطوات العملية المتخذة، أعادت دمشق تفعيل بعثتها الدائمة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مدينة لاهاي خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وعينت محمد كتوب ممثلاً دائماً لها لدى المنظمة. كما أطلقت الحكومة السورية في مارس/ آذار 2026 خطة شاملة، بدعم من الولايات المتحدة وشركاء دوليين، للتخلص النهائي من الإرث الكيميائي الذي خلفه النظام السابق.

ورغم أن عملية الكشف والتفكيك والتدمير قد تمتد لأشهر طويلة أو حتى سنوات، بسبب الكلفة المرتفعة والتعقيدات التقنية والأمنية والسياسية المحيطة بها، فإن المجتمع الدولي ينظر إلى هذا المسار بصفته خطوة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها لضمان عدم عودة أسلحة الدمار الشامل إلى المشهد السوري أو استخدامها مستقبلاً في المنطقة.

خطوات عملية

حظي التقدم الذي أحرزته الحكومة السورية في ملف الأسلحة الكيميائية بإشادة دولية واسعة، إثر تسليم دمشق عشرات آلاف الوثائق المرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام المخلوع، وتسهيلها وصول فرق التفتيش الدولية إلى عشرات المواقع المشتبه بها.

وفي هذا السياق، كشف مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي عُقدت في 4 يونيو/ حزيران 2026، أن بلاده سلمت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ما يزيد على 60 ألف وثيقة مرتبطة ببرنامج النظام البائد، وسهلت لفرقها زيارة 32 موقعاً مشتبهاً به.

وأوضح العلبي أن جهود الفرق السورية توجت أخيرا بتحديد وتأمين صواريخ وذخائر كيميائية، مؤكداً مضي بلاده في استكمال تدمير هذا الإرث بالتعاون مع الجهات الدولية، بما يخدم مسار المساءلة والعدالة لضحايا الأسلحة المحظورة.

ويأتي هذا الحراك الأممي امتداداً لإعلان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في 26 مايو/ أيار 2026، عن العثور على كميات كبيرة من الأسلحة غير المعلنة سابقاً، ومواد ووثائق حساسة خلال مهمة ميدانية نفذها خبراؤها بدعم من السلطات الحالية.

ووصف المدير العام للمنظمة، السفير فرناندو أرياس، هذه النتائج بأنها "مهمة للغاية"، مقدرا أنها تؤكد تقييمات الأمانة الفنية الصادرة منذ عام 2014، والتي أفادت بأن نظام الأسد تعمد إخفاء معلومات وتضليل المجتمع الدولي بشأن النطاق الحقيقي لبرنامجه.

وأشار أرياس إلى أن عمليات التفتيش شملت مواقع ذات أولوية في شمال الساحل السوري ووسط البلاد، حيث عُثر على قنابل جوية وصواريخ ومواد ومعدات كيميائية، إضافة إلى آلاف الصفحات من الوثائق التي تخضع حالياً لتحليل تقني تمهيداً لإصدار تقرير نهائي تفصيلي.

وعلى صعيد متصل، صرّح محمد كتوب، المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، لوكالة "رويترز" في 26 مايو/ أيار 2026، بأن السلطات السورية اعتقلت 18 شخصاً للاشتباه في تورطهم في البرنامج الكيميائي للنظام البائد.

وأضاف كتوب أنه تم العثور على مكونات غاز السارين السام الذي استخدمته قوات الأسد سابقاً، فضلاً عن انتشال واحتواء أكثر من 70 صاروخاً وقنبلة كانت مجهزة للاستخدام كأسلحة في هجمات كيميائية.

ولم تكن خطوة الإعلان عن توقيف 18 مسؤولاً من رموز البرنامج الكيميائي السابق مجرد إجراء إداري، بل جاءت نتيجة تحقيقات أمنية مكثفة قادتها السلطات السورية بالتعاون مع أجهزة استخبارات دولية لتفكيك ما يُعرف بـ"شبكة الظل".

وضمت هذه الشبكة ضباطاً رفيعي المستوى في إدارة الحرب الكيميائية، وخبراء تقنيين، ووسطاء تجاريين عملوا على مدار سنوات لتأمين سلاسل التوريد عبر شركات وهمية في الخارج.

وتشير التسريبات إلى أن التحقيقات الحالية مع الموقوفين في دمشق لا تتركز فقط على أماكن طمر النفايات والمخزونات المتبقية، بل تهدف أيضاً إلى كشف "أرشيف الأوامر العسكرية"، أي الوثائق المكتوبة والسجلات الرقمية التي تثبت تسلسل إصدار الأوامر بالهجمات الكيميائية من القصر الرئاسي وصولاً إلى القواعد الجوية التي انطلقت منها الطائرات.

ويرى حقوقيون سوريون ودوليون أن الإفادات المستخلصة من هذه الاستجوابات ستشكل "العمود الفقري" لملفات الادعاء الجنائي المستقبلية أمام المحاكم الدولية، بما ينقل القضية من مرحلة التثبت التقني من وجود السلاح إلى مرحلة تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الحرب.

إرث الأسد

وفي سياق متصل، أعلنت الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، إيزومي ناكاميتسو، إحراز تقدم جوهري في الجهود الرامية للقضاء على الأسلحة الكيميائية في سوريا.

وأشارت ناكاميتسو، خلال إحاطة قدمتها أمام مجلس الأمن الدولي، إلى أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تواصل العمل والتنسيق مع الحكومة السورية لتحديد وإزالة ما تبقى من عناصر البرنامج الكيميائي للنظام السابق.

ونوهت المسؤولة الأممية إلى الزيارة التي أجراها فريق من خبراء المنظمة مطلع الشهر الماضي، والتي شملت عدة مواقع غير معلنة ذات أولوية قصوى في المناطق الساحلية الشمالية والوسطى، وتحديداً في محافظات حماة وحمص واللاذقية.

وتمكن الفريق، وفق ناكاميتسو، من إعداد قائمة جرد كاملة ودقيقة لمخلفات البرنامج الكيميائي، في خطوة وصفت بأنها من أبرز التطورات التي شهدها هذا الملف منذ سنوات.

وأكدت أن عمليات التفتيش قادت إلى اكتشاف كميات كبيرة من الأسلحة الكيميائية والمواد والوثائق المرتبطة بها، والتي لم يسبق لنظام الأسد أن أعلن عنها.

ومن بين تلك الاكتشافات عشرات الذخائر الكيميائية غير المصرح بها، بما في ذلك قنابل جوية من الطراز ذاته الذي استُخدم في الهجمات الكيميائية على اللطامنة في مارس/ آذار 2017، وعلى خان شيخون في أبريل/ نيسان 2017، إضافة إلى صواريخ من النوع نفسه المستخدم في هجوم الغوطة في أغسطس/ آب 2013.

وشددت ناكاميتسو على ضرورة استمرار التعاون مع الحكومة السورية الحالية لإخضاع المواد المكتشفة لإعلان رسمي وتدميرها تحت إشراف دولي مباشر.

كما أوضحت أن المنظمة زارت أكثر من عشرين موقعاً منذ مارس/ آذار 2025، مستدركة بأن الحاجة لا تزال قائمة لإجراء مزيد من التحقيقات والزيارات الميدانية لاستكمال صورة البرنامج الكيميائي السابق.

وفي إطار جمع الأدلة، أشارت الممثلة السامية إلى أن المنظمة أجرت مقابلات مع خبراء سابقين في البرنامج، وجمعت 19 عينة، وتحفظت على أكثر من 6 آلاف وثيقة.

ولفتت في الوقت ذاته إلى أن الحكومة السورية سلمت المنظمة ما يزيد على 34 صندوقاً من الوثائق، جرى مسحها ضوئياً وإعادتها لاحقاً إلى الهيئة الوطنية السورية، في خطوة تعكس مستوى متقدماً من التعاون بين دمشق والمنظمة الدولية.

رسالة إيجابية

برزت خلال جلسة مجلس الأمن التي عُقدت أخيرا إشادات دولية واسعة بالخطوات الملموسة التي اتخذتها الحكومة السورية لإنهاء ملف المخلفات الكيميائية العائدة لنظام الأسد البائد.

وفي هذا السياق، رحبت الولايات المتحدة بالتقدم المحرز المتمثل في كشف الذخائر والمواد الكيميائية غير المُعلن عنها سابقاً، مقدرة أن هذه الاكتشافات تُثبت بالدليل القاطع زيف الإعلانات السابقة لنظام الأسد.

ورأت نائبة المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، تامي بروس، أن هذا التطور الملحوظ لم يكن ليتحقق لولا الدعم الذي قدمه المجتمع الدولي للسلطات السورية الجديدة.

من جانبه، أشارت نائبة المندوب البريطاني، جينيفر ماكنوتان، إلى أن تعاون دمشق الفعّال ساهم بشكل مباشر في تحديد عشرات الذخائر الكيميائية، بما في ذلك القنابل والصواريخ، مقدرة أن توقيف المشتبه بتورطهم في مجزرة الغوطة الشرقية—التي استُخدم فيها غاز السارين السام—يمثل خطوة محورية وجادة نحو تحقيق المساءلة والعدالة.

وفي السياق ذاته، أكد مندوب فرنسا، جيروم بونافو، أن نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد استخدم الأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري في تسع حالات مؤكدة على الأقل، معرباً عن تطلعه إلى تأمين وتدمير ما تبقى من المخزونات الكيميائية بأسرع وقت ممكن، ومشدداً على أن نجاح هذه العملية سيبعث "رسالة إيجابية" قوية إلى المجتمع الدولي.

بدوره، دعا نائب المندوب الصيني، سون لي، إلى ضرورة إغلاق ملف الأسلحة الكيميائية في أقرب وقت، بما يتيح لسوريا توجيه مواردها وجهودها نحو مسار إعادة الإعمار والتنمية، مستدركاً بأهمية تعزيز تدابير الإنذار المبكر لضمان عدم وقوع أي من هذه المواد الخطرة في أيدي التنظيمات الإرهابية.

ومن جانبه، أكد مندوب تركيا أن الحكومة السورية أظهرت التزاماً صادقاً بمساعدة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أداء مهامها، داعياً الدول الأعضاء إلى مساندة سوريا حتى تصبح خالية تماماً من أسلحة الدمار الشامل.

كما حظي التعاون القائم بين الحكومة السورية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإشادة واسعة من وفود دول عدة، من بينها: البحرين، واليونان، والصومال، وباكستان، ولاتفيا، وبنما، والدنمارك، حيث شددت هذه الدول على أهمية استكمال الجهود لمعالجة المسائل العالقة وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.

وفي المقابل، جاء الموقف الروسي مغايراً، إذ أبدى الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، تشككه في موثوقية الأدلة والنتائج المتعلقة باستخدام تلك الأسلحة إبان فترة نظام الأسد، موجهاً انتقادات لآليات جمع الأدلة والتحقيقات التي أجرتها الأمانة الفنية للمنظمة الدولية.

 عقبات رئيسية

رغم الزخم السياسي الكبير والدعم الأميركي والدولي المعلن، تواجه عملية التخلص النهائي من الترسانة الكيميائية المكتشفة مؤخراً عقبات لوجستية وتقنية بالغة التعقيد.

فالعثور على قنابل جوية وصواريخ قديمة مجهزة بغاز السارين أو مركبات "في إكس" (VX) التالفة يضع خبراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام تحديات كبيرة في مجال التحييد الآمن؛ إذ إن هذه المواد، وبمرور الزمن، أصبحت غير مستقرة كيميائياً، ما يجعل نقلها خارج المواقع الحالية محفوفاً بمخاطر بيئية وأمنية عالية.

وعلاوة على هذه التحديات التقنية، تبرز "فاتورة التدمير" كعقبة رئيسية؛ إذ تقدر مصادر دولية أن عمليات التفكيك، وبناء محطات الحرق الميدانية الآمنة، وتطهير التربة في محافظات حمص وحماة واللاذقية ستكلف مئات الملايين من الدولارات.

وفي ظل الوضع الاقتصادي المنهك الذي تعيشه سوريا بعد سنوات الحرب، تدفع دمشق باتجاه إنشاء "صندوق دولي ائتماني" تديره الأمم المتحدة لتمويل هذه العمليات بشكل مباشر.

ويرى مراقبون أن إغلاق هذا الملف بشكل نهائي لن يتوقف على الإرادة السياسية للحكومة السورية فحسب، بل يعتمد أيضاً على مدى سرعة المجتمع الدولي في تحويل إشاداته الدبلوماسية إلى تدفقات مالية ودعم تكنولوجي على الأرض.

بدوره، قال المحلل السياسي إبراهيم الخطيب لـ"الاستقلال" إن تعاطي الحكومة السورية الجديدة مع الإرث المعقد لبرنامج نظام الأسد الكيميائي يمثل أحد أبرز الاختبارات السياسية والأمنية لدمشق في مرحلة ما بعد التغيير.

ولفت الخطيب إلى أن إعلان السلطات مؤخراً عن تفكيك بقايا هذا البرنامج السري واعتقال المتورطين فيه لا يعد رضوخاً للضغوط الدولية، بل هو استثمار سياسي ذكي يقدم دمشق للمجتمع الدولي كشريك مسؤول، بما يعزز شرعيتها الدبلوماسية ويسرع اندماجها في المنظومة الدولية كعنصر استقرار.

وأضاف أن التخلص من هذا الإرث الثقيل يوجه رسالة طمأنة للداخل السوري، وتحديداً لذوي الضحايا، بنهاية عهد الإفلات من العقاب، كما يسحب الذريعة القانونية والسياسية لاستمرار العقوبات الغربية القاسية التي طالما استندت إلى هذا الملف.

وختم بالقول إن هذه الخطوة تعكس تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية والأمنية السورية نحو جيش وطني احترافي ملتزم بالمعاهدات الدولية، مؤكداً أن سوريا تطوي بذلك صفحة مظلمة بهدف ترميم شرعيتها وإثبات أن مسار التغيير فيها حقيقي ومؤسساتي.