هل يصبح قطاع الطاقة بوابة واشنطن لاستعادة نفوذها في العراق؟

إدارة ترامب تنظر إلى توسيع الاستثمارات الأميركية في العراق باعتباره وسيلة لتقليص النفوذ الإيراني
عاد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، من واشنطن إلى بغداد بحصيلة لافتة من الاتفاقات في قطاع الطاقة، إلى جانب سلسلة مباحثات مع مستثمرين محتملين، في إطار مساعٍ لتقديم العراق بوصفه وجهة جاذبة لرأس المال الأميركي.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تعميق شراكتها مع بغداد، وتقليص اعتمادها على إيران، وفق تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي.
وذكر الموقع أن الزيدي التقى ترامب في البيت الأبيض، الثلاثاء 14 يوليو/تموز، كما عقد لقاءات مع أعضاء في الكونغرس، قبل أن يتوجه إلى مدينة هيوستن؛ حيث اجتمع مع مسؤولين تنفيذيين في شركات "هاليبرتون" و"شل" و"بيكر هيوز" و"إكسون موبيل" وغيرها.
وأضاف أن الزيدي شارك، الجمعة 17 يوليو، في منتدى استضافته غرفة التجارة الأميركية، قبل أن يغادر إلى بغداد السبت. مشيرا إلى أن الزيارة أفضت بالفعل إلى نتائج عملية.

اتفاقات ملموسة
وأعلنت شركة "كونوكو فيليبس" موافقتها على الاستحواذ على حصة تبلغ 42 بالمئة في شركة "بي بي إنرجي كركوك المحدودة"، ضمن مشروع لتطوير حقول النفط في شمال العراق.
ونقل الموقع عن وكالة "بلومبيرغ" أن شركة "شيفرون" تتّجه كذلك إلى توقيع اتفاقات مع بغداد للاستثمار في حقول النفط والبنية التحتية لخطوط الأنابيب، بما يسمح لصادرات الخام العراقي بتجاوز مضيق هرمز.
كما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن العراق وسوريا اتفقا على المضي في إعادة تأهيل خط أنابيب النفط الخام بين البلدين.
ولفت "المونيتور" إلى أن اللقاءات السابقة بين القادة الأميركيين والعراقيين منذ الغزو الأميركي عام 2003، كانت تركز أساسا على التعاون الأمني، بينما قدم الزيدي زيارته الحالية بصفتها مهمة اقتصادية بالدرجة الأولى.
وأشار إلى أن مكتب رئيس الوزراء أعلن، في منشور على منصة "إكس" بتاريخ 13 يوليو/تموز، أن الزيارة تستهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية العراقية-الأميركية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع مشاركة الشركات الأميركية في مشاريع البنية التحتية.
وأضاف أن الزيدي أكد، في منشور آخر، سعي العراق إلى توسيع التعاون مع واشنطن في مجالات الطاقة والمال والبنية التحتية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وبحسب مكتب الممثل التجاري الأميركي، بلغ حجم التجارة السلعية بين البلدين 7.9 مليارات دولار عام 2025، بعد تراجع الصادرات الأميركية إلى العراق بنسبة 0.5 بالمئة إلى 1.7 مليار دولار.
كما انخفضت الصادرات العراقية إلى الولايات المتحدة بنسبة 16.8 بالمئة إلى 6.3 مليارات دولار، في حين بلغ حجم التبادل التجاري بين العراق والصين 54.2 مليار دولار عام 2024، وفقا لوزارة الخارجية الصينية.
وأوضح التقرير أن الصين ما تزال الشريك التجاري الأكبر للعراق، رغم احتفاظ شركات أميركية مثل "شيفرون" و"إكسون موبيل" بحضور مهم في قطاع الطاقة العراقي.
تركيز على الطاقة
ونقل الموقع عن ديفيد شينكر، الزميل الأول في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى، قوله: إن الزيدي يركز بصورة رئيسة على جذب استثمارات أميركية إستراتيجية لرفع الطاقة الإنتاجية للنفط.
وقال شينكر: "قطاع الطاقة بالغ الأهمية؛ لأن الصناعة النفطية العراقية متقادمة، والدولة تواجه عجزا كبيرا في الموازنة، وتسعى إلى زيادة الإنتاج".
وأضاف التقرير أن الزيدي أعلن، في مقابلة مع "سكاي نيوز" خلال يونيو/حزيران، استهداف رفع الإنتاج النفطي إلى سبعة ملايين برميل يوميا خلال ثلاث سنوات، مقارنة بطاقة حالية تبلغ نحو 4.9 ملايين برميل يوميا.
وأشار الموقع إلى أن الإنتاج الفعلي شهد تراجعا حادا هذا العام بسبب اضطرابات مضيق هرمز؛ إذ انخفض بنسبة 61 بالمئة، من 4.2 ملايين برميل يوميا في فبراير/شباط إلى 1.6 مليون برميل يوميا في مارس/آذار، عقب اندلاع الحرب الإيرانية.
وأضاف أن الإنتاج تعافى جزئيا ليصل إلى 1.97 مليون برميل يوميا في يونيو/حزيران، وفقا لإحصاءات منظمة "أوبك"، مشيرا إلى أن النفط يمثل المصدر الرئيس للإيرادات، إذ يوفر نحو 90 بالمئة من موازنة العراق الاتحادية التي تتجاوز 150 مليار دولار.
وأوضح شينكر أن الزيدي يسعى أيضا إلى جذب استثمارات أميركية تساعد على الحد من الحرق المزمن للغاز، رغم امتلاك العراق أحد أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم.
وأشار التقرير، نقلا عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، إلى أن احتياطيات العراق بلغت 131 تريليون قدم مكعبة عام 2023، إلا أن ضعف قدرات المعالجة والنقل يدفع البلاد إلى حرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط.
ووفقا لبيانات البنك الدولي، احتلّ العراق المرتبة الثالثة عالميا في حرق الغاز خلال الفترة بين 2021 و2025، بعد روسيا وإيران.

التبعية لطهران
وأوضح التقرير أن محدودية استغلال العراق لثروته الغازية جعلته يعتمد على إيران لتوفير نحو ثلث احتياجاته من الوقود والكهرباء.
وأضاف أن إدارة ترامب أنهت، في مارس/آذار 2025، الإعفاء الذي كان يسمح للعراق منذ عام 2018 باستيراد الكهرباء الإيرانية، ما تسبب في تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي، خاصة خلال فصل الصيف، نتيجة نقص الوقود وسوء الإدارة والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
ونقل الموقع عن تامر بدوي، الزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، قوله: إن زيادة إنتاج النفط تمثل "السبيل الوحيد لضمان استمرار قدرة العراق على دفع الرواتب".
وأضاف أن الاستثمارات الأميركية يمكن أن تعزز عمليات الاستكشاف والإنتاج، وتدعم في الوقت نفسه جهود تقليل حرق الغاز.
وقال بدوي: "إلى جانب المكاسب الاقتصادية، فإن استقطاب الشركات الأميركية يهدف أيضا إلى كسب دعم إدارة ترامب، وهذا جانب لا يقل أهمية".
وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، الشريك الأمني الرئيس للعراق، لا تزال تحتفظ بنحو ألفي جندي ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، على أن يبدأ انسحابهم في سبتمبر/أيلول، وفقا لاتفاق خفض القوات الموقع عام 2024.
ونقل الموقع عن شينكر قوله: إن استمرار نشاط الميليشيات المدعومة من إيران يبقى العقبة الأكبر أمام جذب المزيد من الاستثمارات الأميركية.
وأضاف: "ممارسة الأعمال في العراق ليست سهلة، لكن التحدي الأمني يظل العامل الأكثر تأثيرا".
ولفت التقرير إلى أن الزيدي تعهد، منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو/أيار، بحصر السلاح بيد الدولة، وأن ثلاث جماعات، هي "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" و"سرايا السلام"، أعلنت موافقتها على تسليم أسلحتها والاندماج في القوات الحكومية.
إلا أن جماعات أخرى، أبرزها "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران، ما تزال ترفض الاستجابة لمطالب الحكومة.
وأشار الموقع إلى أن الفصائل الموالية لإيران نفذت عشرات الهجمات داخل العراق خلال المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، استهدفت منشآت للطاقة وقواعد أميركية، إضافة إلى استهداف حقل خور مور الغازي في إقليم كردستان خلال مارس/آذار.
ووصف شينكر عملية نزع السلاح بأنها لا تزال في "مراحلها التمهيدية". مشيرا إلى أن الفساد يشكل بدوره عاملا رئيسا في عزوف المستثمرين الأجانب.
وأضاف التقرير أن وكالة "إس آند بي غلوبال" أكدت، في تقرير حديث، أن المستويات المرتفعة للفساد تعرقل التنمية السياسية والاقتصادية في العراق.
ولفت إلى أن الزيدي أطلق، في يونيو/حزيران، حملة واسعة لمكافحة الفساد أسفرت عن عشرات الاعتقالات، فيما أعلنت السلطات العراقية مصادرة أكثر من 52 ألف دولار و820 رطلا من الذهب في قضية فساد مرتبطة بالمسؤول النفطي عدنان الجميلي الذي اعتقل في مايو/أيار بتهمة اختلاس أموال من مصافي النفط.
ورأى بدوي أن حملة مكافحة الفساد "تركز حتى الآن على شبكات سياسية بعينها"، في إشارة إلى خصوم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي داخل "الإطار التنسيقي" الحاكم.
وأشار التقرير إلى أن الإطار التنسيقي، بوصفه أكبر كتلة برلمانية، رشّح الزيدي لرئاسة الحكومة في مايو/أيار بعد أشهر من الخلاف حول ترشيح المالكي، الذي عارضته إدارة ترامب.
وتساءل بدوي عن مدى استمرارية الحملة، وما إذا كانت ستشمل شخصيات أخرى خارج معارضي المالكي.
وفي ختام التقرير، نقل الموقع عن شينكر قوله: إن إدارة ترامب تنظر إلى توسيع الاستثمارات الأميركية في العراق بصفته وسيلة لتقليص النفوذ الإيراني.
وقال: "الهدف هو إنهاء الهيمنة الإيرانية على الدولة العراقية. فإذا أصبح العراق أكثر ارتباطا بالغرب والولايات المتحدة، وحقق استقلالا أكبر في قطاع الطاقة، فإن ذلك سيساعده تدريجيا على التحرر من الاعتماد على إيران".
وأضاف أن توسيع قدرات العراق على احتجاز الغاز يمثل ركنا أساسيا في هذه الإستراتيجية، مؤكدا أن "إيران تعارض مثل هذه الاستثمارات؛ لأنها لا تريد عراقا مستقلا".















