تعهدات الزيدي أمام ترامب.. اختبار حاسم لمستقبل سلاح المليشيات في العراق

يوسف العلي | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أدخل رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، نفسه في اختبار سياسي وأمني بالغ التعقيد، بعدما تعهد أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنزع سلاح المليشيات وإنهاء ما يُعرف بـ"المقاومة" خلال شهرين، ما أثار تساؤلات بشأن قدرته على تنفيذ هذه الالتزامات في ظل تعقيدات المشهد العراقي.

وأجرى الزيدي زيارة إلى الولايات المتحدة، تلبية لدعوة رسمية من ترامب، استمرت بين 13 و18 يوليو/تموز 2026، وهي الأولى له منذ توليه رئاسة الحكومة في منتصف مايو/أيار الماضي، التقى خلالها كبار المسؤولين الأميركيين وأعضاء في الكونغرس، إلى جانب ممثلين عن كبرى الشركات الأميركية.

تعهد الشهرين

في لقاء حظي خلاله بإشادة كبيرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصفه بـ"البطل" و"العظيم"، تعهد الزيدي بعدم السماح لأي جهة بحمل السلاح خارج إطار الدولة بعد 30 سبتمبر/أيلول المقبل، بالتزامن مع موعد انسحاب القوات الأميركية من العراق.

وقال الزيدي، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع ترامب في البيت الأبيض يوم 14 يوليو/تموز، إن "هذه الزيارة لم تكن عابرة، وإنما إعلان لشراكة اقتصادية"، مضيفاً: "في 30 سبتمبر ستغادر القوات الأميركية، وستدخل الشركات الأميركية".

وشدد على أن "حصر السلاح بيد الدولة نقطة أساسية، ولدي قرار بهذا الشأن غير قابل للتراجع"، مؤكداً أنه "لا حاجة لبقاء أي فصائل مسلحة بعد 30 سبتمبر".

ولفت رئيس الوزراء العراقي إلى أن "قرار العراق بيد العراقيين، وقواتنا الأمنية قادرة على حماية أراضيه"، مبيناً أنه "تم استلام كميات كبيرة من الأسلحة من بعض الفصائل، ومن يتحول إلى العمل السياسي سنتعاون معه".

كما تعهد بالعمل على إعادة النازحين إلى مناطقهم، قائلاً: "لدينا خطة لإعادة ما تبقى من النازحين في العراق إلى ديارهم"، في إشارة إلى عدد من المدن التي تسيطر عليها المليشيات وترفض عودة سكانها، لا سيما من العرب السنة، منذ عام 2014، ومن أبرزها مدينة جرف الصخر شمال محافظة بابل.

وأكد أيضاً أن "الشركات الأميركية ستدخل السوق العراقية، وسنعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة"، موضحاً أن واشنطن تمثل "أهم شريك إستراتيجي للعراق".

وفي اليوم التالي، وخلال لقائه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، دعا الأخير الحكومة العراقية إلى تأكيد سيادتها عبر نزع سلاح المليشيات الموالية لإيران، محملاً تلك الفصائل مسؤولية مئات الهجمات التي استهدفت القوات الأميركية.

وقال هيغسيث، في تصريحات صحفية عقب اللقاء، إن "المليشيات العراقية الموالية لإيران مسؤولة عن أكثر من 600 هجوم استهدف أميركيين".

وأكد أن قوات الأمن العراقية والبيشمركة ستتوليان قيادة جهود مكافحة تنظيم الدولة عقب انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق نهاية سبتمبر/أيلول المقبل.

وسبقت زيارة الزيدي تصريحات مشتركة مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، خلال زيارته بغداد ولقائه رئيس الوزراء في 16 يونيو/حزيران، ركزت على نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة وحلها.

وشدد البيان المشترك على التزام حكومتي البلدين بإقامة "شراكة قوية ومتبادلة المنفعة، تحقق فوائد ملموسة للشعبين العراقي والأميركي".

كما ناقش الجانبان "الرؤية المشتركة والطموحة للحكومة العراقية لبناء مستقبل أكثر إشراقاً وخالياً من الإرهاب، وتنفيذ الخطط العراقية الرامية إلى النزع الكامل للسلاح، وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وفرض سيادتها الكاملة"، وفق البيان.

إغراءات مالية

وبشأن مدى قدرة الزيدي على تنفيذ تعهداته، أكدت مصادر سياسية عراقية أن "ما تسعى إليه الولايات المتحدة يختلف تماماً عما يطرحه الزيدي، فهي تريد فك ارتباط العراق بإيران قبل أي شيء، وترى أن أي نمو اقتصادي عراقي ينعكس بالدرجة الأولى على الاقتصاد الإيراني، لا العراقي".

وقالت المصادر، في حديث خاص لـ"الاستقلال"، طالبة عدم الكشف عن هويتها، إن "الزيدي يسعى إلى إقناع الولايات المتحدة بغض الطرف عن النفوذ الإيراني السياسي والأمني والاقتصادي في العراق، مقابل منح الشركات الأميركية مزايا اقتصادية واسعة".

وأضافت: "إذا نظرنا إلى حجم الشركات الأميركية وقدراتها، فإن ما يقدمه العراق يبدو كبيراً بمقاييسنا، لكنه يعد محدوداً جداً بالنسبة إلى تلك الشركات"، لافتة إلى أنها "ستحقق مكاسب، لكن سيف الضغوط الأميركية سيظل مسلطاً على العراق".

وأبدت المصادر تشاؤمها من قدرة الزيدي على تحقيق أي تقدم حقيقي في ملف نزع سلاح المليشيات الموالية لإيران، مشيرة إلى أن "الإطار التنسيقي الحاكم يحاول إغراء ترامب بالمكاسب الاقتصادية لتخفيف الضغوط في هذا الملف وغيره، لكن الأخير سيأخذ ما يُعرض عليه، ثم يطالب بالمزيد".

ولفتت إلى أن "الحملة التي أطلقها الزيدي لمكافحة الفساد منذ توليه السلطة تحظى باهتمام الإعلام الغربي، لكنها لا تزال محاطة بكثير من الشكوك"، مقدرة أن "العواصم الغربية تريد من بغداد خطوات سياسية وأمنية لا يبدو أن الزيدي قادر على تقديمها".

وخلصت إلى أن "العلاقة الحالية بين العراق والولايات المتحدة تشبه هدنة سياسية هشة، إذ تعكس الرسائل المتبادلة حسن نيات أكثر مما تعكس اتفاقات عملية قابلة للتنفيذ".

وفي السياق، أفاد موقع "أكسيوس" الأميركي، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن مسؤولين إيرانيين مارسوا ضغوطاً على الزيدي لإثنائه عن القيام بأول زيارة خارجية له كرئيس للوزراء إلى واشنطن، في محاولة لدفعه إلى جعل طهران وجهته الأولى، إلا أنه أصر على لقاء ترامب.

وأوضح الموقع، في تقرير نشره بتاريخ 16 يوليو/تموز، أن الزيدي جلس إلى جانب ترامب أمام عدسات الكاميرات بينما كان الرئيس الأميركي يتحدث عن مواصلة الضربات ضد إيران وفرض حصار بحري عليها.

ونقل عن مسؤول أميركي قوله: "إن استعداد الزيدي للجلوس إلى جانب الرئيس ترامب أثناء حديثه عن إيران شكّل رسالة قوية تعكس جديته في تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة رغم اعتراض طهران".

وأضاف التقرير أن الزيدي تجنب التطرق إلى إيران، وركز بدلاً من ذلك على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، واستكمال انسحاب القوات الأميركية، والعمل على نزع سلاح المليشيات، وضمان خضوع جميع الأسلحة لسلطة الدولة العراقية.

وأشار إلى أن المسؤولين الأميركيين يأملون أن تمثل هذه الزيارة مؤشراً أولياً على التزام الزيدي بتعهداته بشأن نزع سلاح الفصائل المسلحة.

رد المسيرّات

وفي ما بدا أنه أول رد على تصريحات الزيدي بشأن حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود الفصائل المسلحة، شنت طائرات مسيّرة عدة هجمات على محافظة أربيل، فيما أكدت فصائل ومليشيات موالية لإيران رفضها التخلي عن السلاح، مطالبة بطرد الشركات الأميركية من العراق.

وتعرضت مدينة أربيل، في 16 يوليو/تموز، لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف محيط مطار أربيل الدولي، حيث تتمركز قاعدة تضم قوات أميركية، إضافة إلى محيط القنصلية الأميركية.

وبحسب مواقع محلية، اعترضت منظومات الدفاع الجوي عدداً من الطائرات المسيّرة قبل وصولها إلى أهدافها، فيما أكدت سلطات إقليم كردستان عدم تسجيل أي خسائر بشرية أو أضرار جراء الهجوم.

وعلى إثر ذلك، أعلن رئيس الوزراء العراقي اتخاذ إجراءات أمنية بالتنسيق مع سلطات الإقليم لمنع تكرار مثل هذه الهجمات، مقدرا أنها تمثل "انتهاكاً ومساساً باستقرار العراق"، ومؤكداً عدم التهاون مع أي محاولات تستهدف أمن البلاد أو تعرقل مسارها نحو ترسيخ الاستقرار والسلم المجتمعي.

وفي اليوم نفسه، أصدر زعيم مليشيا النجباء، أكرم الكعبي، بياناً هاجم فيه ترامب على خلفية تصريحاته التي انتقد فيها الجنرال الإيراني السابق قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، داعياً إلى طرد الشركات الأميركية، بتقدير أنها "تقف وراء إفشال قطاع الكهرباء" في العراق.

وكان ترامب قد سأل الزيدي، خلال لقائهما، عن رأيه في العملية الأميركية التي قُتل فيها سليماني والمهندس في بغداد عام 2020، فأجاب الزيدي بأنه لم يكن يعمل في السياسة آنذاك، وأن "العراقيين شبعوا من الماضي"، وأنه ينظر الآن إلى المستقبل.

وقبل ذلك، في 11 يوليو/تموز، أعلنت عدة مليشيات موالية لإيران رفضها حصر السلاح بيد الدولة العراقية، إذ جددت كتائب "حزب الله" العراقية تمسكها بـ"نهج المقاومة"، ورفضها تسليم ما وصفته بـ"السلاح المقدس".

ودعت الكتائب، في بيان أصدرته بمناسبة تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الحكومة العراقية إلى "الانصياع لإرادة شعب المقاومة"، محذرة من "الانجراف وراء المشاريع الاستكبارية".

وأكد البيان أن الكتائب ستواصل التمسك بخيار المقاومة، مقدرا أن المشاركة الشعبية في تشييع خامنئي تمثل "تفويضاً شعبياً" للاستمرار في هذا النهج، كما وجه تحذيراً إلى المسؤولين العراقيين من التماهي مع الأجندات الأميركية.

وفي السياق نفسه، أعلنت ما تُسمى بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" رفضها التخلي عن سلاحها، مؤكدة أن السلاح "ليس خياراً للمساومة"، وأنها ستواصل تطوير قدراتها العسكرية والأمنية، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة ما وصفته بـ"التحديات والتهديدات المتصاعدة".