شهداء في الجنازات وأطفال تحت الأنقاض.. النصيرات تجسد إبادة غزة المستمرة

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

فصولٌ متجددة من المعاناة الإنسانية التي لا تتوقف يعيشها سكان قطاع غزة، كان أحدثها المجزرة التي شهدها مخيم النصيرات، وأسفرت عن استشهاد عدد من الفلسطينيين وإصابة آخرين، جراء سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة من القطاع، في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية التي حذرت تقارير إسرائيلية وأممية من خطورتها.

وأفادت مصادر طبية فلسطينية، في 17 يوليو/تموز 2026، بارتفاع حصيلة القصف الإسرائيلي إلى 14 شهيداً و37 جريحاً.

وسقط العدد الأكبر من الضحايا في مجزرة مروعة ارتكبها طيران الاحتلال المسيّر في مخيم النصيرات؛ حيث استهدفت طائرة مسيّرة تجمعاً للمواطنين أثناء مشاركتهم في تشييع جنازة أحد الشهداء خارج مسجد أحمد ياسين، وبالقرب من الأسواق الشعبية في المخيم.

وأدى الاستهداف إلى استشهاد ثمانية مواطنين على الأقل، وتحول جثامين بعضهم إلى أشلاء، وإصابة نحو 20 آخرين بجروح بالغة، فيما امتدت الغارات إلى مناطق أخرى، ما أسفر عن سقوط بقية الشهداء والجرحى.

وشملت الاعتداءات الإسرائيلية قصفاً بطائرات مسيّرة استهدف محيط مدرسة تؤوي نازحين في بيت لاهيا شمال القطاع، وإطلاق نار من آليات الاحتلال جنوب غربي خان يونس، إلى جانب غارات متفرقة نالت الأطراف الشرقية لمدينة دير البلح، لترتفع حصيلة الضحايا إلى هذا العدد.

وتأتي هذه الغارات في إطار الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، في 17 يوليو/تموز 2026: إن الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من 25 فلسطينياً خلال 72 ساعة، في قصف استهدف أسواقاً وجنازات وتجمعات للمدنيين ومنازل.

جاء ذلك في بيان صدر عقب قصف إسرائيلي استهدف مشيّعين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وأسفر عن مقتل 8 فلسطينيين وإصابة 20 آخرين، بينهم نساء وأطفال ومسنون، ووصفت إصابات 10 منهم بالحرجة.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة: "نتابع ببالغ الخطورة التصعيد الإجرامي الممنهج الذي يمارسه جيش الاحتلال بحق المدنيين العزّل في قطاع غزة، في تحدٍ سافر لجميع الاتفاقات والمواثيق والأعراف والقوانين الدولية الإنسانية".

وأضاف أن "عمليات القتل وحرب الإبادة لا تزال مستمرة بوتيرة متصاعدة، وتُنفذ عبر سياسة استهداف الأسواق الشعبية، والجنازات، وتجمعات المواطنين السلميين، والشقق السكنية الآمنة فوق رؤوس ساكنيها".

ورأى المكتب الإعلامي الحكومي أن ذلك يمثل "تكريساً واضحاً لنهج الإرهاب الموجه ضد كل ما هو حي في قطاع غزة". مضيفاً: "الاحتلال الإسرائيلي يُمعن في الإبادة ويكثف القصف ضد المدنيين، وقد قتل أكثر من 25 شهيداً خلال 72 ساعة، في عدة مجازر وحشية ومروعة".

وقال المكتب الإعلامي: إن هذا التصعيد يأتي بعد مرور 280 يوماً على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. مستطرداً: "آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف للحظة واحدة".

وكشف المكتب الإعلامي أنه وثّق أكثر من 3 آلاف و750 خرقاً إسرائيلياً لاتفاق وقف إطلاق النار. مقدرا أن إسرائيل تتجاهل الاتفاقات والقرارات الأممية والدولية.

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقب التوصل إليه في مدينة شرم الشيخ بوساطة أميركية ومصرية وقطرية.

وتضمنت المرحلة الأولى من الاتفاق وقف القتال، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط متفق عليها، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، إلى جانب تشكيل آلية دولية لمتابعة تنفيذ الاتفاق.

إلا أن إسرائيل، وفق المكتب الإعلامي، لم تلتزم ببنود الاتفاق، ولا تزال تحتل أكثر من 70 بالمئة من مساحة القطاع، وتواصل عملياتها العسكرية التي تؤدي إلى سقوط ضحايا فلسطينيين.

وتساءل المكتب الإعلامي: "أين الوسطاء؟ وأين الجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار؟"، مقدرا أن "هذا الصمت المريب والتقاعس الدولي غير المبرر يشكلان غطاءً ضمنياً وضوءاً أخضر لإسرائيل لمواصلة هجماتها".

وأدان المكتب الإعلامي استمرار حرب الإبادة ضد المدنيين، لا سيما النساء والأطفال في قطاع غزة، وحمّل إسرائيل وكل من يدعمها "بالصمت أو السلاح" المسؤولية عن استمرارها.

وطالب الوسطاء والجهات الضامنة للاتفاق بـ"الخروج فوراً عن صمتهم، وإدانة هذا العدوان السافر وهذه الإبادة بشكل علني وواضح"، كما دعاهم إلى ممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، أسفرت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، حتى الخميس، عن مقتل 1127 فلسطينياً وإصابة 3643 آخرين.

ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل أكثر من 73 ألف فلسطيني، وأصابت ما يزيد على 173 ألفاً، إضافة إلى دمار واسع نال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.

ويُعد مخيم النصيرات أحد أكبر مخيمات قطاع غزة، وقد شهد على مر السنوات عمليات عسكرية متكررة أوقعت خسائر بشرية كبيرة، فيما يعاني سكانه من نقص حاد في الموارد الأساسية والرعاية الطبية، وسط حصار طويل الأمد ودمار واسع في البنية التحتية.

وكعادته، تذرع الاحتلال الإسرائيلي باستهداف "خلية تخريبية"؛ إذ ادعى جيش الاحتلال، في تصريح رسمي صدر عقب الهجوم، أنه استهدف بطائرة مسيرة "خلية إرهابية" تابعة لحركة الجهاد الإسلامي كانت تنشط في المنطقة.

وفي اعتراف ضمني بإمكانية وقوع إصابات بين المدنيين دون تحمل المسؤولية، قال المتحدث باسم الجيش: إنه "على علم بالادعاءات التي تفيد بإصابة عدد من الأشخاص غير المتورطين (المدنيين) جراء الضربة"، زاعماً أن "نتائج الضربة لا تزال قيد المراجعة والفحص".

وتعد هذه الذريعة من المبررات المتكررة التي يستخدمها الاحتلال للتنصل من المسؤولية عن استهداف الجنازات والتجمعات المدنية.

إدانات واستنكار

بدورها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مجزرة النصيرات، ووصفتها بأنها جريمة وحشية متجددة، وانتهاك ممنهج ومستمر لاتفاق وقف إطلاق النار.

وجددت الحركة مطالبتها الوسطاء الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، والأمم المتحدة، بالتحرك العاجل لوقف "مسلسل الإرهاب الصهيوني، وآلة القتل والحصار" المستمرة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.

وقالت: إن جيش الاحتلال "ارتكب مجزرة بشعة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بعدما قصفت طائراته تجمعاً للمواطنين أثناء تشييع أحد الشهداء، ما أسفر عن استشهاد 8 فلسطينيين على الأقل، وإصابة عشرات آخرين".

واستنكر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الصمت الدولي تجاه المجازر المتكررة التي تستهدف الأسواق والجنازات، مؤكداً توثيق آلاف الخروقات الإسرائيلية لاتفاق التهدئة.

في المقابل، حذرت وزارة الصحة في غزة من التداعيات الكارثية لاستهداف المدنيين، في ظل العجز الكامل للمنظومة الصحية المنهارة عن توفير العلاج اللازم للجرحى.

من جهتها، رأت حركة المجاهدين الفلسطينية أن المجزرة الجديدة تمثل إمعاناً متواصلاً في حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، واستغلالاً لحالة الصمت والعجز الدوليين، التي شجعته على التمادي في ارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر.

وقالت الحركة: إن الاستهداف المتعمد للمدنيين العزل يجسد النهج الإجرامي للاحتلال القائم على القتل الجماعي واستباحة الدم الفلسطيني، ويؤكد مضيه في استهداف المدنيين دون أي اكتراث بالقوانين الدولية أو القيم الإنسانية.

وحملت حركة المجاهدين الإدارة الأميركية والدول الداعمة لإسرائيل المسؤولية الكاملة عن استمرار هذه المجازر، نتيجة ما تقدمه من دعم سياسي وعسكري، وما توفره من حماية دبلوماسية تحول دون محاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم المتواصلة بحق الفلسطينيين.

وأضافت: "ندعو جماهير أمتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم إلى تفعيل جميع أشكال الضغط السياسي والقانوني والشعبي على الاحتلال وداعميه، والعمل الجاد من أجل وقف حرب الإبادة الجماعية والحصار الوحشي المفروض على قطاع غزة، ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم بحق شعبنا".

أزمات تتفاقم

وتأتي هذه المجزرة في سياق تدهور بيئي وصحي غير مسبوق يشهده قطاع غزة، وسط تحذيرات أطلقتها تقارير أممية وإسرائيلية من تفاقم الأوضاع الإنسانية.

وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، الجمعة، إن إسرائيل تواصل القتل بحق أطفال غزة بصفته "أمراً اعتيادياً"، مشيرة إلى أن عدد الأطفال الذين قتلوا في القطاع بلغ 274 طفلاً، بمعدل طفل واحد يومياً منذ وقف إطلاق النار، فيما تجاوز إجمالي عدد الأطفال الذين قتلوا منذ بداية حرب الإبادة عام 2023 حاجز 21 ألف طفل.

وأضافت الصحيفة أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال قتلوا جراء القصف الجوي، فيما قضى آخرون بنيران القناصة، أو بسبب انهيار المباني، أو الشظايا، كما توفي بعضهم متأثرين بجروح لم يتمكن النظام الصحي المنهار في غزة من علاجها.

وعلى الصعيد الإنساني، يعيش نحو 1.7 مليون نازح داخل الخيام من دون كهرباء أو مياه جارية، فيما يواجه 77 بالمئة من السكان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بالتزامن مع انتشار واسع للأوبئة وتزايد الإصابات بعضّات القوارض الناتجة عن تراكم النفايات والمياه العادمة.

وتشير بيانات أممية إلى أن أكثر من 18 ألف مريض في قطاع غزة يحتاجون بصورة عاجلة إلى الإجلاء الطبي لتلقي علاجات غير متوفرة داخل القطاع، في حين لا تزال عمليات الإجلاء محدودة ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات.

ويواجه القطاع الصحي أزمة غير مسبوقة، بعدما أدى التدمير الواسع للمرافق الصحية، ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، إلى تقليص قدرة المستشفيات على إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية التخصصية.

ووفق تقرير سابق لبرنامج الأغذية العالمي، فإن 1.6 مليون شخص في قطاع غزة يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو ما يمثل 77 بالمئة من إجمالي سكان القطاع، بينهم أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل ومرضع.

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، نص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً ضمن البروتوكول الإنساني، فإن إسرائيل لم تلتزم بذلك، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إذ لم تتجاوز الكميات التي دخلت القطاع 38 بالمئة من حجم المساعدات التي كانت تدخل قبل الحرب.

وفي الآونة الأخيرة، استقبلت مستشفيات قطاع غزة أعداداً متزايدة من المصابين بعضّات القوارض، في مؤشر خطير على تفاقم الأزمة البيئية الناتجة عن تراكم النفايات وانتشار المياه العادمة في أماكن إيواء النازحين، في ظل الحصار الإسرائيلي المشدد، بما ينذر بكارثة صحية تهدد آلاف السكان.

وحشية وإجرام

وعبر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن صدمتهم البالغة من وحشية القصف الإسرائيلي الذي استهدف مشيعين عزّلا أثناء أداء واجبهم الإنساني والديني في دفن شهيد في مخيم النصيرات، عادين استهداف مواكب التشييع يمثل ذروة السقوط الأخلاقي لجيش الاحتلال.

ووصفوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #مخيم_النصيرات، #مجزرة_النصيرات، #غزة_تنزف، #غزة، وغيرها، الحادث بأنه قمة الوحشية والإجرام؛ إذ تحول المشيعون أنفسهم إلى شهداء في لحظات، متداولين صورا ومقاطع فيديو توثق المجزرة.

ورأى ناشطون أن هذا الاستهداف دليل إضافي على الإبادة الجماعية المستمرة، حيث لا تسلم حتى جنازات الشهداء من الغارات، كما يعكس عدم احترام أدنى للطقوس الجنائزية والمقدسات الإنسانية وفقدان الاحتلال لأي قيم أخلاقية، مستنكرين استمرار الاستهداف الممنهج للمدنيين العزل.

خذلان العالم

وانتقد ناشطون بقوة الصمت المخزي والتواطؤ العالمي أمام المجزرة التي استهدفت مشيعين في جنازة شهيد بمخيم النصيرات، مقدرين أن استمرار القتل تحت سمع وبصر العالم وبموافقة أميركية يعكس خذلانًا كاملاً لأهل غزة. 

ووصفوا المجتمع الدولي بالعاجز والمنافق، الذي يقف متفرجًا أو متواطئًا مع الاحتلال، مما يجسد سقوط القيم الإنسانية واستمرار الإبادة دون رادع. 

وأعرب ناشطون عن غضبهم من "الخذلان الذي وصلت إليه الإنسانية"، ودعوا الله بالنصر على كل صامت ومتواطئ، مؤكدين أن الشعارات الفارغة والتطبيع والصفقات لا تخفي حقيقة التواطؤ الدولي الذي يسمح بتحويل الجنازات إلى مذابح.

صمت وخذلان

كما وجه ناشطون انتقادات حادة للأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة والأمة الساكتة عموماً، مستنكرين "الصمت" و"الخذلان" و"التواطؤ" الذي أصبح السمة السائدة تجاه ما تتعرض له غزة من إبادة مستمرة، وعبروا عن الغضب واليأس من "العار" الذي يلحق بالحكام والوسطاء والضامنين.

وحذروا من أن هذا الصمت يشجع الاحتلال ويخذل الشعب الفلسطيني، مع تكرار عبارات مثل "يا لعار هذه الأمة الساكتة"، "الله يأخذ المتخاذلين"، ودعوات لإسقاط الأنظمة أو اتهامها بالخيانة. 

التهدئة كذبة

وصب ناشطون جام غضبهم على الكيان الإسرائيلي المحتل، واتهموه بارتكاب جرائم حرب واستحضروا جرائم أخرى له، مشيرين إلى أن غزة لاتزال تباد حتى اللحظة.

وأكدوا أن التهدئة في القطاع والتذكير الدائم بها "كذبة" مستخدمين وسم #كذبوا_عليكم"، مستنكرين استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية.