الجيش يحتل الأرض وسموتريتش يرسم الخطوط.. ماذا ينتظر شمال غزة؟

بدأ التحضير المنظم للعودة إلى الاستيطان في غزة بعد أشهر قليلة من بدء العدوان الإسرائيلي
خلال سنتين ونصف السنة، قطعت فكرة إعادة الاستيطان الإسرائيلي في قطاع غزة مسارًا منظمًا بدأ بمؤتمرات اليمين وخرائط الحركات الاستيطانية، ووصل في يونيو/حزيران 2026 إلى إعلان عن تحرك رسمي.
ففي ذلك الشهر، كشف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن جهازًا يتبع وزارة الجيش أنهى التحضير لإقامة ثلاث مستوطنات شمال القطاع، وربط بدء التنفيذ بموافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وفي أغسطس/آب 2005، نفذت إسرائيل انسحاباً أحادياً من قطاع غزة ضمن خطة “فك الارتباط” التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق آرييل شارون؛ حيث أخلت 21 مستوطنة كانت تضم نحو 9 آلاف مستوطن، وسحبت قواتها العسكرية من داخل القطاع بعد 38 عاما من الاحتلال الذي بدأ عام 1967.

خطوات متسارعة
على الرغم من عدم وجود قرار حكومي معلن نحو بدء التنفيذ الفعلي، فإن الجديد في المشروع يرتبط بتوقيت طرحه؛ إذ يسيطر الاحتلال فعليًا على أكثر من 60 بالمئة من مساحة قطاع غزة، بعد توسيع المناطق العسكرية والمقيدة وراء ما يعرف بالخط الأصفر.
وأصدر نتنياهو في 28 مايو/أيار 2026 توجيهًا للجيش للوصول إلى السيطرة على ما نسبته 70 بالمئة من مساحة القطاع في واقع يمنح اليمين الاستيطاني أرضًا خاضعة للقوة العسكرية يمكن تحويلها، عند صدور القرار السياسي، من مناطق عازلة ومحاور سيطرة إلى بؤر استيطانية.
وبدأ التحضير المنظم للعودة إلى الاستيطان في غزة بعد أشهر قليلة من بدء العدوان الإسرائيلي على المنطقة المحاصرة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ففي 30 يناير/كانون الثاني 2024 نشر موقع يديعوت أحرونوت، تحقيقًا شرح فيه خطة تعمل عليها حركة نحالا الاستيطانية الإسرائيلية تقود من خلالها حملات لإقامة بؤر ومستعمرات جديدة.
اعتمدت الخطة على بناء لوبي داخل الكنيست (البرلمان)، وكسب وزراء ونواب، والعمل مع جهات أميركية مؤيدة للاستيطان، وتجهيز عائلات تستطيع اقتحام غزة خلال ساعات عند توفر ما وصفته الحركة بـ"لحظة الفرصة".
كان الهدف في تلك المرحلة نقل الفكرة إلى المجال السياسي والاجتماعي الإسرائيلي. وقد نظمت نحالا لقاءات لمستوطني بلدات جنوب الأراضي المحتلة، وأعدت مجموعات عائلية استيطانية ومعدات وخططًا للتحرك نحو القطاع.
وشرح التحقيق أن البداية الميدانية قد تأخذ شكل رفع أعلام أو دخول للصلاة أو مزرعة زراعية، أو إقامة مجموعة صغيرة قرب السياج الحدودي، ثم تتوسع تدريجيًا وفق النموذج الذي استخدمه المستوطنون في الضفة الغربية لإقامة البؤر وفرض الاعتراف الحكومي بها لاحقًا.
في أواخر 2024، ظهر المشروع بصورة أكثر تحديدًا خلال جولة حملت اسم “التطلع نحو غزة” ونظمها اللوبي البرلماني لتجديد الاستيطان في القطاع. وعرض المشاركون خريطة تتضمن ست نوى استيطانية تمتد من الشمال إلى الجنوب، وقالت حركة نحالا: إن نحو ألف عائلة جاهزة للانتقال.
تضمنت الأهداف المعلنة تعديل قانون فك الارتباط، وتمكين الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في جميع أنحاء غزة، وضم أجزاء من شمال القطاع إلى بلدية سديروت، وتشجيع ما يسميه اليمين الإسرائيلي “الهجرة الطوعية" للفلسطينيين.
دخل الخطاب الحكومي مرحلة جديدة في ديسمبر/كانون الأول 2025 عندما أعلن وزير الجيش يسرائيل كاتس إقامة “نوى ناحال” في شمال غزة مكان المستوطنات التي أخليت عام 2005.
وبعد ساعات من التصريح، أصدر كاتس توضيحًا باللغة الإنجليزية قال فيه: إن النوى ستعمل لأغراض أمنية وإن الحكومة لا تعتزم إقامة مستوطنات في القطاع.
جاء التراجع بعد تدخل مباشر من الولايات المتحدة، فقد نقلت هيئة البث العام الإسرائيلية "كان" عن مسؤول أميركي يعمل في المقر العسكري الأميركي في كريات غات قوله: إن واشنطن "لم تفهم من أين جاء التصريح"، وإنها طلبت توضيحات لكونه يتعارض مع خطتها الخاصة بمستقبل غزة.
وانتقلت الحركات الاستيطانية إلى خطوات استعراضية داخل غزة، ففي 20 فبراير/شباط 2026، اقتحم عشرات الإسرائيليين من حركة نحالا الحدود، وشارك بينهم أطفال ونائبة رئيس الكنيست ليمور سون هار ملك من حزب القوة اليهودية قبل أن يعيدهم الجيش إلى الداخل.

تحولات بارزة
جاء التحول الأبرز في 29 يونيو 2026، خلال لقاء بين رئيس بلدية سديروت ألون دافيدي، وسموتريتش، أعلن فيه الأخير أن إدارة الاستيطان في وزارة الجيش، وهي جهاز إداري يعمل تحت صلاحياته ويتركز نشاطه الأصلي بملف الاستيطان بالضفة، أنهت "عمل الطاقم" المتعلق بإقامة 3 مستوطنات شمال غزة.
ربط سموتريتش المشروع بالسيطرة الكاملة على غزة، وقال إن الجيش يمسك بما يقارب 70 بالمئة من القطاع، ودعا إلى استكمال احتلال المساحة المتبقية وإقامة “حزام من البلدات اليهودية يوفر الأمن لسديروت وبلدات الغلاف”.
واستخدم عبارته المتكررة "حيث لا يوجد استيطان لا يوجد أمن"، وهي صيغة تجعل المستوطنات جزءًا من تصور أمني وسياسي يسعى إلى تثبيت السيطرة على الأرض ومنع أي انسحاب إسرائيلي مستقبلي.
بعدها بيومين، وفي رد على سؤال خلال مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية، أبقى نتنياهو الباب مفتوحاً أمام احتمال إعادة الاستيطان في قطاع غزة.
وعن إمكانية إعادة الاستيطان في غزة، أجاب نتنياهو قائلا: “السؤال هو: هل تفضل العمل أم الكلام؟ نعم، أفضل عدم التعليق”.
وقالت القناة: إن نتنياهو كان قد استبعد في السابق إعادة إقامة مستوطنات في قطاع غزة، لكنه هذه المرة امتنع عن نفي ذلك، مكتفياً بعدم التعليق.
وفي أول ردود الفعل، دعا عضو الكنيست عن حزب “الصهيونية الدينية” اليميني المتطرف تسفي سوكوت الحكومة إلى المضي في إعادة الاستيطان في القطاع.
وقال في بيان: إن سموتريتش “قاد عملياً إنشاء أكبر عدد من المستوطنات خلال الخمسين عاماً الماضية”، معرباً عن ثقته بأن إقامة مستوطنات في شمال قطاع غزة “ستتحقق على أرض الواقع”.
وأضاف سوكوت أن حزبه سيواصل العمل من أجل “تعزيز العودة والاستيطان”، داعياً نتنياهو إلى “تصحيح” ما وصفه بـ“الظلم التاريخي” الناتج عن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005.
من جهته، أيد عضو الكنيست عن حزب “الليكود” أفيخاي بوآرون تصريحات نتنياهو، مقدرا أن “الاستيطان يحقق الأمن”، وفق ما نقلته القناة.
في السياق ذاته، قالت وزيرة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية جيلا غمليئيل: إنها قدمت للحكومة خطة بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة بدعم من جهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”.
وتوعدت بتوسيع رقعة السيطرة في القطاع المحاصر، مضيفة: “يمكن أن تصبح غزة في المستقبل فرصة جيدة للاستيطان، بمجرد أن تتم الهجرة الطوعية”.

إمكانيات التنفيذ
وضع سموتريتش المسؤولية مباشرة أمام نتنياهو. وقال: إن كل ما تحتاج إليه إدارة الاستيطان هو الموافقة السياسية، بينما أوضحت صحيفة “إسرائيل هيوم” نهاية يونيو أن الحصول على موافقة رئيس الوزراء يبدو بعيدًا في ظل الخطة التي تدفع بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمستقبل غزة.
واختارت الصحيفة عنوانًا يتساءل عما إذا كان إعلان سموتريتش “وعدًا انتخابيًا”، في إشارة إلى احتمال استخدام المشروع لحشد جمهور اليمين خلال انتخابات الكنيست المرتقبة في أكتوبر 2026.
وقالت: إن مصادقة نتنياهو على خطة سموتريتش خطوة مستبعدة في ظل مشروع ترامب الذي يقوم على نقل الإدارة إلى جهة فلسطينية مدنية ونشر ترتيبات أمنية دولية والانتقال في مرحلة لاحقة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية.
وفي 6 يوليو/تموز 2026، رحب مجلس السلام، الهيئة التي عينها ترامب لمتابعة خطته الخاصة بغزة، بإعلان حركة المقاومة الإسلامية حماس حل هيئة الإشراف الحكومية واستعدادها لنقل الإدارة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة فلسطينية من التكنوقراط يرأسها علي شعث.
وتظل الخطة متعثرة بفعل الخلاف حول سلاح المقاومة والانسحاب الإسرائيلي، لكنها تقدم تصورًا أميركيًا يتعارض مع إقامة مستوطنات إسرائيلية دائمة داخل القطاع.
تكمن المفارقة في مطالبة حكومة الاحتلال بتطبيق الخطة الأميركية في شقّ نزع السلاح، بينما يعلن نتنياهو تمسكه بالمناطق التي يحتلها الجيش ويواصل سموتريتش إعداد مشروع استيطاني يناقض بند الانسحاب الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.
وتمنح هذه التناقضات نتنياهو قدرة على استخدام المشروع في علاقته مع أحزاب اليمين، مع إبقائه دون قرار رسمي يحمله مسؤولية مواجهة الإدارة الأميركية.
أما الجيش، فيشير سلوكه العلني إلى استمرار مهمته ضمن إطار الاحتلال والسيطرة؛ إذ إن الطرق والمناطق العازلة وتجريف المباني ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات واسعة تشكل بنية عسكرية يمكن للحكومة توظيفها لاحقًا إذا صدر القرار السياسي.
وفي حال تنفيذ مثل هذه الخطة، فستصبح عودة الفلسطينيين المهجرين من الشمال، مرتبطة بحدود هذا الحزام الاستعماري وبالطرق الاستيطانية والمناطق التي يخصصها الاحتلال للمستوطنات.
ومن شأن هذه الخطوة أن تحول الاستيلاء العسكري المؤقت ظاهريًا إلى واقع يصعب تفكيكه، وإخراج مناطق واسعة من خطط إعادة الإعمار، وفرض تجمعات سكانية فلسطينية مكتظة في نطاق أضيق.
وتوضح التجربة الاستيطانية في الضفة أن كل مستوطنة تولد حولها شبكة من الحماية والحواجز والطرق المحظورة ومناطق التوسع، ما يعني أن مساحة المشروع الفعلية ستتجاوز حدود المستوطنات الثلاث المقترحة.
ويرتبط هذا المسار بالتهجير بصورة مباشرة، فاليمين الذي يدفع نحو الاستيطان يضع في برامجه تشجيع خروج الفلسطينيين، وقد طرح المشاركون في جولة “التطلع نحو غزة” هذا الهدف إلى جانب تعديل قانون فك الارتباط ومنع تسليم القطاع لأي جهة فلسطينية أو دولية.
المصادر
- סמוטריץ': "ערוכים להקים שלושה יישובים בצפון רצועת עזה"
- הבטחת בחירות של סמוטריץ'? "נקים שלושה יישובים בעזה"
- Smotrich says plans drawn up to establish 3 Israeli settlements in Gaza
- "לא הבנו מאיפה זה הגיע": ההצהרה של כ"ץ שעוררה את זעם האמריקנים - וההתקפלות
- Israeli troops kill Palestinians for crossing a vague ceasefire line that’s sometimes unmarked
- סגנית יו"ר הכנסת חצתה את הגבול לעזה בלי אישור, צה"ל גינה: "מסכן את ביטחון האזרחים והכוחות"
















