التوازنات السياسية.. هل تؤسس زيارة إبراهيم قالن لمرحلة جديدة مع العراق؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تعكس زيارة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى العراق توجه أنقرة لتوسيع حضورها في البلاد، عبر مقاربة تجمع بين الأمن والطاقة والاقتصاد والدبلوماسية، في ظل تحولات إقليمية متسارعة.

ونشرت وكالة "الأناضول" التركية مقالا للكاتب بِيلجاي دومان، تحدّث فيه عن الزيارة المهمة التي قام بها قالن مطلع يوليو/ تموز 2026 مع وفد رسمي إلى العراق لمدة يومين، وذلك في وقت تنشغل فيه تركيا بالاستعداد لعقد اجتماع حلف الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو.

وأوضح دومان أن "آخر زيارة لقالن إلى العراق كانت قبل عام تقريبا؛ حيث كانت التغطيات الإعلامية كلها تتمحور حول ملف عملية (تركيا بلا إرهاب)". 

واستدرك: “لكن الزيارة الحالية تختلف عن الزيارة السابقة؛ لأن الظروف الإقليمية تغيرت، خاصة بعد التوترات الناتجة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها العراق”.

وخلال وجود قالن في العراق، كان هناك أيضا وفد من رجال الأعمال الأتراك ينظم لقاءات اقتصادية مهمة، بتنظيم من مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي ومجلس الأعمال التركي العراقي. 

بالإضافة إلى ذلك، فقد شملت هذه اللقاءات مسؤولين عراقيين بارزين، من بينهم رئيس الوزراء، ووزراء الصناعة والتجارة، ورئيس اتحاد غرف التجارة.

في الوقت نفسه، استقبل وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار في أنقرة وفدا عراقيا، ضم مسؤولين من وزارة الخارجية والنفط مع السفير العراقي لدى تركيا.

ولفت الكاتب النظر إلى أن كل هذه التحركات تظهر أن تركيا لا تنظر إلى علاقتها مع العراق من زاوية الأمن ومحاربة الإرهاب فقط، بل تتعامل معها بصفتها علاقة تشمل عدة ملفات مترابطة مثل الأمن، والطاقة، والتجارة، والاستثمار، والاستقرار السياسي. 

كما تؤكد رغبة أنقرة في تطوير العلاقات مع بغداد والحفاظ على التقدم الذي تحقق بين البلدين.

إجراءات عملية

وقال دومان: إن التوقعات حول الخطوات السياسية والقانونية المتعلقة بعملية "تركيا بلا إرهاب" تتزايد عند الجانب التركي أكثر منه في الجانب العراقي؛ حيث صرح فيدان في فبراير/ شباط 2026 بأنه بعد الانتهاء من الملف السوري يأتي الملف العراقي. 

وأضاف “لكن لا توجد بعد دلائل واضحة على أن حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) الموجود أساسا داخل الأراضي العراقية مستعد لتسليم سلاحه، فالحزب لا يزال منتشرا في عدة مناطق عراقية مثل سنجار، قنديل، مخمور، ومحيط السليمانية”.

وتابع: “لهذا السبب لا يمكن عدّ لقاء قالن مع مستشار الأمن القومي العراقي باسم البدري مجرد لقاء أمني عادي؛ لأن هذا اللقاء مهم لتحديد الجهات العراقية المسؤولة عن هذا الملف، وتقوية التعاون بين المؤسسات الأمنية، ودفع بغداد لتحمل دور أكبر في هذه العملية”.

كما لفت الانتباه لقاء قالن مع رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان، وذلك لأن الخطوات القادمة قد تشمل ملفات قانونية مهمة مثل ملاحقة المطلوبين، وتبادل الأدلة، وتسليم الفارين، وقطع مصادر تمويل ودعم حزب العمال الكردستاني.

بالإضافة إلى ذلك، تم التطرق أيضا إلى ملف العراقيين المطلوبين بقضايا فساد والموجودين خارج العراق.

وأشار الكاتب إلى أن تركيا ترى أن استقرار العراق لا يعتمد فقط على الأمن، بل يحتاج أيضا إلى وجود قانون قوي ومؤسسات دولة فعالة.

في هذا الإطار، فإن استقبال الرئيس العراقي نزار أحمدي لقالن يدل على أن العراق أعطى هذه الزيارة أهمية كبيرة وعلى مستوى رفيع، فهذا الاستقبال يرفع الموضوع من كونه مجرد تعاون استخباراتي إلى مستوى سياسي أوسع.

لكن، ورغم تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بقيادة علي زيدي بعد انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، إلا أن هناك مشكلات داخلية ما تزال تؤثر على قدرة الحكومة، مثل وجود وزارات شاغرة، والانقسامات بين القوى الشيعية، والتنافس بين الأحزاب السنية، والخلافات بين الأحزاب الكردية، إضافة إلى المشاكل المستمرة بين بغداد وأربيل.

وعلق الكاتب بأن تركيا تراقب هذه التطورات باهتمام؛ لأن ضعف الدولة العراقية يعطي مساحة أكبر لحركة الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنها حزب العمال الكردستاني. 

لهذا فإن لقاءات قالن قد تساعد في معرفة مدى قدرة العراق على لعب دور حقيقي في تنفيذ عملية "تركيا بلا إرهاب"، فأنقرة لا تريد فقط تصريحات سياسية، بل إجراءات عملية ومؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات على الأرض.

مناطق حساسة

ويرى دومان أنه “من اللافت أن الزيارة لم تقتصر على بغداد، بل امتدت إلى أربيل والسليمانية، وهو ما يعكس إدراك تركيا أن الملف العراقي لا يمكن التعامل معه عبر الحكومة المركزية فقط”. 

وأوضح أنه “في أربيل التقى قالن بزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني؛ حيث ناقش الجانبان ضرورة تعزيز التنسيق الثلاثي بين تركيا وبغداد وحكومة إقليم كردستان”.

وتهدف تركيا بذلك خلق حالة تعاون متزامن بين بغداد وأربيل؛ لأن أنقرة تدرك أن ملف حزب العمال الكردستاني يرتبط بصورة مباشرة بالبنية السياسية والجغرافية والأمنية في إقليم كردستان العراق.

ونبَّه دومان إلى أن “الأكثر إثارة للاهتمام هو انتقال قالن إلى السليمانية، وَلقاؤه بقيادات الاتحاد الوطني الكردستاني، على رأسهم بافل طالباني. حيث يحمل اللقاء دلالات مهمة؛ لأن العلاقات التركية مع السليمانية شهدت توترا طويلا خلال السنوات الماضية”. 

ويبدو أن أنقرة بدأت محاولة إعادة بناء هذه العلاقة، خصوصا أن مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني تمثل مناطق حساسة في ملف نزع سلاح "بي كا كا".

كما أن هذه اللقاءات تشير إلى أن تركيا قد تحاول لعب دور سياسي أوسع داخل إقليم كردستان نفسه، خاصة في ظل استمرار الخلافات الداخلية بين القوى الكردية، وعدم نجاحها حتى الآن في تشكيل حكومة مستقرة داخل الإقليم.

وأشار الكاتب التركي إلى أن “محطة كركوك حملت أهمية إستراتيجية خاصة؛ إذ تعد هذه الزيارة الأولى لرئيس جهاز الاستخبارات التركي إلى المدينة”. 

وتدرك تركيا أن كركوك ليست مجرد مدينة ذات رمزية قومية بسبب الوجود التركماني فحسب، بل هي عقدة جيوسياسية معقدة تتقاطع فيها ملفات الطاقة، والمناطق المتنازع عليها، والتنافس الكردي الداخلي، والعلاقة المتوترة بين بغداد وأربيل.

وقال دومان: إن “أنقرة تنظر إلى كركوك بصفتها نقطة أساسية في مستقبل العراق، وبالتالي فإن متابعة تطوراتها أصبحت جزءا من حسابات الأمن القومي التركي”.

في السياق ذاته، أجرى قالن لقاءات مع شخصيات سنية عراقية بارزة مثل محمد الحلبوسي، وذلك في إشارة إلى أن تركيا تتابع أيضا إعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل المكون السني العراقي، ولا تكتفي فقط بالتعامل مع الحكومة المركزية أو القوى الكردية.

متعددة المسارات

وعلق الكاتب أنه من الخطأ النظر إلى اللقاءات الأمنية التي أجراها قالن، ومباحثات الطاقة التي أجراها وزير الطاقة التركي، واللقاءات الاقتصادية التي عقدها رجال الأعمال الأتراك، على أنها أحداث منفصلة، فهي في الحقيقة كلها جزء من سياسة تركية شاملة ومتعددة المسارات تجاه العراق.

وأكد أن “تركيا تسعى لأن يكون وجودها في العراق أكبر من مجرد تعاون أمني أو مشاريع طاقة، فهي تعمل على بناء علاقات طويلة المدى تشمل الاقتصاد، والإنتاج، والتجارة، والاستثمار”.

وأشار دومان إلى أن هذه التطورات “تعكس تغيرا في طريقة تعامل القوى الدولية مع المنطقة، فالولايات المتحدة بدأت تقلل تركيزها العسكري في العراق، وَتتجه أكثر نحو الاقتصاد والاستثمار”.

كما أن تعيين السفير الأميركي في أنقرة توم باراك ممثلا خاصا للعراق، يشير إلى أن واشنطن تنظر إلى العلاقة بين العراق وسوريا وتركيا على أنها جزء من معادلة إقليمية أوسع. 

ورأى دومان أن إعلان رئيس الوزراء زيدي أنه سيزور تركيا بعد زيارته للولايات المتحدة يؤكد هذا الاتجاه.

وختم مقاله قائلا: إن "اللقاءات التي أجراها قالن في بغداد وأربيل وكركوك تمثل الجزء الأمني الأساسي في السياسة التركية تجاه العراق، ومما لا شك فيه، فإن الملف الأكثر أهمية في هذه الزيارة هو مكافحة الإرهاب مع الجانب العراقي من عملية (تركيا بلا إرهاب)".

واستدرك: "لكن تركيا تنظر إلى هذا الملف بشكل أوسع، فهي ترى أن النجاح فيه مرتبط بعدة عوامل، منها الاستقرار السياسي داخل العراق، وقدرة الحكومة الجديدة على تنفيذ الإصلاحات الأمنية، مع التنسيق بين بغداد وأربيل، ووضع كركوك، وملفات الطاقة، والتكامل الاقتصادي بين البلدين".

وخلص دومان إلى أنه "عند النظر إلى الصورة الكاملة، يبدو بشكل واضح أن العراق سيبقى واحدا من أهم الملفات في السياسة الخارجية التركية خلال الفترة القادمة”.