إقالة رئيس جهاز المخابرات في طرابلس.. كيف تؤثر على فصائل الشرق والغرب؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أحاديث وتكهنات تثار بشأن تبعات إقالة رئيس جهاز المخابرات العامة الليبي في طرابلس، حسين محمد العائب. 

وذكرت صحيفة “الإندبندنت” بنسختها التركية في مقال للكاتب التركي "جُوكتوغ تشَالشكان"، أنه لم تكن الإقالة مجرد تغيير إداري عادي، بل خطوة كشفت حجم التوتر السياسي والأمني داخل ليبيا، وفتحت باب صراع أوسع على مراكز القوة في الدولة.

فبعد قرار مجلس الرئاسة إقالة العائب وتعيين عبدالمجيد مليقطه بدلاً منه، ظهرت سريعاً خلافات داخلية في المجلس، واعتراضات من مجلس النواب، وتبدلت التحالفات السياسية والأمنية على الأرض. وهذا يشير إلى أن أي تغيير في جهاز أمني حساس يمكن أن يهز التوازن السياسي الهش في البلاد.

وأشار الكاتب إلى أن الأزمة ليست في الشخص المُقال بحد ذاته، بل في مكانة جهاز المخابرات داخل الدولة الليبية. فَالصراع في ليبيا لم يعد فقط بين حكومتين أو معسكرين سياسيين، بل أصبح حول “مفاصل الدولة الأساسية”.

مثل جهاز المخابرات، والجيش، والبنك المركزي، وقطاع النفط، وأمن الحدود. فقد أصبحت هذه المؤسسات ساحة تنافس بين طرابلس وبنغازي، وليس مجرد أجهزة إدارية.

ويرى الكاتب أن جهاز المخابرات في طرابلس مرتبط بشكل معقد مع مجموعات مسلحة محلية. لذلك فإن أي تغيير داخل الجهاز قد يُفهم من قبل المليشيات كتهديد لمواقعها، وهو ما قد يؤدي إلى توتر ميداني أو تحركات مسلحة. 

وقد سبق أن أدى تغيير إداري داخل الجهاز في منطقة شرق طرابلس إلى استنفار مئات المسلحين، الأمر الذي يؤكد هشاشة الوضع الأمني.

صراع على تعريف الدولة

إنّ الصراع في ليبيا يتجاوز حدود الجغرافيا بين الشرق والغرب، فهو يتمحور حول سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الدولة الليبية وإدارتها فعلياً؟

إنّ السلطة في طرابلس تستند إلى الشرعية الدولية والمؤسسات الرسمية؛ مثل المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط. أما في الشرق، فيستند النفوذ إلى قوة عسكرية ميدانية، ممثلة في الجيش الوطني وشبكات الأمن المحلية.

وداخل هذا التوازن، يصبح جهاز الاستخبارات محوريّاً وأساسياً؛ لأنه يربط بين القرار السياسي والمعلومة الأمنية والسيطرة على الأرض، بالتالي فإن الصراع عليه يعكس صراعاً أوسع على شكل الدولة نفسها.

ولا يمكن فصل ذلك عن الانقسام الاقتصادي؛ إذ تُدار العائدات النفطية من الغرب، بينما تقع معظم الحقول والموانئ الحيوية تحت نفوذ الشرق، وهو ما يخلق حالة “مركز ماليّ في الغرب وميدان إنتاجي في الشرق”.

هذا التشابك يجعل من الاستخبارات أداة غير مباشرة لضبط المعادلة، وذلك عبر مراقبة الشبكات المسلحة والأنشطة غير الرسمية وحماية البنية الاقتصادية، في ظل غياب سلطة موحدة كاملة على الأرض.

وأضاف الكاتب بأنّه في الحالة الليبية لم تعد الدولة تُفهم عبر الحكومة أو البرلمان فقط، بل من خلال شبكة أوسع تشمل جهاز المخابرات، والجيش، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمصرف المركزي، والمعابر الحدودية، إضافة إلى المجموعات المسلحة التي تفرض سيطرتها الفعلية على الأرض. 

وهذا الانقسام أنتج معادلة معقدة، تقوم على وجود سلطة سياسية معترف بها دولياً في طرابلس، مقابل نفوذ عسكري وأمني متصاعد في الشرق، مع انقسام واضح في إدارة الموارد والإيرادات بين الطرفين بشكل غير متوازن. 

ضمن هذا السياق، يصبح جهاز الاستخبارات هو المؤسسة الأكثر حساسية؛ لأنه يشكل نقطة وصل بين القرار السياسي والمعلومة الأمنية وشبكات الولاء الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل أي تغيير في قيادته ليس مجرد إجراء إداري، بل إعادة توزيع غير معلنة لموازين القوى داخل الدولة. 

وتابع الكاتب بأنّ الصراع بين طرابلس وبنغازي قد انتقل من مستوى التنافس السياسي على الحكومة والانتخابات إلى مستوى أعمق، يمس "البنية الصلبة" للدولة،  كَالأجهزة الأمنية وإدارة الموارد والعلاقات الخارجية.

حيث تحاول طرابلس الحفاظ على شرعيتها الدولية كمركز سياسي، رغم اعتمادها على تحالفات مع مجموعات مسلحة محلية. بينما يعمل الشرق على تعزيز مؤسساته العسكرية والأمنية وتوسيع حضوره السياسي والدبلوماسي. 

بهذا يصبح الصراع حول جهاز المخابرات جزءاً من معركة أوسع، تحدّد من يملك حق تمثيل الدولة الليبية ومن يرسم شكلها وأولوياتها.

البعد الإقليمي

إنّ أحد العوامل الأساسية، والتي نقلت الأزمة الليبية إلى مستوى إقليمي، هو تصاعد الحضور المتزامن لكل من تركيا ومصر وإيطاليا داخل المشهد الليبي، وهو ما يعكس تحول التنافس على ليبيا من إطار داخلي إلى ساحة تقاطع مصالح إقليمية مرتبطة بتوازنات شرق المتوسط.

وخلال الأسابيع الأخيرة تكثفت الزيارات والاتصالات الدبلوماسية والاستخباراتية، وهو ما يؤكد أن الصراع على المؤسسات الأمنية الليبية لم يعد محلياً، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية.

فنجد أنّ تركيا التي رسخت وجودها في ليبيا منذ 2019 عبر اتفاقات أمنية وبحرية وعسكرية مع طرابلس، باتت تتعامل مع الملف الليبي بصفتها جزءاً من إستراتيجيتها في شرق المتوسط. 

لكنّها في الوقت نفسه وسّعت قنوات تواصلها لتشمل بنغازي وقيادات في الشرق مثل صدام حفتر، وذلك في إطار مقاربة مزدوجة، تهدف إلى إدارة النفوذ مع الطرفين بدل الاقتصار على محور واحد.

في المقابل، تتحرك مصر من موقع أكثر توازناً مقارنة بالسنوات السابقة؛ إذ لا تزال تحتفظ بعلاقاتها التقليدية مع الشرق الليبي، لكنها في ذات الوقت وسّعت اتصالاتها مع طرابلس. 

حيث انعكس ذلك في زيارة رئيس جهاز المخابرات المصري إلى العاصمة للمرة الأولى منذ 2021. وهو ما يشير إلى انتقال نحو سياسة أكثر مرونة في إدارة الملف الليبي.

أما إيطاليا، فتركز على ملفات الهجرة والطاقة وأمن المتوسط، وتعمل على الحفاظ على توازن علاقاتها مع جميع الأطراف لضمان استقرار مصالحها الحيوية في الجنوب.

إنّ هذا التداخل بين الأدوار التركية والمصرية والإيطالية يجعل الأزمة الليبية مرتبطة مباشرة بتوازنات شرق المتوسط، ويؤكد أن أي تطور في الداخل الليبي، خصوصاً داخل المؤسسات الأمنية، هو جزء من إعادة تشكيل أوسع لمعادلات الإقليم.

صعود الشرق

ولا شك أن أكثر ما برز في المشهد الليبي في الفترة الأخيرة هو صعود دور صدام حفتر الذي بات أكثر حضوراً في اللقاءات العسكرية والدبلوماسية، بما في ذلك اتصالات مع أطراف دولية مؤثرة. 

هذا التطور يشير إلى أن الشرق الليبي لم يعد مجرد قوة عسكرية محلية، بل بات طرفاً تفاوضياً في معادلات إقليمية ودولية. 

وإنّ هذا التحول يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة؛ تتعلق بتوحيد المؤسسات أو إعادة توزيع السلطة بينها، لكنه في الوقت نفسه قد يرسخ الانقسام إذا لم يُبنَ على قاعدة سياسية متوازنة.

وأضاف: إنّ ما يجري في ليبيا لا يمكن اختزاله بصفته تغييراً داخل منصب أمني، بل هو في جوهره صراع أعمق على مركز الثقل داخل الدولة نفسها؛ أي على من يمتلك السيطرة على جهاز الاستخبارات، ومن يحدد المدن التي تشكل مركز القرار، وتلك التي تبقى في هامش السلطة، وكذلك على طريقة تفاعل القوى الخارجية مع هذا التوازن الهش.

فالتصعيد المستمر بين طرابلس وبنغازي، بالتوازي مع صعود دور حفتر، وتزايد انخراط تركيا ومصر وإيطاليا في المشهد، يعيد ليبيا بقوة إلى قلب معادلات أمن شرق المتوسط.

في هذا السياق، لم تعد المعركة الحقيقية تدور حول مواقع الحكومة أو المناصب السياسية التقليدية، بل انتقلت إلى عمق الدولة؛ وهي أجهزة الاستخبارات والأمن بوصفها أدوات التحكم الفعلية في النفوذ والقرار.

عليه، فإن مآلات هذا الصراع لن تحدد فقط مستقبل الدولة الليبية، بل قد تمتد آثارها إلى إعادة رسم جزء من التوازنات السياسية والأمنية في منطقة المتوسط بأكملها.