صحيفة ألمانية: خطة نزع سلاح حماس "محكوم عليها بالفشل"

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

الضغوط التي تمارسها إسرائيل وحلفاؤها من أجل نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تصطدم بواقع ميداني وسياسي يجعل هذا الهدف بعيد المنال. 

وأكد موقع "تيليبوليس" الألماني  أن "التجارب السابقة تظهر أن الخطة المطروحة تفتقر إلى مقومات النجاح".

وسيط متحيز

في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وبعد وقت قصير من توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطابا أمام حشد من رؤساء الدول والحكومات في مدينة شرم الشيخ بمصر مصرحا: "أخيرا، أصبح لدينا سلام في الشرق الأوسط".

ومع أن الموقع يرى أن "هذا التصريح ربما كان مبالغا فيه" إلا أنه يعتقد أن "الظروف آنذاك كانت تبرر قدرا من التفاؤل، بعدما نجحت الولايات المتحدة في التوسط لاتفاق يقضي بالإفراج عن أسرى فلسطينيين وإعادة الرهائن الإسرائيليين ووقف أعمال القتل الواسعة في قطاع غزة".

وتابع: "تضمنت المرحلة الأولى من الاتفاق أيضا السماح الكامل بدخول المساعدات الإنسانية وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما عُرف بـ(الخط الأصفر) المتفق عليه، على أن يتولى مجلس السلام، وهو هيئة دولية تقودها الولايات المتحدة، الإشراف على تنفيذ الاتفاق".

واستدرك: "غير أن إسرائيل لم تنفذ التزاماتها في المرحلة الأولى بشكل كامل؛ إذ واصلت عملياتها العسكرية وفرضت قيودا على تدفق المساعدات إلى غزة".

وأردف: "ورغم ذلك، أعلنت الولايات المتحدة في 16 يناير/ كانون الثاني 2026 بدء المرحلة الثانية من الاتفاق".

وبحسبه، "كان من المفترض أن تشمل المرحلة الثانية نزع سلاح حماس، وانسحابا إسرائيليا إضافيا، ووصول قوة دولية لتحقيق الاستقرار، إلى جانب تشكيل إدارة انتقالية للقطاع".

لكن بعد أكثر من أربعة أشهر، أكد الموقع أن “أيا من هذه الخطوات لم يتحقق”.

ولفت إلى أن "رئيس مجلس السلام نيكولاي ملادينوف قدم في مارس/ آذار 2026 خطة من خمس مراحل لنزع سلاح حماس خلال ثمانية أشهر، إلا أن الحركة رفضتها معللة ذلك باستمرار انتهاكات وقف إطلاق النار وعدم تنفيذ انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع".

وأضاف أن "إسرائيل والولايات المتحدة وجزءا كبيرا من المجتمع الدولي استغلوا هذا الرفض لتصوير حماس بصفتها العقبة الوحيدة أمام السلام، ولتحميلها مسؤولية تعثر المرحلة الثانية من الاتفاق".

إلا أن الموقع قدر أن "هذه الرواية، رغم سهولتها السياسية، تتجاهل دروسا مهمة من تجارب السلام السابقة، وتغفل عددا من العناصر الأساسية اللازمة لتحقيق تسوية دائمة".

عامل حاسم

وفي هذا السياق، شدد التقرير على أن "وجود وسيط محايد يمثل أحد أهم شروط نجاح أي عملية سلام". 

ونقل عن الباحث في جامعة كارديف، توماس ليهي، قوله: إن "الوساطة المحايدة كانت عاملا حاسما منذ المراحل الأولى في إنجاح المفاوضات وضمان عدالتها".

واستشهد الكاتب بتجربة إيرلندا الشمالية، موضحا أن "غياب الوساطة المناسبة بعد اتفاق وقف إطلاق النار عام 1994 بين الجيش الجمهوري الإيرلندي والحكومة البريطانية أدى إلى جمود استمر عامين كاملين". 

واستطرد: "بادرت الحكومة الإيرلندية حينها إلى إشراك طرف ثالث بعدما تعثرت المحادثات".

وأشار الكاتب إلى أن "هذا الطرف الثالث تمثل في السيناتور الأميركي جورج ميتشل، الذي ترأس المفاوضات وأرسى قبل انطلاقها رسميا عام 1996 ما عُرف بـ(مبادئ ميتشل)، وهي ستة مبادئ تلزم جميع الأطراف بحل النزاعات السياسية بالوسائل السلمية فقط".

بالعودة إلى غزة، قال الموقع: "رغم أن مجلس السلام يؤدي نظريا دور الطرف الثالث في غزة، إلا أنه بعيد كل البعد عن الحياد". 

وعزا ذلك كونه "يخضع -رغم طابعه الدولي- لهيمنة أميركية واضحة، في ظل تولي ترامب رئاسته له، وهو منصب قد يشغله مدى الحياة".

وتابع: "إن الفرق الجوهري بين الحالتين يتمثل في أن الوسطاء في إيرلندا الشمالية كانوا يمثلون دولا لا تملك مصالح مباشرة في النزاع، بينما تُعد الولايات المتحدة في الحالة الفلسطينية أكبر داعم مالي لإسرائيل وأبرز مزود لها بالسلاح"،.

وبحسب رأيه، فإن "ذلك يثير تساؤلات حول قدرة مجلس السلام على أداء دور الوسيط المحايد، خصوصا فيما يتعلق بمتابعة وتنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار".

واستشهد في هذا السياق ببيانات وزارة الصحة في غزة، التي أفادت باستشهاد أكثر من 900 فلسطيني بنيران القوات الإسرائيلية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار.

علاوة على ذلك، ذكر الموقع أن "منظمات الإغاثة تتحدث عن قصور المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع تحت إشراف إسرائيلي كامل، الأمر الذي أسهم في تفاقم سوء التغذية وانتشار أعداد كبيرة من الجرذان".

وفي المقابل، زعم أن "حماس متهمة أيضا بارتكاب انتهاكات للاتفاق، من بينها مقتل أربعة جنود إسرائيليين".

غير أنه لفت إلى أن "مجلس السلام لم يتعامل مع هذه الانتهاكات بالمعايير نفسها"، موضحا أن المجلس "وجه انتقادات وتحذيرات أشد إلى حماس مقارنة بالحكومة الإسرائيلية، رغم الفارق الكبير في حجم الانتهاكات المنسوبة لكل طرف".

وأضاف أن "وثيقة مسربة أظهرت أن رئيس المجلس ملادينوف أبلغ بشكل صريح أنه لن يربط إسرائيل بشروط وقف إطلاق النار إذا رفضت حماس خطة نزع السلاح". 

وعقّب التقرير: "إن هذا النهج يمنح إسرائيل عمليا حرية مواصلة العمليات العسكرية، في الوقت الذي تُستخدم فيه التهديدات بإنهاء الهدنة للضغط على حماس، وهو ما يتعارض مع نماذج الوساطة الناجحة في تجارب السلام السابقة".

ترتيب معكوس

في موازة ذلك، يرى التقرير أن "إحدى المشكلات الجوهرية الأخرى تكمن في ترتيب الخطوات الواردة في الخطة المطروحة".

وتابع موضحا: "إن الخطة تشترط أولا قيام حماس بتسليم جميع أسلحتها وتفكيك شبكة الأنفاق التابعة لها، ثم تسليم المقاتلين أسلحتهم الفردية، وبعد ذلك فقط يكتمل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وتبدأ عملية إعادة الإعمار".

ومن اللافت للانتباه أن "الخطة المؤلفة من اثنتي عشرة نقطة لا تأتي على ذكر مسألة إقامة دولة فلسطينية بأي كلمة".

وبرز الخلل المنهجي في هذه الخطة عند النظر إلى ما حدث في تجربة إيرلندا؛ حيث أشار الموقع إلى أن "الجيش الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا الشمالية لم يتخلَّ عن سلاحه إلا بعد سنوات من توقيع الاتفاق السياسي وتحقيق تقدم ملموس (2005)، من ضمنه اتفاق لتقاسم السلطة". 

كما ذكر أن "حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) وافقت على تسليم أسلحتها مقابل عفو محدود وضمانات بالحصول على مقاعد برلمانية".

في هذا السياق، نقل التقرير عن عميد كلية كارتر للسلام وحل النزاعات في جامعة جورج ميسون،  ألب أصلان أوزردم، قوله: إن "نزع السلاح نادرا ما يكون نقطة البداية في أي عملية سلام".

وأوضح أن ذلك "يسبقه عادة تثبيت وقف إطلاق النار، وترتيبات الانسحاب، وتقديم ضمانات أمنية، وإشراف أطراف ثالثة، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، والشروع في إعادة الإعمار".

وفي هذا الصدد، أكد الموقع أن "حماس أعلنت مرارا استعدادها للتخلي عن السلاح إذا أُقيمت دولة فلسطينية على حدود عام 1967، إلا أن إسرائيل رفضت هذا الطرح في أكثر من مناسبة".

وتابع: "في المقابل، وبدلا من الانسحاب، وسع الجيش الإسرائيلي نطاق سيطرته داخل القطاع منذ بدء الهدنة، وأصبح يسيطر على نحو 60 بالمئة من مساحة غزة مقارنة بـ53 بالمئة كانت منصوصا عليها في الاتفاق الأصلي".

ومن ثم، قدر الموقع أن "تجاهل الحكومة الإسرائيلية للمطلب المركزي الذي تطرحه حماس يجعل من الصعب تصور سلام طويل الأمد يحظى بقبول الطرفين". 

ونقل عن أوزردم قوله: إن "الجماعات المسلحة لا تتخلى عن سلاحها عادة تحت الضغط وحده، وإنما عندما ترى مسارا واقعيا يوفر لها الأمن والمشاركة السياسية وإعادة الاندماج المجتمعي والحفاظ على الكرامة".

شرعية الحرب

واستنادا إلى ما سبق، يرى الموقع الألماني أن "الخطة الحالية لا تقدم أيا من هذه الضمانات، ما يجعل مطلب نزع السلاح أقرب إلى الاستسلام الأحادي منه إلى تسوية سياسية متوازنة".

ونقل عن المحاضر في جامعة كارديف، توماس ليهي، قوله: إن "إسرائيل ليست في موقع يسمح لها بفرض مثل هذا الشرط"، موضحا أن "مثل هذه الصيغ لا تنجح إلا عندما تكون الجماعة المسلحة قد هُزمت بالكامل واعترفت بهزيمتها، وهو أمر لا ينطبق على حماس".

واستطرد: "إن إسرائيل وحلفاءها يواصلون رغم ذلك تحميل حماس مسؤولية تعطيل عملية السلام، متجاهلين الاختلالات الجوهرية في الخطة".

وحذر ليهي من أن "فشل ترتيبات نزع السلاح في تجارب سابقة أدى في كثير من الأحيان إلى ظهور جماعات منشقة أو إلى إعادة التسلح من جديد".

واستشهد بالعراق بعد الغزو الأميركي، قائلا: إن "حل الجيش العراقي بصورة سريعة بعد إسقاط نظام صدام حسين جرى من دون خطة لإعادة دمج أفراده، ما ترك مئات الآلاف من المسلحين بلا عمل أو دخل، وانضم عدد كبير منهم لاحقا إلى تنظيم الدولة".

من جانبه، يعتقد أوزردم أن "الخطر الأكبر يكمن في أن يُنظر إلى نزع السلاح بصفته استسلاما لا انتقالا سياسيا". 

وأوضح أن "أي جماعة مسلحة قد تخشى التهميش السياسي أو الاعتقالات أو أعمال الانتقام أو فقدان أوراق التفاوض إذا تخلت عن سلاحها قبل الحصول على ضمانات موثوقة".

وفي ختام تقريره، طرح الموقع فرضية مفادها أن "استمرار حالة الجمود قد يكون هدفا بحد ذاته"، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "أكد مرارا استعداده للعودة إلى الحرب في غزة (في أي وقت)".

وخلص إلى أن "آلية نزع السلاح المطروحة بصيغتها الحالية توفر مبررا إضافيا لاستمرار العمليات العسكرية، وتجنب الحكومة الإسرائيلية تقديم تنازلات قد تكون مكلفة سياسيا". 

واختتم الموقع قائلا: "لا يزال مجلس السلام يستحضر فكرة غزة المزدهرة، لكن في عملية سلام كهذه، قد يكون إرثه الأكثر ديمومة هو إضفاء الشرعية على الحرب الدائرة".