روسيا ترسل معدات عسكرية إلى سوريا لأول مرة منذ سقوط الأسد.. ما القصة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على مدى عقد كامل من 2013 إلى 2025، عززت روسيا وجودها في سوريا معتمدة على نظام الرئيس السابق بشار الأسد بوصفه الركيزة الأساسية لنفوذها في الشرق الأوسط.

غير أن الهجوم السريع الذي شنّته فصائل المعارضة السورية في أواخر عام 2024 غيّر المشهد بشكل جذري، وأدى إلى إسقاط النظام الذي حكم البلاد لأكثر من نصف قرن.

آنذاك، ساد اعتقاد واسع بأن موسكو تلقت ضربة إستراتيجية كبيرة وأن نفوذها في شرق المتوسط يقترب من نهايته، إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الوضع أكثر تعقيدًا مما بدا في البداية.

وبعد أكثر من عام ونصف العام على سقوط النظام السوري السابق، برزت مؤشرات حديثة على استمرار النشاط الروسي في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية.

وفي هذا السياق، أشار موقع "سوهو" الصيني إلى أن وصول سفينة الشحن الروسية "سبارتا" إلى ميناء طرطوس أثار جدلًا واسعًا، لا سيما أنها مدرجة على قوائم العقوبات الأميركية بسبب مشاركتها في نقل أسلحة وإمدادات عسكرية لصالح وزارة الدفاع الروسية.

مهمة إمداد

وبحسب معلومات استندت إلى صور أقمار صناعية وشهادات مسؤولين أميركيين، غادرت السفينة ميناء سانت بطرسبورغ في مارس/ آذار 2026، وسلكت طريقا بحريا طويلا متجنبة السواحل الأوروبية قبل أن تصل إلى سوريا في مايو/ أيار، تحت حماية سفن حربية روسية رافقتها خلال جزء من رحلتها في البحر المتوسط.

وذكر الموقع أنه "وفقا للمصادر الأميركية، كانت السفينة تحمل معدات عسكرية مخصصة لقاعدة حميميم الجوية، في أول مهمة إمداد من هذا النوع منذ سقوط نظام الأسد".

وأضاف أنه "بحسب صور الأقمار الصناعية الغربية، حملت سفينة "سبارتا" شحنة وصفت بالحساسة، شملت أنظمة دفاع جوي ومكونات مرتبطة بالرادارات، إضافة إلى مستلزمات تشغيلية ضرورية لاستمرار عمل القواعد الجوية الروسية".

وبحسب التقرير، فإنه "بعد وصولها إلى الميناء، جرى نقل هذه المعدات بسرعة إلى مناطق تخزين محصنة داخل المنشآت العسكرية".

في سياق متصل، أشار "سوهو" إلى أن "القطع البحرية الروسية لا تزال تحافظ على حضورها في محيط ميناء طرطوس؛ إذ تواصل سفن تابعة للأسطول الروسي في البحر المتوسط أداء مهامها في المنطقة، من بينها الفرقاطة (الأدميرال كاساتونوف) والفرقاطة (ستيريجوششي) وسفينة الإمداد (يلنيا)".

"كما ما زالت منشآت الصيانة والأرصفة العائمة في القاعدة البحرية قادرة على تقديم خدمات التزود بالوقود والصيانة الأساسية للسفن الحربية والغواصات التقليدية"، وفق الموقع.

ومن منظور تحليلي، يثير وصول سفينة "سبارتا" الروسية إلى ميناء طرطوس تساؤلات بشأن الدوافع التي تقف وراء هذه الخطوة في هذا التوقيت تحديدا، وما إذا كانت تعكس توجها نحو إعادة تنشيط التعاون العسكري بين موسكو ودمشق، أو تمهد لمرحلة جديدة في العلاقات بين الجانبين.

دبلوماسية الجزرة

وفي هذا الإطار، تناول الموقع نهج العلاقة بين موسكو ودمشق منذ سقوط بشار الأسد قائلا: "في أعقاب سقوط النظام، بدأت روسيا بالفعل عملية سحب واسعة لقواتها ومعداتها العسكرية من سوريا؛ فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية طائرات نقل إستراتيجية من طراز "أن-124" وهي تنقل معدات عسكرية، بينما غادرت سفن روسية موانئ سورية".

وبحسب الموقع، "فقد رأت دول غربية أن انسحاب روسيا من سوريا شرط أساسي لرفع العقوبات وإعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي، مؤكدين أن لا مكان في سوريا المستقبل لموسكو أو طهران أو التطرف".

واستدرك: "غير أن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع تبنى مقاربة مختلفة في التعامل مع موسكو، فعلى الرغم من أن الشرع قاد سابقا معارك ضد القوات الروسية وضد نظام الأسد؛ فإنه اختار بعد توليه الحكم فتح قنوات حوار مع موسكو بدلا من السعي إلى طردها من البلاد".

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025 زار الشرع العاصمة الروسية موسكو وعقد مباحثات مباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين تناولت مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا، إضافة إلى ملفات أخرى حساسة مثل مصير الأسد والدعم الاقتصادي والعسكري الروسي.

وخلال تلك المباحثات سعت موسكو إلى إقناع القيادة السورية الجديدة بأهمية استمرار التعاون بين الطرفين.

في هذا الصدد، تحدث الموقع عما أسماه "دبلوماسية الجزرة"، وقال: "يعرف السياسيون المخضرمون أن لا عدو دائما ولا صديق دائما، بل مصالح دائمة".

وتابع: "وقد قدمت روسيا "جزرة" مغرية، حيث أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك استعداد بلاده لدعم إعادة الإعمار في مجالات الطاقة والنقل والسياحة والطب، مع التركيز على البنية التحتية وتوفير القمح والغذاء والدواء".

وعقّب الموقع: "بالنسبة لدولة دمرتها الحرب والعقوبات، فإن هذه المساعدات أغلى من الصواريخ".

وأردف: "تشير التقارير إلى أن روسيا لا تزال تورد النفط والحبوب والموارد الحيوية بأسعار مخفضة، وهي السلع التي يحتاجها المواطن السوري للبقاء على قيد الحياة".

ويرى آرون لوند، خبير الشأن السوري في المعهد السويدي لأبحاث الدفاع، أن "بوتين يستخدم أسلوب العصا والجزرة، لكن مع تغليب "الجزرة"؛ فبوتين يريد إيصال رسالة للشرع بأن روسيا ليست هنا لتتوسل للحصول على الطعام، بل هي هنا لتقديمه".

وأضاف أن "هناك بعدا آخر أكثر حساسية في العلاقات بين موسكو ودمشق، يتمثل في وجود أكثر من مئات الضباط السوريين السابقين رافقوا الرئيس المخلوع بشار الأسد إلى روسيا عقب سقوط نظامه".

وبحسبه، "يشكل هؤلاء ورقة نفوذ مهمة بيد موسكو، وفي الوقت نفسه مصدر قلق للحكومة السورية الجديدة، نظرا لما يمثلونه من قدرة محتملة على التأثير في المشهد الداخلي مستقبلا".

ولفت لوند إلى أن "الأكثر تعقيدا هو وجود من وصفهم بـ(المسلحين الشيشانيين والعناصر المتطرفة من دول الاتحاد السوفيتي السابق) في الداخل السوري، مما يجعل التعاون الاستخباراتي والأمني بين الطرفين ضرورة لا غنى عنها".

ويضيف لوند عاملا حاسما؛ وهو أن "روسيا توفر للشرع خيارا موازيا للولايات المتحدة، خاصة مع تقلبات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي ترامب، حيث لم يعد أحد يجرؤ على وضع كل رهاناته في سلة واشنطن".

خط أحمر

"بالعودة إلى تحركات السفينة "سبارتا"، يتضح المنطق، فقاعدة طرطوس وحميميم هما الخط الأحمر الذي رسمته روسيا للحفاظ على موطئ قدمها في شرق المتوسط". يقول الموقع.

وأردف: "فطرطوس هي القاعدة البحرية الوحيدة لروسيا خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق، ولها أهمية إستراتيجية لا بديل لها، فهي نقطة ترانزيت حيوية لإمداد "الفيلق الأفريقي" الروسي".

وتابع موضحا: ""لتأمين الإمدادات لـ"الفيلق الإفريقي"، تحتاج طائرات النقل العسكرية الروسية إلى عبور بحر قزوين وإيران والعراق في طريقها إلى إفريقيا، مع التوقف في القواعد الروسية داخل سوريا للتزود بالوقود وإعادة التموضع اللوجستي".

واستطرد: "وحتى الآن، لا تملك القوات الروسية أي منشأة أخرى قادرة على أداء الدور الذي تؤديه قاعدة حميميم في هذا المجال".

وبعبارة أخرى، فإن "فقدان هذه القاعدة من شأنه أن يوجه ضربة كبيرة للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط وإفريقيا، ويقوض جانبا مهما من ترتيباتها الإستراتيجية في المنطقتين".

وعلق التقرير: "ولهذا السبب، اتسمت التحركات الروسية الرامية إلى الحفاظ على هذا الشريان الحيوي بدرجة عالية من السرية".

وبحسبه، "لم تكن سفينة "سبارتا" حالة استثنائية؛ إذ تعتمد روسيا على هذا النوع من سفن الشحن الصغيرة لنقل المعدات والأسلحة بصورة غير معلنة داخل المنطقة".

ووفقا له، "تدير هذه السفن شركات ذات هياكل ملكية غير واضحة، لكنها ترتبط بصورة أو بأخرى بالحكومة الروسية، ما يسمح لموسكو بالالتفاف على الاتفاقيات التي تقيد حركة السفن العسكرية الروسية في البحر الأسود".

وبهذه الطريقة، تؤدي سفن مدنية ظاهريا مهاما ذات طابع عسكري، في أسلوب عده التقرير "يعكس قدرة روسيا على التكيف مع القيود والعقوبات المفروضة عليها"

أما الجانب الأميركي، فأشار التقرير إلى أنه "يشهد واقعا مختلفا؛ حيث انسحبت القوات الأميركية من قواعدها في سوريا مطلع عام 2026، منهية بذلك مهمتها التي استمرت عقدا من الزمن".

وأضاف أنه "بعد تولي ترامب السلطة، ألغيت المكافأة المالية التي كانت مرصودة للشرع حين كان عضوا في تنظيم القاعدة، وبدأ مسؤولون بوزارة الخارجية الأميركية في التواصل المباشر مع القيادة السورية الجديدة".

واسترسل: "بل إن إدارة ترامب أمرت برفع العقوبات عن سوريا، مما أفقد سياسة "الضغط عبر العقوبات" التي انتهجها عهد بايدن مبررها".

تأسيسا على هذه المعطيات، يقدر التقرير الصيني أنه "عندما رست السفينة "سبارتا"، لم يطلق الجانب الأميركي إنذارات، ربما لأن الجميع يدرك عمق العلاقة السورية الروسية، أو لأن هذه المعدات بعيدة عن مناطق نفوذهم في شمال شرق سوريا".

وفي المحصلة، يرى الموقع أن "روسيا احتفظت بقواعدها لكنها دفعت ثمنا باهظا من التنازلات وتقديم المساعدات، فيما لا يزال مستقبل الشرع محاطا بالمخاطر، بدءا من الصراعات الطائفية إلى التدخلات الإسرائيلية".

من هنا، يعتقد التقرير أن "العلاقة الحالية بين دمشق وموسكو تبدو أقرب إلى صيغة من الاعتماد المتبادل، فالحكومة السورية الجديدة تحتاج إلى قدر من الاستقرار الأمني في مرحلة إعادة بناء الدولة، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على حضورها الجيوسياسي واستمرار نفوذها الإقليمي".