تصعيد عسكري إسرائيلي في درعا والقنيطرة يعيد الجدل حول اتفاق فض الاشتباك

عبر ناشطون عن جام غضبهم ورفضهم القاطع للتوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري
في تصعيد خطير يهدد الاستقرار الهش في جنوب سوريا، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي مناطق في ريف درعا الغربي جنوب البلاد، ما دفع دمشق إلى إدانة الاعتداء بشدة، ودعوة الكيان المحتل إلى احترام اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مؤكدة على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وفي 28 يونيو/حزيران 2026، قصفت مدفعية الاحتلال الإسرائيلي قرية عابدين في ريف درعا الغربي، بعد توغل لآلياتها في وقت سابق في منطقة حوض اليرموك، فيما دعت وزارة الخارجية السورية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى وضع حد لهذه الانتهاكات، وضمان احترام اتفاقية فض الاشتباك.
وأفادت تقارير ميدانية بأن قوات إسرائيلية أطلقت النار باتجاه مدنيين سوريين، بالتزامن مع بدء انسحابها من قرية عابدين، قبل أن تعاود استهداف القرية بقصف مدفعي.
ووفقاً لتقارير إعلامية سورية، تصدى أهالي قرية عابدين للتوغل الإسرائيلي، حيث حاولت دورية إسرائيلية مكونة من عدة آليات التقدم باتجاه القرية وتل المغر في حوض اليرموك، إلا أن شباناً وأهالي المنطقة قاموا بإغلاق الطرق أمامها عبر وضع الحجارة وقطع المسار، في مواجهة شعبية مباشرة.
وردت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق النار وقصف مدفعي على محيط القرية، ما أدى إلى حالة من الهلع ونزوح محدود لبعض الأهالي إلى قرى مجاورة، قبل أن يعود معظمهم لاحقاً بعد انسحاب الآليات.
وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” إن “قوات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت النار باتجاه الأهالي أثناء انسحابها من قرية عابدين بريف درعا الغربي”.
وأضافت الوكالة لاحقاً أن القوات الإسرائيلية استهدفت القرية بقذائف مدفعية، “وسط تحليق لطيران الاحتلال فوق ريفي القنيطرة ودرعا”.
ولم ترد تقارير مؤكدة بشأن وقوع إصابات جراء إطلاق النار أو القصف المدفعي، كما لم تصدر السلطات السورية تعليقاً مفصلاً حول الحادثة.
وفي وقت سابق من الأحد، أفادت تقارير إعلامية بأن الجيش الإسرائيلي نصب خياماً في موقع تل المغر، غرب قرية عابدين، في منطقة حوض اليرموك بريف درعا.
كما ذكرت قناة “الإخبارية السورية” الحكومية أن القوات الإسرائيلية “أطلقت الرصاص والقنابل المضيئة، واستهدفت المزارعين قرب التلة، عقب تحرك قوة مؤلفة من 4 ناقلات جند من ثكنة الجزيرة باتجاه المنطقة”.
إدانة سورية
بدورها، أدانت سوريا التوغلات الإسرائيلية داخل أراضيها في محافظتي القنيطرة ودرعا جنوب البلاد، وما رافقها من قصف مدفعي وتحليق طيران، مطالبة بتدخل دولي لوقف هذه الانتهاكات.
وقالت وزارة الخارجية السورية في بيان إنها “تدين بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة في التوغلات داخل الأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا، واستهداف المنطقة بقذائف مدفعية، وما نتج عن ذلك من ترويع للمدنيين”.
وأكدت أن هذه الاعتداءات تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وخرقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وحذرت الوزارة من أن استمرار هذه الاعتداءات يقوض الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، ويزيد من معاناة المدنيين في المناطق المستهدفة، وينذر بمزيد من التصعيد والتوتر في المنطقة.
ودعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياتهما واتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة، وضمان احترام اتفاقية فض الاشتباك، بما يصون سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها.
اتفاقية فض الاشتباك
وقعت اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 بين إسرائيل وسوريا برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
وتهدف الاتفاقية إلى فصل القوات بين الجانبين، وإنشاء منطقة عازلة (منطقة فض الاشتباك) تخضع لإشراف قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF)، مع تحديد مناطق محدودة التسليح على جانبي خط الفصل.
وتُعد الاتفاقية أساساً للهدوء النسبي على جبهة الجولان لأكثر من خمسة عقود، وتنص على وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي جزئي من أراضٍ سورية كانت قد احتلتها في 1973، مع التزام الطرفين بعدم التصعيد العسكري.
ورغم ذلك، شهدت الاتفاقية خروقات متكررة، خاصة بعد عام 2024، ما أعاد الجدل حول فعاليتها وقدرتها على ضبط التوتر في المنطقة.
مواقف عربية
وأدانت كل من السعودية وقطر والأردن الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، بما في ذلك التوغلات في محافظتي القنيطرة ودرعا، واستهداف المنطقة بقذائف مدفعية، مستنكرة استمرار ما وصفته بالانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة، ومؤكدة دعمها لسيادة سوريا.
ومنذ أشهر، تتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا، لتشمل عمليات دهم وتفتيش لمنازل مدنيين، وإقامة حواجز، واعتقالات نالت مدنيين بينهم رعاة وأطفال.
وعقب إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت إسرائيل انهيار اتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، وسيطرتها على المنطقة السورية العازلة.
ورغم عدم صدور تهديدات من الإدارة السورية الجديدة تجاه إسرائيل، فإن الأخيرة واصلت شن غارات على الأراضي السورية، أسفرت عن سقوط مدنيين وتدمير مواقع عسكرية وآليات وذخائر تابعة للجيش السوري.
ويأتي هذا التصعيد ضمن سلسلة انتهاكات إسرائيلية متكررة في الجنوب السوري، في ظل مرحلة انتقالية تمر بها البلاد، ومخاوف متزايدة من اتساع رقعة التوتر في المنطقة.
وعبر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن جام غضبهم ورفضهم القاطع للتوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري، مؤكدين أن "سوريا بعد الأسد لن تكون سهلة"، وأن أهالي درعا لن يقبلوا بأي احتلال أو منطقة عازلة، مستذكرين تاريخ المقاومة المحلية في المنطقة.
وتداولوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #درعا، #سوريا، #الاحتلال_الإسرائيلي، وغيرها، صورا وفيديوهات لتل المغر بعد الانسحاب الإسرائيلي، مع تعليقات تتهم الكيان بمحاولة استغلال الفراغ الأمني، مطالبين بتوحيد الجهود الوطنية للدفاع عن الحدود.
كما تداولوا صور لهاتف محمول تركه جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي وراءهم في تل المعز ريف درعا، إذ وثقت وسائل إعلام محلية وعربية، منها "التلفزيون العربي" ومنصة "ألترا سوريا"، مقاطع مصورة للهاتف المحمول بعد أن نسيه الجنود الإسرائيليون خلال عملياتهم.
نزوح مؤلم
كما أعرب ناشطون عن استياء وغضب واضحين من النزوح الذي أجبره الاحتلال الإسرائيلي على أهالي عابدين قبل أن يعودوا بعد انتهاء القصف الإسرائيلي، واصفين إياه بـ"الترويع المتعمد" و"سياسة التشريد الإسرائيلية" التي تهدف إلى إفراغ المناطق الحدودية.
وانتقدوا القصف المدفعي والرشاشات التي أثارت حالة هلع دفع الأهالي (بما فيهم الأطفال والعائلات) إلى النزوح ليلًا إلى قرى مجاورة، عادين ذلك "جريمة إنسانية" و"انتهاكًا صارخًا" يستهدف المدنيين العزل.
كما أكدوا أن هذا النزوح يعكس وحشية الاحتلال ويضيف إلى معاناة السوريين، مع دعوات لتوثيق الانتهاكات ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل، وسط مشاركة صور العودة إلى المنازل اليوم كدليل على الصمود رغم الخوف والإرغام.
مقاومة باسلة
وأشاد ناشطون بشجاعة أهالي قرية عابدين وتصديهم لتوغلات الآليات الإسرائيلية "بصدورهم العارية" أمام الدوريات المدرعة، ووصفوا الفعل بـ"المقاومة الشعبية الحقيقية" و"الدفاع عن الأرض بالحجارة"، مؤكدين أن هذا التصدي يعكس روح الصمود السوري بعد سقوط النظام السابق.
ودعوا إلى توحيد الجهود الوطنية ورفض أي احتلال، كما انتشرت صور وفيديوهات للشباب والأطفال وهم يسدون الطرق، وسط تعبيرات فخر وطني وتحذيرات من تكرار الانتهاكات الإسرائيلية.
=======================================
مواقف متأخرة
في المقابل، انتقد آخرون "تأخر البيانات الرسمية" المنددة بالقصف والتوغل الإسرائيلي في قرية عابدين بريف درعا، واستنكروا الصمت أو التكتم الإعلامي/الرسمي المحلي والدولي على التصعيد وترويع المدنيين وانتهاك السيادة.
ووصفوا البيان الرسمي (الذي صدر بعد منتصف الليل) بـ"المتأخر" و"الجبن" مقارنة بشجاعة الأهالي الذين واجهوا القوات الإسرائيلية على الأرض، مشيرين إلى فجوة بين "شجاعة الميدان" و"جبن البيانات".
فيما دافع ناشطون عن موقف الحكومة السورية وطريقة إدارته لملف العدوان الإسرائيلي على الجنوب وتعاملها الدبلوماسي معه، مؤكدين أن الإدانة الدبلوماسية والدعوة لاحترام الاتفاقيات الدولية خطوة حكيمة ومسؤولة حالياً، مع الإعراب عن الثقة بأن الأهالي سيكون لهم دور في الدفاع.
إستراتيجية ضغط
وقدم خبراء ملخص للأحداث في الجنوب السوري بريف درعا الغربي، وفسروها بأنها جزء من إستراتيجية إسرائيلية للضغط على النظام السوري الجديد في توقيت حساس (مفاوضات لبنانية، دور تركي، إعادة بناء سوري).
وتحدثوا عما يحمله العدوان الإسرائيلي على درعا من رسائل إسرائيلية واضحة لدمشق الجديدة بقيادة أحمد الشرع على خلفية رفضها نزع سلاح حزب الله أو توقيع اتفاق أمني بشروط إسرائيلية.
وأشار متابعون إلى أن تل أبيب تحاول فرض واقع ميداني لتعزيز "عمق أمني" ومنع أي تهديد مستقبلي من سوريا المعاد بناؤها عسكرياً، كما يحاول رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كسب أوراق تفاوضية قبل تجدد المفاوضات.
وأكدوا أن أبناء درعا (وخاصة عابدين) لن يتنازلوا عن الأرض، وأنهم سيتصدون كما تصدوا سابقاً، لافتين إلى أن التوغل يعكس قلق إسرائيل طويل الأمد من إعادة بناء الجيش السوري وشراكاته.
















