ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تتصادم بشأن الإستراتيجية العسكرية.. ما القصة؟

"لا ترغب أي دولة أوروبية في دفع ثمن بناء هذا النوع من الاستقلال الدفاعي"
تواجه أوروبا إحدى أكثر مراحلها اضطرابًا على الصعيد الإستراتيجي منذ انتهاء الحرب الباردة؛ إذ أسهمت سلسلة من التطورات خلال الأسابيع الأخيرة في تسريع تدهور الوضع الأمني في القارة.
ففي 11 يونيو/ حزيران 2026، استقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في خطوة غير مسبوقة. وانتقد هيلي، في رسالة مفتوحة، رئيس الوزراء كير ستارمر، بسبب ما وصفه بضعف الاستثمارات الموجهة للقوات المسلحة ونقص الموارد الضرورية للتعامل مع التهديدات الحالية.
كما وجه هيلي انتقادات علنية إلى عدم كفاية تمويل خطة الاستثمار الدفاعي. مشيرًا إلى وجود اختلالات هيكلية في القدرات الدفاعية للمملكة المتحدة، التي تعد ركيزة أساسية داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وفي السياق ذاته، كشفت صور أقمار صناعية نشرتها وسائل إعلام في الدنمارك والسويد والنرويج، إضافة إلى بوابة ديلفي الإخبارية، في 10 يونيو، عن أعمال إنشاء عسكرية جديدة بالقرب من فنلندا والنرويج وبحر البلطيق.
ويعكس ذلك تصاعد عسكرة المنطقة، التي لم تعد تمثل حدودًا مستقرة بعد انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي.
بالتزامن مع ذلك، حذر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف من تصاعد المخاطر الإستراتيجية واحتمال وقوع مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو، مؤكدًا عدم وجود أي مؤسسة أوروبية قادرة على إدارة هذا التعقيد المتزايد من التفاعلات.
وترى صحيفة “الإسبانيول” أن هذه التطورات لا تأتي من فراغ، بل تعكس نتيجة مباشرة لبنية أمنية أوروبية لم تكتمل بشكل فعلي.
فقد ركزت أوروبا، على مدى سنوات، على احتواء الأزمات الأمنية بدلًا من منع وقوعها. ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، اعتمدت القارة على استجابات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية آنية، دون إنشاء منظومة أكثر استدامة.
وأوضحت الصحيفة الإسبانية أن المشهد الأمني الحالي في أوروبا هو حصيلة تراكم لهياكل موروثة من حقبة الحرب الباردة، وتعديلات طارئة، وتوترات متصاعدة بين الحلفاء الذين لم يعودوا يتشاركون التشخيصات أو الأهداف ذاتها.
ويبقى السؤال الأساسي حول شكل النظام الأمني الذي تحتاجه أوروبا في القرن الحادي والعشرين بلا إجابة، رغم أن الحاجة إلى حسمه أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

بنية غير مكتملة
لطالما كان النظام الأمني الأوروبي الذي أعقب الحرب الباردة وعدا لم يتحقق؛ فقد قدمت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي انبثقت عن مؤتمر هلسنكي عام 1975، إطارا أوروبيا شاملا حقيقيا: أمن تعاوني، وتدابير لبناء الثقة، وحوار بين جميع الفاعلين في القارة، بما في ذلك روسيا.
وأضافت الصحيفة أن تلك الروح تلاشت تدريجيا أمام منطق توسع حلف الناتو الذي استمر دون أن يمنح موسكو مكانة لائقة في النظام الجديد.
ومن هنا، تجدر الإشارة إلى أن الإذلال، بالمعنى الذي قصده هيغل وعالم الاجتماع توماس شيف، ليس مجرد استعارة سياسية، بل هو قوة دافعة للتاريخ.
ففي الحقيقة، لم تعد روسيا نهاية الحرب الباردة تحريرا، بل هزيمة. والهزائم التي لا تُدار بشكل جيد تُولد نزعة انتقامية.
هذا لا يُبرر غزو أوكرانيا، ولكنه يُفسر سبب احتواء النموذج الأمني القائم على التوسع غير المحدود لحلف الأطلسي على تناقض بنيوي منذ البداية: فقد وفر الأمن للأعضاء الجدد بينما ولد شعورا بانعدام الأمن في روسيا، دون وجود أي آلية لإدارة هذا الخلل.
ونقلت الصحيفة أن النتيجة هي النظام الذي نعيشه اليوم: بنية موروثة مع تعديلات مرتجلة، لا بنية جديدة. وفي ظل هذه الفجوات الهيكلية، حاولت أوروبا الاستجابة بنماذج إستراتيجية، إلا أنها تتنافس فيما بينها دون أن تحل المشكلات.
ثلاثة نماذج غير مجدية
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أنه في الفضاء الأوروبي الأطلسي، تتعايش حاليا ثلاثة رؤى إستراتيجية متنافسة دون التوصل إلى حل.
يربط النموذج الأطلسي الذي تجسده المملكة المتحدة بشكل أساسي ودول الجناح الشرقي لحلف الناتو، الأمن الأوروبي بالردع العسكري الجماعي تحت قيادة الولايات المتحدة. بالنسبة لبولندا ودول البلطيق، لا تعد روسيا طرفا محتملا للحوار، بل تهديدا وجوديا.
أما نموذج الاستقلال الإستراتيجي الذي تقوده فرنسا بشكل أساسي، فيرى أن على أوروبا بناء قدرات دفاعية مستقلة وتقليل اعتمادها على المظلة الأميركية.
وكان ماكرون الأكثر وضوحا في التعبير عن هذه الرؤية، لكنه يقع في نفس التناقض القديم.

لكن الوضع مختلف: لا ترغب أي دولة أوروبية في دفع ثمن بناء هذا النوع من الاستقلال الذاتي، وتفضّل ألمانيا، الطرف الوحيد الذي يمتلك النفوذ الكافي لقيادته، التدرّج والاستقرار الاقتصادي.
يسعى النموذج الألماني الهجين، في نهاية المطاف، إلى تحقيق التوازن بين حلف الناتو والاتحاد الأوروبي والقضايا الاقتصادية، لكن الأزمة الأوكرانية كشفت عن قصوره.
وكان صمت ميرز في البيت الأبيض بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط خير دليل.
في الواقع، تعتمد برلين في الوقت نفسه على العديد من الجهات -واشنطن للأمن، والأسواق العالمية لصناعتها- ما يعيقها عن تحقيق التماسك الإستراتيجي الذي يتطلبه الوضع الراهن.
مخاطر ضياع الفرص
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أنه لا يعد أي من هذه النماذج الثلاثة كافيا بمفرده.
ويُنتج وجودها مع بعضها عكس البنية المتماسكة تماما: أي الانقسام. ولكن وراء هذه الرؤى المتنافسة، تكمن المشكلة في أعماقها: لقد وقعت أوروبا في منطق بات فيه الصراع أمرا طبيعيا.
يُظهر الوضع الراهن في أوكرانيا بوضوح قصور النموذج الحالي. فبعد مرور أربع سنوات على بدء الغزو، لم يحقق أي من الطرفين أهدافه.
فلا تستطيع روسيا غزو أوكرانيا أو السيطرة عليها بالكامل. ففي الحقيقة، لم تُهزم أوكرانيا بفضل دعم من نحو خمسين اقتصادا متقدما. إنها حرب استنزاف، ولا أفق لحل عسكري نهائي لها.
ولا يقتصر الخطر على استمرار الصراع الأوكراني فحسب، بل يشمل التصعيد الأفقي: سقوط طائرات مسيرة روسية وأوكرانية على أراضي دول البلطيق الأعضاء في حلف الناتو، والتوترات في البحر الأسود، وتزايد عسكرة الجبهة الشرقية.
وقد تؤدي شرارة يساء فهمها في هذا السياق إلى تفعيل المادة الخامسة من حلف الناتو في سيناريو لم يتوقعه أحد ولم يستعد له أحد.


















