من الخليج إلى أوروبا عبر سوريا.. مشروع جديد يقلق إسرائيل

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

عندما وقّعت تركيا والسعودية، في 9 يونيو/حزيران 2026، مذكرتي تفاهم في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية خلال اجتماع جمع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو ونظيره السعودي صالح الجاسر في الرياض، لم يكن الحدث مجرد اتفاق تقني ثنائي بين دولتين، بل بدا نقطة انطلاق لمشروع إقليمي واسع يهدف إلى إعادة رسم خرائط الربط التجاري في الشرق الأوسط، عبر إنشاء شبكة نقل برية وسككية تمتد من الخليج إلى أوروبا مروراً بالأردن وسوريا وتركيا.

وبعد أيام قليلة من الإعلان، بدأت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن تهديد محتمل لأحد أبرز الرهانات الإستراتيجية لتل أبيب، والمتمثل في تحويل ميناء حيفا إلى محطة رئيسية في مشروع الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) الذي يحظى بدعم أميركي وأوروبي وخليجي.

وبينما تصف أنقرة المشروع الجديد بأنه استجابة لحاجة المنطقة إلى مسارات نقل أكثر أماناً واستدامة وتنويعاً لممرات التجارة والطاقة، تنظر إليه دوائر إسرائيلية بصفته منافساً مباشراً لمشروع إستراتيجي مدعوم من واشنطن، تراهن عليه إسرائيل لتعزيز موقعها الاقتصادي والجيوسياسي خلال العقود المقبلة.

كيف ولدت الفكرة؟

أعادت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران خلال عام 2026 ملف أمن الممرات التجارية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي؛ إذ أظهرت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر هشاشة جزء مهم من شبكات النقل والطاقة العالمية، وأعادت طرح سؤال قديم حول قدرة المنطقة على إيجاد بدائل برية للممرات البحرية المعرضة للتوترات العسكرية.

وفي هذا السياق، جاء المشروع السعودي التركي بوصفه محاولة لبناء شبكة نقل قادرة على تجاوز الاختناقات البحرية، وتقليل الاعتماد على الممرات المائية الحساسة.

وقد صرح وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو بأن الدرس الأكثر أهمية الذي خرجت به بلاده من التطورات الأخيرة يتمثل في ضرورة عدم الاعتماد على مسار واحد للتجارة والطاقة، والعمل على إنشاء بدائل برية وبحرية متعددة لضمان استمرار تدفق السلع وسلاسل الإمداد في جميع الظروف.

وأوضح الوزير أن المشروع لا يقتصر على إنشاء خط سكك حديدية فحسب، بل يتضمن رؤية أشمل تشمل الطرق السريعة، وخطوط الطاقة، وشبكات الاتصالات، والمراكز اللوجستية، بما يهدف إلى بناء ممر متكامل يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي التركية.

ومن الجانب السعودي، أكد وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر وجود تعاون وتنسيق رفيع المستوى مع تركيا لتطوير الربط البري والبحري والجوي والحديدي. مشيراً إلى أن تعزيز الترابط اللوجستي أصبح ضرورة متزايدة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.

ممر يتجاوز إسرائيل

وبحسب التصور الذي عرضه أورال أوغلو، ينطلق المشروع من السعودية باتجاه الأردن، ثم سوريا، وصولاً إلى تركيا، قبل أن يتصل بشبكات النقل الأوروبية. مؤكداً أن الحديث لا يدور عن مشروع محلي أو إقليمي محدود، بل عن ممر إستراتيجي يمتد فعلياً من الخليج إلى أوروبا.

وأشار إلى أن السعودية أنجزت بالفعل خط السكك الحديدية الممتد من الرياض إلى حدودها الشمالية مع الأردن، فيما تمتلك تركيا شبكة نقل متصلة تمتد من إسطنبول إلى غازي عنتاب قرب الحدود السورية، بينما تتمثل الحلقة المفقودة في نحو 400 كيلومتر داخل سوريا والأردن.

وأوضح أن جزءاً من هذه المسافة يضم بنية تحتية قائمة تحتاج إلى إعادة تأهيل، في حين تتطلب أجزاء أخرى إنشاء خطوط جديدة بالكامل، لافتاً إلى أن التقديرات الفنية التركية تشير إلى إمكانية إنجاز المشروع وتشغيله خلال ثلاث إلى أربع سنوات في حال تأمين التمويل واستكمال الدراسات اللازمة.

وتتجاوز أهمية المشروع مسألة نقل البضائع التقليدية؛ إذ تشير التصريحات التركية إلى أنه سيشمل نقل النفط والغاز الطبيعي والمنتجات الصناعية والمواد الخام، إضافة إلى إمكانية استخدامه مستقبلاً لنقل الركاب، فضلاً عن ربطه بمشاريع السياحة الدينية بين إسطنبول ومدن الحجاز.

كما تحدث الوزير التركي عن رؤية أبعد مدى تقوم على إنشاء مسار يمتد من إسطنبول إلى جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة.

ولم تقتصر أبعاد المشروع على تركيا والسعودية؛ إذ كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن الكويت وقطر والإمارات وسلطنة عمان مرشحة للانضمام إليه في مراحل لاحقة، مع احتمال امتداده مستقبلاً ليشمل العراق واليمن، ما قد يحوله إلى شبكة إقليمية واسعة تمتد من الخليج إلى قلب أوروبا.

كما أشارت الصحيفة إلى إمكانية ربط الممر الجديد بالبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر إيجة، وهو ما يمنحه تنوعاً لوجستياً واسعاً ويقلل من الاعتماد على إسرائيل كنقطة عبور مركزية في التجارة الإقليمية.

الجائزة الكبرى في معركة الممرات

إذا كان المشروع يحتاج إلى نحو 400 كيلومتر فقط لاستكمال الربط بين الخليج وتركيا، فإن الجزء الأكبر من هذه المسافة يقع داخل الأراضي السورية، ما يجعل دمشق اللاعب الأكثر حساسية وأهمية في المعادلة الجديدة.

فعلى مدى أكثر من عقد، تحولت سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وغابت عن مشاريع النقل والتكامل الاقتصادي، إلا أن التغيرات السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 أعادت إحياء النقاش حول موقعها الجغرافي ودورها المحتمل في مشاريع الربط الإقليمي.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي، فإن أنقرة تنظر إلى السعودية وسوريا بصفتهما حلقتين محوريتين في المشروع الجديد، مشيراً إلى خطة تركية لاستثمار نحو 100 مليون دولار لإعادة تأهيل خط السكك الحديدية بين تركيا ومدينة حلب، تمهيداً لربطه بدمشق ثم بالأردن والسعودية.

وأوضح آل عاتي أن التصورات التركية تتجه نحو تحويل الأراضي السورية إلى ممر لوجستي رئيس يربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط، في مشروع يتقاطع مع جهود إعادة الإعمار وإعادة تأهيل البنية التحتية السورية.

ولا تقتصر أهمية سوريا على موقعها البري؛ إذ يمنحها امتلاك موانئ على البحر المتوسط ميزة إضافية في أي شبكة نقل إقليمية مستقبلية، ما يجعلها عقدة لوجستية محتملة وليست مجرد دولة عبور.

ومن هذا المنطلق، لا تنظر إسرائيل إلى سوريا بصفتها مجرد ممر جغرافي، بل بوصفها منافساً مباشراً لموقع ميناء حيفا في معادلة التجارة المستقبلية.

حيفا في مواجهة دمشق

لفهم القلق الإسرائيلي من المشروع الجديد، لا بد من العودة إلى سبتمبر/أيلول 2023، حين أُعلن خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عن مشروع الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، بدعم أميركي وأوروبي وخليجي.

ويقوم المشروع على نقل البضائع من الهند إلى الخليج بحراً، ثم عبر شبكة سكك حديدية تمر بالسعودية والأردن وصولاً إلى إسرائيل، قبل شحنها مجدداً إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

ومنذ الإعلان عنه، عدته إسرائيل فرصة إستراتيجية لترسيخ موقعها كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا، وتعزيز اندماجها الاقتصادي مع دول الخليج، مع وضع ميناء حيفا في قلب هذا المسار كمركز لوجستي عالمي.

غير أن بروز الممر السعودي التركي أعاد خلط الأوراق؛ إذ رأت تقارير إسرائيلية أن المشروع الجديد يهدد بتجاوز إسرائيل بالكامل عبر مسار بديل يمر بسوريا والأردن وتركيا وصولاً إلى أوروبا.

وفي هذا السياق، حذرت صحيفة "معاريف" من أن إسرائيل قد تخسر فرصة إستراتيجية تاريخية إذا لم تتحرك سريعاً لتثبيت موقعها في مشاريع الربط الإقليمي، مشيرة إلى أن التنافس لم يعد اقتصادياً فحسب، بل جيوسياسياً بالدرجة الأولى.

صراع على النفوذ أم على التجارة؟

وراء التنافس بين حيفا ودمشق، وبين IMEC والممر السعودي التركي، تكمن معركة أوسع تتعلق بإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، وصف محللون هذا التنافس بأنه جزء من "لعبة شطرنج إقليمية ودولية"؛ حيث لم يعد الصراع مقتصراً على البضائع، بل يشمل الطاقة والبيانات والاتصالات وسلاسل الإمداد العالمية.

وتزداد أهمية هذا التنافس في ظل تراجع موثوقية بعض الممرات البحرية التقليدية، بفعل التوترات في مضيق هرمز، والهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب خلال السنوات الأخيرة، ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل برية أكثر استقراراً.

ورغم الطموح الكبير الذي يحمله مشروع الممر السعودي التركي، إلا أن تنفيذه يواجه مجموعة من التحديات المعقدة، في مقدمتها الوضع الأمني والسياسي في سوريا والأردن، والحاجة إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة.

كما يظل التمويل أحد أبرز العقبات، خاصة في ظل تقديرات أولية تشير إلى أن تكلفة ربط الممر قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات عند احتساب السكك الحديدية والموانئ والمناطق اللوجستية المساندة.

كما أن طبيعة التوازنات الإقليمية تجعل المشروع حساساً لأي تغيرات سياسية أو عسكرية، خصوصاً في ظل وجود مشاريع منافسة مثل IMEC المدعوم أمريكياً، وما يرافقه من اصطفافات دولية في سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن مشروع IMEC، الذي أُعلن عنه عام 2023، يستهدف ربط نحو 40% من التجارة بين آسيا وأوروبا عبر مسار بحري–بري بديل، مع خفض زمن النقل بنسبة قد تصل إلى 30% مقارنة بالمسارات التقليدية عبر قناة السويس.

في المقابل، يُنظر إلى الممر السعودي التركي باعتباره مشروعاً قادراً على إعادة توجيه جزء من تجارة الشرق الأوسط وأوروبا عبر محور بري مباشر، ما قد يؤدي إلى تقليص الاعتماد على الموانئ الإسرائيلية، وعلى رأسها ميناء حيفا الذي يطمح إلى لعب دور “بوابة شرق المتوسط”.

كما أن طول الممر المقترح (من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا) يُقدّر بنحو 2500–3000 كيلومتر، ما يجعله منافساً مباشراً للمسارات البحرية من حيث الزمن والكلفة في حال اكتمال بنيته التشغيلية.

سقوط رهانات إسرائيل

وقال الصحفي السوري أحمد ياووز: إن ما يجرى يتجاوز التنافس على مشاريع نقل وسكك حديدية، ليشكل صراعاً على قيادة الخريطة الاقتصادية الجديدة في الشرق الأوسط.

وأضاف أن إسرائيل راهنت على مشروع IMEC لتحويل ميناء حيفا إلى البوابة الرئيسة بين الخليج وأوروبا، غير أن التحركات التركية والسعودية، المدعومة بالانفتاح السوري، تضع هذا الرهان أمام تحدٍ إستراتيجي متصاعد.

ويرى ياووز أن الممر الجديد يمنح دمشق فرصة للعودة إلى قلب الاقتصاد الإقليمي، ويسحب في المقابل جزءاً من الميزة الجيوسياسية التي سعت إسرائيل إلى احتكارها عبر موقعها وميناء حيفا.

ويختم بالقول إن المنطقة تشهد حالياً تنافساً بين ثلاثة مشاريع كبرى: مشروع IMEC المدعوم أميركياً، والممر السعودي التركي عبر سوريا، ومشروع طريق التنمية العراقي الممتد من ميناء الفاو إلى تركيا، مؤكداً أن المشروع الأخير يمتلك أفضلية متزايدة في ظل قدرته على إعادة دمج سوريا في شبكة التجارة الإقليمية وتحويلها من ساحة صراع إلى عقدة لوجستية مركزية تربط الخليج بأوروبا.