أونروا تفصل موظفين بغزة.. استسلام لرواية إسرائيل أم محاولة أخيرة للبقاء؟

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في 12 يونيو/حزيران 2026، أنهت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” خدمات 70 موظفًا في قطاع غزة، على وقع اتهامات إسرائيلية جديدة لموظفين فلسطينيين تربطهم بحركة المقاومة الإسلامية حماس.

لكن، لم تعرض الوكالة أدلة علنية على هذه الاتهامات ولم تعلن اكتمال تحقيق مستقل بحق الموظفين، بل قالت: إن القرار جاء بناءً على تقييم يتعلق بسلامة وأمن عملياتها.

وجاء القرار في ذروة حملة إسرائيلية أوسع تستهدف الوكالة بالحظر القانوني وقطع التواصل الرسمي ومصادرة المجال الذي تعمل فيه، خصوصًا في القدس المحتلة.

الفصل قبل الإثبات

بدأ المسار الأحدث لتوجه أونروا في يناير/كانون الثاني 2024، عندما اتهمت إسرائيل 12 موظفًا في الوكالة بالمشاركة في هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأعلن المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني حينها إنهاء عقود عدد من الموظفين وإحالة الملف إلى التحقيق، قائلًا: إن الخطوة جاءت لحماية قدرة أونروا على مواصلة عملها. 

بعد ذلك، علّقت دول مانحة تمويلها للوكالة تحت وقع الاتهامات، قبل أن يستأنف معظمها الدعم لاحقًا، ولكن دون أن تتراجع أونروا عن خطواتها التي أثارت غضبا واسعا بين الموظفين والجهات الفلسطينية.

وكشف التحقيق اللاحق حدود الرواية الإسرائيلية التي قادت إلى تلك الإجراءات، فقد درس مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، وهو الجهة المسؤولة عن التحقيقات الداخلية، اتهامات طالت 19 موظفًا في أونروا. 

وفي أغسطس/آب 2024، أعلنت الأمم المتحدة أن المعلومات المتاحة كانت كافية لاتخاذ إجراء إداري بحق 9 من هؤلاء، بصيغة حذرة تحدثت عن احتمال مشاركتهم في هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. في المقابل، لم يتمكن المكتب من التحقق من غالبية الاتهامات الإسرائيلية.

قرار يونيو/حزيران 2026 وسّع هذا النمط، فقد أعلن المفوض العام بالإنابة كريستيان ساندرز إنهاء خدمات 70 موظفًا في غزة، موضحًا أن الخطوة لم تكن جزءًا من عملية تأديبية، وأنها لا تشكل اعترافًا بصحة الاتهامات.

وفق ملف البحث، جاء القرار في ظل اتهامات إسرائيلية تزعم ارتباط الموظفين بحماس، ومع إشارات إلى تقرير صادر عن المفتش العام للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لكن الأونروا قالت: إنها طلبت من السلطات الإسرائيلية أدلة محددة ولم تتلق شيئًا حتى وقت البيان.

ولم تعلن الوكالة صراحة بوجود أدلة نهائية على الموظفين، أو تستند إلى تحقيق مستقل وشفاف بحقهم، ولم تعرض مسارًا واضحًا لحق الدفاع أو الاستئناف، ومع ذلك، أنهت خدماتهم.

لذلك جاء رد الاتحادات النقابية حادًا، إذ رأت أن القرار يقوض قرينة البراءة، ويعتمد على معلومات غير مثبتة، ويفتح الباب أمام إجراءات مماثلة بحق موظفين آخرين. 

أما دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، فوصفت الخطوة بأنها خضوع لإملاءات سياسية خارجية، وطالبت بإلغائها فورًا.

وتعزز هذا القلق مع إعلان تجمع العشائر والعائلات الفلسطينية أن القرار شمل 14 موظفًا استشهدوا خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، وعدّ إدراج أسمائهم “إهانة” لذكراهم وانحيازًا للرواية الإسرائيلية.

وكالة تحت الحصار

تصدر هذه القرارات داخل بيئة تضييق إسرائيلية غير مسبوقة على أونروا، ففي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أقر الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قانونين استهدفا الوكالة مباشرة. 

الأول يحظر عمل أونروا داخل ما تعده إسرائيل “أراضيها السيادية”، بما في ذلك شرق القدس المحتلة، ويفتح الطريق لإغلاق مقراتها.

والثاني يقطع كل أشكال التواصل الرسمي بين المؤسسات الإسرائيلية الرسمية والوكالة، بما يشمل التأشيرات والتنسيق الجمركي والاتصالات الإدارية، والتعاملات التي تحتاجها أونروا لإدخال المساعدات وتشغيل مرافقها.

ودخلت سياسة “عدم التواصل” حيز التنفيذ في 30 يناير 2025، في قرار جعل عمل الوكالة محاصرًا بتفاصيل إدارية يومية معقدة من قبيل طرق دخول الموظفين الدوليين إلى الأراضي المحتلة ونقل الأدوية والمساعدات وإنجازات التنسيق الجمركي وغيرها.

المتحدث باسم أونروا جوناثان فاولر أشار حينها إلى أن عدم تجديد التأشيرات أجبر موظفين دوليين على مغادرة القدس، وأن حدود الحظر بقيت غامضة حتى في مسائل مثل عبور الحواجز أو تسليم الأدوية.

في ديسمبر/كانون الأول 2025، جرى تعديل التشريع ليشمل مستوى أشد من التضييق؛ إذ أجازت سلطات الاحتلال قطع المياه والكهرباء والوقود والاتصالات عن منشآت الأونروا، ومنح الحكومة صلاحية مصادرة ممتلكاتها. 

وبهذا انتقل الحظر من المجال السياسي والقانوني إلى البنية التشغيلية نفسها لتصبح مقرات أونروا بلا خدمات، مع تهديد مدارسها وعياداتها الطبية بالإغلاق مع إمكانية مصادرة الممتلكات.

وعلى الأرض، بدأت القوانين تتحول إلى وقائع، ففي يناير 2026، أصدرت شرطة الاحتلال أوامر بإغلاق مركز صحي تابع للأونروا في الزاوية الهندية داخل البلدة القديمة في القدس. 

في نفس الشهر، أُبلغت مرافق تابعة للوكالة بينها مدارس في مخيم شعفاط وسلوان، بقطع الكهرباء عنها تنفيذًا للقانون، كما اقتحمت قوات الاحتلال مقر أونروا في حي الشيخ جراح بالقدس، وأزالت العلم الأممي ثم هدمت المباني، ما دفع 10 دول غربية لدعوة إسرائيل إلى احترام حصانة مقار الأمم المتحدة والتراجع عن الحظر.

هذه الإجراءات حملت رسالة سياسية تتجاوز المباني والخدمات، خاصة أن مقر الوكالة في القدس بمثابة عنوان أممي لقضية اللاجئين في مدينة تحاول إسرائيل إخراج الأونروا منها قانونيًا وإداريًا ورمزيًا.

وجاءت هذه التطورات عقب أزمة مالية خانقة، فبعد اتهامات يناير 2024، أوقفت 16 دولة والاتحاد الأوروبي تمويل الأونروا مؤقتًا. وفي حين استأنف معظم المانحين الدعم لاحقًا، بقي أثر التعليق حاضرًا، خصوصًا مع استمرار احتجاز جزء من التمويل الأميركي. 

وفي يناير 2026، أعلنت أونروا إجراءات تقشفية شملت خفض رواتب موظفي غزة بنسبة 20 بالمئة وتسريح مئات الموظفين لأسباب مالية، وهو قرار منفصل عن ملف الاتهامات الأمنية لكنه يكشف هشاشة الوكالة تحت ضغط التمويل والحظر.

واليوم تعمل أونروا داخل كماشة مزدوجة، فإسرائيل تلاحقها قانونيًا وتمنع التواصل معها وتصادر مجال عملها في القدس، والمانحون يربطون جزءًا من الدعم بملفات تحقيق ومخاوف أمنية، فيما يحدث ذلك كله في وقت يزداد فيه الاحتياج الفلسطيني لخدماتها في غزة والضفة والقدس.

الثقة المكسورة

قرار فصل الموظفين السابقين ضرب منطقة حساسة في علاقة اللاجئين بالأونروا التي تأسست لتقديم الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين، فقد ظهرت كأنها تتعامل مع الاتهام الإسرائيلي بصفته معيارًا كافيًا لإنهاء خدماتهم.

لذلك استخدمت جهات فلسطينية تعبيرات قاسية تعكس أزمة ثقة عميقة تجاه الوكالة الأممية مثل الخضوع والابتزاز والانحياز للرواية الإسرائيلية.

الاتحاد العام لنقابات موظفي أونروا حذر من أن الاعتماد على معلومات غير موثقة يضع جميع الموظفين تحت التهديد، كما حضرت هذه النقطة أيضًا في قراءات قانونية نقدية. 

خبراء في القانون والعمل الإنساني عدوا الفصل الاستباقي من دون تحقيق مستقل انتهاكًا لقواعد العدالة الداخلية في الأمم المتحدة، لأن أي إجراء يمس الموظف يجب أن يقوم على أدلة موثوقة ومسار دفاع واضح. 

منصة Verfassungsblog القانونية الألمانية رأت أن فصل الموظفين قبل إجراء تحقيق مكتمل يخلق سابقة خطيرة داخل النظام الأممي.

فيما ذهب تحليل لمنصة CERTIORARIS القانونية المستقلة آخر إلى أن قرارات الفصل المبكرة منحت إسرائيل “سلاحًا دعائيًا” يسمح بتثبيت رواية تسلل حماس إلى الوكالة حتى من دون تقديم أدلة قابلة للتحقق.

تتسع آثار القرار مع احتمالات تدخل المانحين، فإذا قُبل منطق الفصل الإداري بناء على معلومات أمنية غير معلنة، فقد تطالب دول مانحة بإجراءات تدقيق أوسع على الموظفين، أو تربط التمويل بآليات فحص أمنية خارجية، أو تفرض شروطًا تشغيلية جديدة على الوكالة. 

مثل هذه الإجراءات تمس استقلال أونروا وتزيد تبعيتها للضغوط السياسية والتمويلية، خصوصًا أن غالبية موظفيها في غزة والضفة هم فلسطينيون محليون يعملون داخل بيئة مراقبة واستهداف.

منظمة العفو الدولية وصفت قانون الحظر الإسرائيلي بأنه تجريم للمساعدات الإنسانية، مقدرة أن منع التأشيرات وقطع الخدمات يعرقل قدرة أونروا على أداء دورها. 

وهذا الموقف يضع قرارات الفصل في سياق أوسع، فالوكالة التي تتعرض لمحاولة تعطيل قانوني وتشغيلي تجد نفسها مطالبة، في الوقت نفسه، بإثبات “حيادها” عبر إجراءات داخلية تمس موظفيها المحليين.

وتزداد حساسية قرارات الفصل بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي خلص إلى أن إسرائيل لم تثبت ادعاءاتها الواسعة بشأن ارتباط جزء كبير من موظفي الأونروا بحماس، وأن قيودها على عمل الوكالة عرقلت مهام الأمم المتحدة في الأراضي  المحتلة.

وبالنسبة للاجئين، لا تتمثل خدمات أونروا فقط بتوفير الصحة والتعليم والسلال الغذائية؛ إذ إن وجود الوكالة يحمل معنى سياسيًا مرتبطًا بحقوق اللاجئين واستمرار الاعتراف الدولي بقضيتهم. 

لذلك ترى جهات فلسطينية أن ضرب الوكالة من الداخل، عبر إضعاف ثقة الموظفين واللاجئين بها، يخدم الإستراتيجية الإسرائيلية نفسها التي تسعى منذ سنوات إلى إنهاء دور أونروا أو نقل وظائفها إلى مؤسسات أخرى أكثر قابلية للتطويع وأقل ارتباطًا بملف اللاجئين.

ورأت مجلة  فورين بوليسي الأميركية أن الدافع الإسرائيلي لحظر الأونروا يتجاوز ملف الاتهامات الأمنية، مشيرة إلى أن وجود الوكالة يبقي صفة اللاجئ الفلسطيني وحق العودة ضمن الإطار الدولي، وهو ما تسعى إسرائيل إلى ضربه عبر إنهاء دورها.

فيما أوضحت صحيفة الغارديان أن “التحقيق في الاتهامات الموجهة لأونروا ضروري، لكن الأصوات الأكثر اندفاعًا لتجفيف الوكالة وتدميرها لا تقدم بديلًا عمليًا للخدمات التي توفرها للاجئين، وتستخدم الهجوم عليها للتهرب من جذور قضية اللاجئين والاحتلال”.