نيروبي على خط الحرب السودانية.. هل تفتح الشكوى باب محاسبة دولية لقادة الدعم السريع؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تخطّى ملف الانتهاكات وجرائم الحرب في السودان نطاقه المحلي والإقليمي، ولم يعد محصوراً داخل تقارير المنظمات الحقوقية أو لجان التحقيق الوطنية، بل أخذ يتجه تدريجياً نحو ساحات قضائية خارجية قد تعيد تشكيل مسار العدالة في واحدة من أعقد الأزمات الدموية في القارة الإفريقية.

وفي هذا السياق، تمثل الشكوى الجنائية المقدمة أمام السلطات القضائية في كينيا ضد عناصر من مليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً تطوراً لافتاً في مسار ملاحقة المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال الحرب السودانية. 

وتنقل هذه الخطوة القضية من فضاء الاتهامات السياسية والحقوقية إلى مستوى قضائي جديد عابر للحدود، يُختبر فيه مدى قدرة القضاء الإفريقي على التعامل مع ملفات جرائم حرب يُشتبه في وقوعها داخل دولة ذات سيادة.

ويزداد هذا المسار تعقيداً مع امتداد خيوط القضية المحتملة خارج السودان، سواء عبر وجود بعض المشتبه بهم في دول الجوار أو من خلال صلات مالية ولوجستية وشبكات حركة قد تتيح بناء مسارات قانونية للتحقيق والملاحقة، بما يفتح الباب أمام اختبار عملي لمفهوم العدالة الإقليمية في إفريقيا.

ويأتي ذلك في ظل استمرار النزاع المسلح في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، وما رافقه من اتهامات واسعة بارتكاب جرائم قتل جماعي وتهجير قسري وانتهاكات بحق المدنيين، وفق تقارير أممية ومنظمات دولية.

كما يعكس هذا التطور اتجاهاً متزايداً نحو تفعيل القضاء الوطني في دول الجوار كمسار موازٍ أو مكمل لآليات العدالة الدولية التي غالباً ما تواجه عراقيل سياسية وإجرائية في مثل هذه القضايا المعقدة.

أول اختبار خارجي

وتقدمت المبادرة القانونية العالمية والمركز الإفريقي للعدالة ودراسات السلام، في 9 يونيو/حزيران 2026، عبر مكتب محاماة كيني، بشكوى إلى مدير النيابة العامة في نيروبي، نيابة عن 12 ناجياً سودانياً.

وتطالب الشكوى بفتح تحقيق جنائي مع 10 عناصر من مليشيا الدعم السريع، يشتبه في تورطهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الخرطوم ومحيطها، خلال الفترة الممتدة من أبريل/نيسان 2023 حتى مارس/آذار 2025.

وبحسب نص الشكوى، فإن الضحايا تعرضوا لانتهاكات واسعة شملت الاحتجاز غير القانوني، والتعذيب، والتجويع، والضرب المبرح، والحرق، والصعق بالكهرباء، والخنق، إضافة إلى انتهاكات جنسية بينها الاغتصاب والاستعباد الجنسي. كما أُجبر بعضهم على نقل جثث من داخل مراكز احتجاز يُعتقد أنها تابعة لمليشيا الدعم السريع.

وبحسب شبكة "عين" السودانية الناطقة بالإنجليزية في تقريرها المنشور في 15 يونيو/حزيران، فإن أهمية الخطوة لا تكمن فقط في مضمون الاتهامات، بل في مكان تقديمها. فكينيا ليست ساحة وقوع الجرائم، لكنها تعتمد قانون الجرائم الدولية لعام 2008، الذي يتيح نظرياً ملاحقة الجرائم الدولية الخطيرة في حال وجود صلات قانونية كافية، مثل وجود مشتبه بهم على أراضيها أو روابط قضائية ذات صلة.

وبناء على ذلك، لا تطلب الشكوى من كينيا إصدار حكم بشأن الحرب السودانية أو اتخاذ موقف سياسي من أطرافها، بل تقتصر على مطالبة النيابة العامة باختبار مدى إمكانية تطبيق القانون الكيني على هذه الوقائع. وتصف المبادرة القانونية العالمية هذه الخطوة بأنها أول شكوى من نوعها تُقدَّم خارج السودان ضد عناصر من مليشيا الدعم السريع.

وقال موسى محمد علي، المدير التنفيذي للمركز الإفريقي للعدالة ودراسات السلام، في حديثه لشبكة "عين": إن الضحايا انتظروا طويلاً لتحقيق العدالة على المستويين الوطني والدولي. مقدرا أن التحرك في كينيا يمنح أملاً لعدد كبير من السودانيين في مواجهة الإفلات من العقاب، ليس فقط بحق مليشيا الدعم السريع، بل بحق جميع المتورطين في الانتهاكات.

مبدأ "الولاية القضائية العالمية"

وذكرت وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية أن الشكوى المقدمة في كينيا تفتح الباب أمام اختبار عملي لمبدأ "الولاية القضائية العالمية"، وهو مبدأ قانوني يسمح لبعض الدول بملاحقة مرتكبي جرائم دولية جسيمة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، حتى في حال وقوعها خارج أراضيها.

وأوضحت أن هذا المبدأ طُبّق سابقاً في قضايا مرتبطة بسوريا ورواندا ويوغسلافيا السابقة، كما شهدت محاكم أوروبية، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا، محاكمات ودعاوى ضد متهمين بارتكاب انتهاكات خارج حدود تلك الدول.

ونقلت "رويترز" عن المحامي السوداني والأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب طارق عبد الفتاح، قوله: إن أهمية القضية المطروحة في كينيا تكمن في إدراج مبدأ الاختصاص الجنائي الدولي ضمن النظام القضائي الكيني.

وأشار إلى أن القانون الدولي لا يشترط بالضرورة وقوع الجريمة داخل الدولة التي تنظر القضية، ما دام القانون الوطني يسمح بالملاحقة القضائية على أساس هذا الاختصاص.

ويرى عبد الفتاح أن تحرك كينيا قد يشكل سابقة قانونية قد تدفع ضحايا ومنظمات حقوقية ومكاتب محاماة إلى فتح ملفات مشابهة في دول أوروبية وأميركية، تمتلك خبرة أوسع في هذا النوع من القضايا.

ويضيف أن هذا التطور يكتسب أهمية خاصة في ظل الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، والتي أنتجت كماً هائلاً من الشهادات والتقارير والصور ومقاطع الفيديو الموثقة للانتهاكات.

لكن تحويل هذا الكم من الأدلة إلى ملفات جنائية فعالة يتطلب بيئة قضائية مناسبة، وإمكانية الوصول إلى المشتبه بهم، إضافة إلى تعاون بين الضحايا والمحامين والمنظمات الحقوقية.

ومن هذا المنظور، قد تمثل كينيا مختبراً أولياً لهذه المقاربة؛ فإذا تعاملت النيابة العامة مع الشكوى بجدية، فقد تتحول إلى نموذج قانوني قابل للتكرار، أما في حال تعثرها، فستظل خطوة رمزية مهمة لأنها كسرت احتكار المسار الداخلي السوداني لملف العدالة، بحسب المحامي السوداني.

المسار الداخلي في السودان

في المقابل، تشهد الساحة القضائية داخل السودان تحركات موازية؛ حيث بدأت السلطات مساراً لملاحقة قيادات من مليشيا الدعم السريع.

ففي أبريل/نيسان 2025، شرعت محكمة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في محاكمة 16 من قيادات الدعم السريع غيابياً، في قضية مقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، الذي قُتل وسُحل جثمانه في مدينة الجنينة بعد ساعات من اعتقاله.

وضمت قائمة المتهمين قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ونائبه عبد الرحيم دقلو، والقوني دقلو، إلى جانب قائد مليشيا الدعم السريع في غرب دارفور عبد الرحمن جمعة، ورئيس الإدارة المدنية للمليشيا في الولاية تجاني كرشوم، وآخرين.

كما قيدت اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم الحرب وانتهاكات الدعم السريع آلاف الدعاوى، من بينها قضايا تتعلق بمقتل خميس أبكر والهجمات على ولاية الجزيرة.

غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة؛ إذ إن معظم القيادات المتهمة خارج نطاق قبضة القضاء السوداني، في حين لا تزال بعض المناطق خارج سيطرة الدولة.

كما أن المحاكمات الغيابية، رغم أهميتها الرمزية، لا تحقق وحدها الردع المطلوب ما لم تُستكمل بملاحقات دولية أو أوامر قبض أو تعاون قضائي عابر للحدود.

الإمارات حاضرة

منحت تقارير حقوقية دولية الشكوى الكينية خلفية ثقيلة؛ إذ وثقت منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية، أن مليشيا الدعم السريع ارتكبت في دارفور انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، شملت الإعدامات خارج نطاق القانون، والاغتصاب، واحتجاز رهائن، والهجمات المباشرة على المدنيين.

كما اتهمت تقارير أممية وإفريقية عناصر من الدعم السريع بارتكاب جرائم واسعة في مدينة الفاشر، بينها القتل الجماعي، والعنف الجنسي، واستهداف المدنيين في عمليات عسكرية ممنهجة.

وبالتوازي مع ذلك، قدّم محامون سودانيون شكوى أمام اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بانغول، ضد ست دول وكيانات إقليمية، بتهمة التورط في الحرب الدائرة في السودان والمساهمة في تغذية الانتهاكات.

وقال محمد الزين والطيب عبد الجليل، عضوا نقابة المحامين السودانية واتحاد المحامين العرب: إن دماء السودانيين وبيوتهم المدمرة ومعاناة النساء والأطفال المهجرين ليست مجرد أرقام، بل جرائم مكتملة الأركان، مؤكدين استمرار السعي لملاحقة المتورطين وشركائهم في مختلف المحافل الدولية.

ويمثل هذا المسار توسيعاً لدائرة الاتهام من الفاعلين المباشرين إلى الداعمين والممولين والمسهلين لأنشطة الدعم السريع، وهو ما تجسد أيضاً في تحركات الحكومة السودانية أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الإمارات، على خلفية اتهامات تتعلق بدعم الميليشيا المتمردة في دارفور.

ورغم أن مسار محكمة العدل الدولية يختلف قانونياً عن الشكوى الجنائية المقدمة في كينيا، فإن تزامن المسارين يعكس محاولة سودانية وحقوقية لبناء “طوق قانوني” حول الحرب، يمتد من المقاتل في الميدان إلى القيادات، وصولاً إلى شبكات الدعم الإقليمي التي يُعتقد أنها تسهم في استمرار النزاع.

بداية مطاردة دولية؟

وفي حديثه لـ"الاستقلال"، قال السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد القادر: إن نجاح الشكوى المقدمة في كينيا لن يُقاس فقط بفتح تحقيق أو إصدار أوامر قبض، بل بمدى قدرتها على تغيير حسابات مرتكبي الانتهاكات.

وأضاف أن شعور قادة مليشيا الدعم السريع أو عناصرها بأن السفر إلى كينيا أو دول أوروبية أو أي دولة تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية قد يعرضهم للمساءلة أو التوقيف، من شأنه أن يخلق "كلفة شخصية" للحرب.

وأوضح أن هذه الكلفة لا توقف القتال بالضرورة، لكنها قد تُضيّق هامش الإفلات من العقاب، وتمنح الضحايا أدوات قانونية إضافية خارج انتظار التسويات السياسية، كما حدث في تجارب سابقة مرتبطة بجرائم دولية في مناطق نزاع مختلفة.

وأكد عبد القادر أن هذا المسار لن يكون سهلاً، مشيراً إلى أن كينيا نفسها كانت موضع جدل سوداني سابق بعد استضافتها لقاءات سياسية شاركت فيها أطراف يُتهم بعضها بالارتباط بمليشيا الدعم السريع، ما قد يجعل الملف حساساً على المستوى الدبلوماسي.

لكنه أشار في المقابل إلى أن وجود قانون وطني للجرائم الدولية في كينيا يمنح نيروبي أساساً قانونياً يمكن البناء عليه، إذا ما قررت السلطات المضي في إجراءات التحقيق.

وقال: إن المشهد الأوسع في السودان يعكس تحولاً تدريجياً من مرحلة التوثيق الحقوقي إلى مسار التقاضي، لافتاً إلى أن العقوبات البريطانية والأوروبية على قيادات في مليشيا الدعم السريع، وتحركات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، والشكاوى أمام اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان، إضافة إلى المحاكمات الغيابية داخل السودان، تشكل جميعها حلقات في مسار واحد متداخل.

وأضاف أن الجديد في الخطوة الكينية أنها تضع ضحايا محددين أمام نيابة وطنية في بلد إفريقي، وتطلب فتح تحقيق جنائي مباشر، وهو ما يجعلها أقل من محكمة دولية، لكنها أكثر من خطوة رمزية.

وختم بالقول إن هذه التجربة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة ضحايا حرب السودان على نقل قضيتهم إلى قضاء أجنبي، كما تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع حول إمكانية إنتاج مسار عدالة إفريقي عابر للحدود، لا يعتمد حصراً على لاهاي أو العواصم الأوروبية.