التطوع في شرطة الاحتلال بالأقصى.. ماذا وراء استقطاب "جماعات الهيكل"؟

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ضمن مسار إسرائيلي متدرج لإعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى، تتجه شرطة الاحتلال إلى إدخال متطوعين من التيار الديني الصهيوني وحركة المستوطنين في الوحدة الشرطية المسؤولة عن إدارة الأماكن المقدسة ميدانيًا. 

الخطوة تنقل جماعات الهيكل من موقع الضغط الخارجي على شرطة الاحتلال إلى الحضور داخل الجهاز الذي يرافق الاقتحامات ويحدد زمن وحركة المصلين، ويتعامل يوميًا مع الأوقاف الإسلامية.

التطور الأحدث

التطور الأحدث كشفته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في 3 يونيو/حزيران 2026، حين أفادت بأن قيادة ما تسمى “وحدة جبل الهيكل” في شرطة القدس (إسرائيلية) تعمل على تجنيد متطوعين من بيئة اليمين الديني. 

ونشر دانييل ليراخ نائب قائد الوحدة، رسائل في مجموعات على تطبيق واتساب محسوبة على المستوطنين، دعا فيها الراغبين بالانضمام إلى التواصل معه “للمشاركة في فرض السيادة”.

هذه العبارة المقتضبة منحت الخطوة معناها السياسي، فشرطة الاحتلال التي كانت تتلقى مطالب جماعات الهيكل بتوسيع الاقتحامات والسماح بالطقوس، تفتح اليوم بابًا أمام الجمهور نفسه داخل الوحدة المكلفة بإدارة الساحات ومسارات الاقتحام. 

وبهذا ينتقل مشروع “السيادة الإسرائيلية” على القدس المحتلة من شعار ترفعه جماعات يمينية إلى ممارسة داخل جهاز أمني رسمي.

وتعمل “وحدة جبل الهيكل” داخل شرطة القدس الإسرائيلية، وتظهر في محاضر الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، كقسم شرطي مختص بالموقع، تدعمه ما تسمى قوات حرس الحدود في الأحداث الكبيرة.

 أما عمليًا، فتتولى الوحدة تسهيل اقتحامات المستوطنين ومرافقتهم، ومراقبة حركة المصلين وتنفيذ إجراءات الإبعاد وإدارة نقاط التفتيش في محيط الأقصى.

وفق “هآرتس”، لا تستهدف دعوة التجنيد متطوعين عاديين، بل متدينين من التيار الصهيوني الديني وناشطين في بيئة جماعات الهيكل التي تدعو إلى إقامة معبد يهودي مكان المسجد الأقصى، وتنشط بالدعوة إلى اقتحامات المتطرفين لباحات المسجد.

وبحسب مواد ترويجية متداولة على حسابات تلغرام وإنستغرام مرتبطة بجماعات الهيكل، ظهر قائد الوحدة غاي طال ونائبه دانييل ليراخ في فيديو إلى جانب حاخامات من التيار الديني الصهيوني، بينهم شموئيل إلياهو وشلومو أفينر وإلياكيم ليفانون، في سياق تشجيع الشبان على الالتحاق بالوحدة.

وتقدم هذه الخطوة في سياق صعود جماعات بعينها تتشكل من شبكات دينية وسياسية تعمل على إعادة تعريف الأقصى كفضاء سيادي يهودي.

من بينها، منظمة “بيادينو – عائدون إلى الجبل” التي تقدم نفسها كحركة واسعة للتوعية بـ“جبل الهيكل”، وتنظم اقتحامات وجولات وتدفع باتجاه توسيع ساعات الزيارة. 

بدوره، ينشغل “معهد الهيكل” بالتحضير الرمزي والديني، من إعداد أدوات العبادة والملابس الكهنوتية إلى نشر الوعي بالمعبد المزعوم، فيما تطرح “حركة أمناء جبل الهيكل” خطابًا أكثر مباشرة بشأن بناء ما تسميه “الهيكل الثالث”.

ووفر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير غطاءً سياسيًا مباشرًا لهذه البيئة؛ فقد شارك في اقتحامات الأقصى، وتبنى خطاب “السيادة” و”الحوكمة” في الموقع. 

وفي 13 يونيو/حزيران 2026، قالت صحيفة “مكور ريشون” العبرية: إن “وحدة جبل الهيكل” حصلت على جائزة ابتكار داخل الشرطة بعد عرض مشروع مراقبة بتقنية 360 درجة. هذا التفصيل يعكس أن الوحدة تتعزز مؤسسيًا وتقنيًا، بالتوازي مع انفتاحها على متطوعين من بيئة اليمين الديني.

إدارة الميدان

تقدمت السيطرة الإسرائيلية على الأقصى خلال السنوات الأخيرة عبر قرارات شرطية متدرجة أبرزها تنظيم الاقتحامات وتمديد مسارات المستوطنين ومنع المصلين المسلمين من الاقتراب في ساعات محددة، وإبعاد حراس الأوقاف والمرابطين، وتوسيع هامش الطقوس اليهودية داخل الساحات.

تقول “عير عميم”، وهي منظمة إسرائيلية تتابع سياسات الاحتلال بالقدس: إن الشرطة سمحت في مواسم الأعياد اليهودية بأداء صلوات علنية ونفخ الشوفار (بوق طقسي يُستخدم بالأعياد اليهودية) وارتداء التفيلين (علب جلدية صغيرة تحتوي نصوصًا دينية تُربط على الذراع والرأس أثناء تنفيذ الطقوس اليهودية).

وأوضحت المنظمة أن ذلك يأتي بينما يمنع آلاف المصلين المسلمين من دخول الأقصى في تلك الأوقات، في ممارسات تشير إلى تراجع الوضع القائم الخاص بالأماكن المقدسة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، نقلت وكالة الأخبار اليهودية JNS أن الشرطة سمحت بإدخال أوراق إرشاد للصلاة اليهودية إلى الأقصى بعد طلب من إحدى حركات الهيكل، وقدمت الخطوة تحت عنوان “الحفاظ على النظام”. 

كما رفع مستوطنون العلم الإسرائيلي داخل الأقصى بحماية شرطة الاحتلال خلال ما يسمى “عيد الاستقلال” في أبريل/نيسان 2026.

وسبق ذلك اقتحام قاده بن غفير في أغسطس/آب 2025 تخللته صلاة علنية قرب قبة الصخرة، وسط مشاركة واسعة من المستوطنين.

ويأتي إدخال متطوعين من التيار نفسه إلى وحدة الشرطة ليمنح هذه الوقائع بعدًا جديدًا، فالعنصر القادم من بيئة جماعات الهيكل يتعامل مع الصلاة اليهودية في الأقصى كحق ديني يجب تثبيته.

وقال المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، معروف الرفاعي: إن خطورة الخطوة تكمن في أنها تعكس انتقالاً من توفير الحماية الشرطية لاقتحامات المسجد الأقصى إلى مرحلة دمج العناصر المنتمية فكرياً إلى جماعات الهيكل داخل الجهة المسؤولة عن إدارة الواقع الميداني في المسجد.

وفي تصريح لـ"الاستقلال"، أوضح الرفاعي أن هذا واقع دخيل فرضه الاحتلال بالقوة، “ويعني أن هذه الجهة ستضم أفراداً يتبنون مشروعاً أيديولوجياً يسعى إلى تغيير هوية المسجد الأقصى وفرض وقائع جديدة فيه”.

وواصل الرفاعي القول: “يُخشى أن يؤدي ذلك إلى تعزيز نفوذ جماعات الهيكل داخل دوائر صنع القرار الميداني، بما ينعكس على زيادة الاقتحامات، وتوسيع نطاق الطقوس التوراتية وتشديد القيود على المصلين المسلمين وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية”.

وهذا إضافة إلى “تسريع مساعي الاحتلال لفرض مرجعية إسرائيلية على المسجد الأقصى على حساب الوضع التاريخي والقانوني القائم الذي يمنح إدارة الأوقاف الإسلامية الأردنية الولاية الحصرية عليه”.

ولا ترتبط المخاوف بعملية التجنيد بحدّ ذاتها، وإنما بالتحولات التي قد تنتج عنها على أرض الواقع، وفق الرفاعي.

وأردف: "إدخال متطوعين يحملون توجهات عقائدية مرتبطة بجماعات الهيكل" إلى الوحدة المسؤولة عن الأقصى قد يؤدي إلى مزيد من الانحياز في إدارة شؤون المسجد، ويمنح هذه الجماعات تأثيراً أكبر في رسم السياسات والإجراءات المطبقة داخله".

تثبيت السيطرة

وتدفع خطوة تجنيد متطوعين من جماعات الهيكل داخل وحدة الشرطة المسؤولة عن الأقصى سؤال الإدارة إلى واجهة المشهد. 

فالمسجد الذي يفترض أن تدير شؤونه الدينية واليومية دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، باتت تفاصيله العملية تميل أكثر نحو شرطة الاحتلال، الجهة التي تتحكم بالمداخل ومسارات الاقتحام وقرارات المنع والإبعاد وطريقة التعامل مع حراس الأوقاف والمصلين.

ومنذ احتلال القدس عام 1967، تقوم صيغة الوضع القائم على بقاء الإدارة الدينية والمدنية داخل المسجد بيد الأوقاف، مع سيطرة إسرائيلية أمنية، ودخول غير المسلمين بوصفهم زوارًا من دون أداء طقوس دينية. 

غير أن هذه الصيغة فقدت كثيرًا من معناها العملي خلال السنوات الأخيرة، مع تدخل الشرطة في تحديد أوقات الاقتحام، وضبط حركة المسلمين داخل المسجد، والسماح بهامش متزايد من الطقوس اليهودية.

صحيفة الغارديان البريطانية كتبت في فبراير/شباط 2026 أن الاتفاق الطويل الذي حكم حقوق الصلاة في الأقصى منذ ما بعد 1967 “انهار فعليًا”، في ظل اتساع الصلاة اليهودية داخل الموقع، واعتقال أو تقييد موظفين دينيين مسلمين، ومنع مصلين من الدخول. 

وتشير منصة “جيروزاليم ستوري” الفلسطينية إلى أن إسرائيل تغيّر الوضع القائم في الأقصى عبر الوقائع الميدانية، بدون إعلان سياسي مباشر. ووفق هذا المسار، يتراجع دور الأوقاف تدريجيًا أمام جهاز شرطة الاحتلال الذي يحدد ما يحدث في الساحات. 

ويعطي ما جرى من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مؤشرًا على طبيعة التحول، ففي أغسطس/آب 2025 قال: إنه صلى في باحات الأقصى، في خطوة تخالف الترتيب القائم الذي يمنع صلاة غير المسلمين في الموقع. 

ورغم تأكيد مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لاحقًا أن السياسة الرسمية لم تتغير، أظهرت الواقعة أن التغيير لم يعد يحتاج دائمًا إلى قرار حكومي معلن؛ إذ يكفي أن تتعامل الشرطة الإسرائيلية مع الممارسة الجديدة كأمر قابل للإدارة والحماية.

من هذه الزاوية، يصبح حضور متطوعين من جماعات الهيكل داخل وحدة الشرطة حلقة في نقل المرجعية العملية من الأوقاف إلى الجهاز الأمني الإسرائيلي.

وينعكس ذلك مباشرة على المقدسيين؛ حيث يتوقع أن يترافق مع الخطوة الجديدة، تشديد على دخول المصلين والتجار والنساء وكبار السن والمرابطين إلى الأقصى.

وتحذر قراءات إسرائيلية أيضًا من حساسية هذا المسار، فمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تناول مخاطر تغيير الوضع القائم في الأقصى. مشيرًا إلى أن السماح بالصلاة اليهودية في الموقع أو العبث بترتيباته القائمة يحمل قابلية عالية للتصعيد الأمني والسياسي.

وبدوره، يؤكد الرفاعي أنه “إذا استمرت هذه السياسة، فيتوقع أن نشهد تصاعداً في الاقتحامات المنظمة، ومحاولات أوسع لفرض الصلوات والطقوس التوراتية بصورة علنية، إلى جانب تضييق أكبر على المصلين والمرابطين وموظفي الأوقاف”.

ولفت إلى أن ذلك سيكرس تدريجياً واقعاً جديداً يسعى الاحتلال من خلاله إلى إعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الأقصى وفرض سيادة إسرائيلية فعلية عليه.