من "الصبر الإستراتيجي" إلى "حرب الاستنزاف".. هل نجحت إيران في "حصار إسرائيل"؟

"تصاعد الجدل حول ما إذا كانت إسرائيل وواشنطن قد حققتا أهدافهما المعلنة"
"من ينظر إلى الصراع الحالي من منظور المكاسب التكتيكية فقط، يغفل جوهر المسألة، فكلا الطرفين يتبع نفس النهج الإستراتيجي؛ حيث يفضلان إدارة الصراع على حله، وإذا لم تنجح إسرائيل في كسر هذه القيود، فقد تتحول الحرب من وضع مؤقت إلى واقع دائم".
بهذا التحذير، استهل العقيد احتياط حنان شاي، المحاضر في التفكير الإستراتيجي بقسمي العلاقات الدولية والعلوم السياسية، حديثه في مقاله على موقع معهد "مسغاف" العبري الذي حمل عنوان "النهاية معروفة مسبقا: إسرائيل محاصرة داخل عقيدة حرب يفرضها الآخرون".

عقيدة الحرب
واستهل شاي حديثه مؤكدا على أن "عقائد الحرب لم توضع من أجل تفسير الماضي فقط، بل إن أهم وظائفها تتمثل في تمكين من يعمل وفقها من رؤية نهاية المشهد قبل أن تطأ قدماه قاعة العرض".
وإسقاطا على الحرب الحالية انتقد الكاتب تسليط الضوء خلال الحرب الحالية على "حجم القوة النارية المستخدمة، وعدد الأهداف التي تم تدميرها، ومستوى الأضرار، وحصيلة الإنجازات العسكرية، مع إغفال السؤال الأكثر جوهرية".
ووفقا له، فإن القضية الأساسية “تتمحور حول عقيدة الحرب التي يستند إليها الطرفان في هذه الحرب، وإلى أي نتيجة نهائية يمكن أن تقود؟”
فبحسب شاي، "لا يكتفي الإستراتيجي الحقيقي بمراقبة ما يجري على المسرح في اللحظة الراهنة، بل يسعى إلى فهم المسار الذي ستتخذه الأحداث إذا واصل جميع اللاعبين التصرف وفقا للمنطق ذاته، وهذه هي الغاية الأساسية التي قامت عليها نظريات الحرب الكبرى عبر التاريخ".
واستطرد: "وخلال الحرب، تصاعد الجدل حول ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة قد حققتا أهدافهما المعلنة".
واستدرك: “غير أنه قبل مناقشة حجم النجاح أو الفشل، ينبغي طرح سؤال أكثر أساسية: أي نوع من الحروب اختار الطرفان خوضه؟"
وأوضح مقصده قائلا: "فعلى الصعيد العسكري البحت، كانت أميركا وإسرائيل تمتلكان القدرة على محاولة تحقيق الأهداف الثلاثة التي جرى عرضها على الرأي العام خلال فترة زمنية أقصر بكثير، وهي إزالة التهديد النووي الإيراني، والقضاء على التهديد الصاروخي الباليستي، وتفكيك شبكة الوكلاء الإقليميين".
وأضاف: "لم يكن تحقيق مثل هذا الحسم يتطلب بالضرورة اجتياحا بريا واسعا، بل كان يحتاج قبل كل شيء إلى تبني مفهوم حرب يهدف إلى تغيير الواقع الإستراتيجي بصورة سريعة وحاسمة".
غير أن شاي لفت إلى أن "ما جرى عمليا كان مختلفا، إذ تم اختيار مسار يقوم على الاستنزاف والتآكل التدريجي وإضعاف القدرات على المدى الطويل".
أما من وجهة نظر إيران، فيرى أن "هذا الخيار كان شبه حتمي، ففي ظل فجوة القوة الهائلة بينها وبين خصومها، لم تكن أمامها بدائل عملية كثيرة".
وذكر الكاتب أن المؤرخ والمفكر الإستراتيجي الألماني هانس ديلبروك أطلق على هذا النوع من الحروب اسم "إستراتيجية الاستنزاف"، وهي إستراتيجية لا يسعى فيها الطرف الأضعف إلى هزيمة خصمه، بل إلى منعه من تحقيق النصر عليه.
وتابع: "وقد استشهد ديلبروك بتجربة بريكليس، زعيم أثينا القديمة، كنموذج كلاسيكي لهذا النهج، فقد أدرك بريكليس أن إسبرطة تتفوق عليه في الحرب البرية، ولذلك تجنب المعركة الحاسمة، واعتمد بدلا من ذلك على تفوق أثينا البحري وقوتها الاقتصادية وقدرتها على كسب الوقت".
ويرى أن إيران "تتصرف اليوم بطريقة مشابهة، بعدما بنت شبكة واسعة من الوكلاء، ووزعت أصولها الإستراتيجية على مساحات متعددة، وأعدت نفسها لتحمل الضربات دون أن تنهار".
إشارات متبادلة
غير أن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام، بحسب الكاتب، يتمثل في “سبب اختيار الولايات المتحدة هي الأخرى لهذا النمط من الحرب، فإذا كانت إيران قد لجأت إلى الاستنزاف لأنها لم تمتلك خيارا آخر، فما الذي دفع القوة العظمى إلى تبني المنهج نفسه؟”
ويعتقد المقال أن "هذه المفارقة تمثل جوهر الحرب الحالية؛ إذ اختار الطرف الأقوى والطرف الأضعف، كل لأسبابه الخاصة، خوض النوع ذاته من الصراع".
واستحضر الكاتب أفكار توماس شيلينغ، أحد أبرز المنظرين الإستراتيجيين في القرن العشرين، الذي انشغل في مؤلفاته الكلاسيكية بدراسة الكيفية التي تدير بها القوى الكبرى صراعات طويلة الأمد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
فوفقا للمقال، "لا تتمحور أفكار شيلينغ حول الحسم والانتصار بقدر ما تركز على إدارة التصعيد والتحكم في حدوده".
وتابع: "ومن منظوره، لا تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل هي أيضا عملية تواصل مستمرة، فالهجوم يحمل رسالة، والرد يحمل رسالة، وحتى الامتناع عن الرد يمثل رسالة بحد ذاته".
وأضاف: "وبذلك لا يكتفي الخصوم بالقتال، بل يواصلون إرسال الإشارات المتبادلة على نحو دائم".
وأكمل الكاتب: "وبناء على ذلك، إذا كان أطراف الصراع يتحركون اليوم وفق هذا المنظور الشيلينغي، فلا يوجد أي مبرر لتوقع حسم عسكري قريب".
وأردف: "بل على العكس تماما، يجب أن نتوقع رؤية ما يحدث في الميدان حاليا بدقة: إسرائيل تهاجم أهدافا نوعية (بما في ذلك ضاحية بيروت الجنوبية)، وإيران ترد بإطلاق صواريخ باليستية محدود نسبيا، وبالتزامن مع ذلك يتم تحريك الوكلاء كالحوثيين الذين يبقون في حالة نشاط وفاعلية".
واسترسل: "فالردود متبادلة وتكون قوية بما يكفي لإثبات الإصرار، ولكنها تظل محدودة بما يكفي لمنع الانتقال إلى حرب حاسمة وشاملة".
وأشار المقال إلى أن "هذا هو بالضبط منطق "شيلينغ": جهد مستمر لإظهار القوة والتصميم، دون تخطي العتبة التي قد تفجر قوى وصراعات لا ترغب أي ضابطة في إطلاق سراحها".

قيود إستراتيجية
وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية، بحسب الكاتب، فطهران وواشنطن "تستطيعان التعايش مع حرب استنزاف طويلة الأمد، بينما قامت إسرائيل في الأصل على عقيدة أمنية مغايرة تماما، تعد الزمن عاملا معاديا وترى في الحروب القصيرة والحاسمة شرطا أساسيا للبقاء والاستمرار".
وأضاف أن "المشكلة تبرز عندما يتحرك اللاعبان الرئيسان في الصراع وفقا لمنطق مختلف عن ذلك الذي تأسست عليه العقيدة الأمنية الإسرائيلية".
"ففي هذه الحالة، تجد إسرائيل نفسها عالقة داخل واقع إستراتيجي لا ينسجم مع الرؤية التي استندت إليها ضمانات بقائها وازدهارها على مدى عقود"، وفق تحليله.
ويرى الكاتب أن "أهم ما يمكن استخلاصه من أفكار شيلينغ هو أن من يفهم العقيدة التي تحكم سلوك الأطراف المتحاربة لا يحتاج إلى انتظار نهاية المشهد لمعرفة اتجاهه".
وتابع موضحا: "فعندما ينشغل الجميع بإدارة التصعيد أكثر من السعي إلى حسمه، فإن النتيجة لا تكون نصرا ولا هزيمة، بل استمرار الصراع ذاته".
وانطلاقا من ذلك، طرح الكاتب ثلاث قضايا يعدها أساسية بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي.
أولا، هل لا تزال إسرائيل ترى نفسها ملتزمة بعقيدة الأمن الأصلية التي وضع أسسها دافيد بن غوريون عند قيام دولة الاحتلال؟
وثانيا، إذا كانت إسرائيل قد توصلت إلى قناعة بأن حرب الاستنزاف الحالية غير قادرة على إنتاج تسوية مستقرة ودائمة، فهل تملك القدرة على التحرر من القيود الإستراتيجية المفروضة عليها وفرض حسم عسكري على إيران ووكلائها، حتى في غياب تأييد أميركي كامل؟
أما السؤال الثالث، فيتعلق بما إذا كانت إسرائيل مستعدة لدفع الثمن السياسي المترتب على مثل هذا الخيار، والمخاطرة بواقع قد تجد نفسها فيه، ولو لفترة زمنية محدودة، من دون غطاء أو دعم مباشر من قوة عظمى حليفة.
في المحصلة، أكد الكاتب على أن "إسرائيل ستبقى -ما لم تقدم إجابات واضحة على هذه الأسئلة- أسيرة الإطار الذي وصفه شيلينغ، وهو إطار تصبح فيه إدارة الصراع بديلا عن حله، وتتحول الحرب تدريجيا من حالة مؤقتة إلى واقع دائم ومستمر".
وبحسب المقال، فإن "هذه قد تكون الخلاصة الأهم التي تفرضها الحرب مع إيران: فالعقائد الإستراتيجية الناجحة لا تكتفي بتفسير ما يجري على أرض الواقع، بل تمكن من استشراف نهاياته مسبقا".
وأردف: "وعندما يستند خصمان إلى المنطق الإستراتيجي ذاته ويقرآن من المرجعية نفسها، فقد يستمران في القتال لفترة طويلة جدا، دون أن يكون أي منهما عازما فعلا على تحقيق نصر حاسم".

















