من جوادر إلى ليبيا.. كيف تعيد باكستان رسم نفوذها الجيوسياسي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

على مدى عقود، انحصرت صورة باكستان في ثلاثة ملفات رئيسة، قدرتها النووية في مواجهة الهند، والتحديات الأمنية المرتبطة بأفغانستان، واعتماد اقتصادها على التمويل الخارجي.

ورغم أن هذه المقاربة تعكس جوانب واقعية، فإنها تختزل دولة يزيد عدد سكانها على 245 مليون نسمة في بعدها الأمني والاقتصادي الضيق.

قيمة مضافة

وفي هذا السياق، يرى معهد "تحليل العلاقات الدولية" الإيطالي أن إسلام آباد تحاول في عام 2026 إعادة صياغة هذه الصورة، عبر تبني دور يتجاوز محيطها الإقليمي المباشر.

وبحسب تحليله، "تسعى الدبلوماسية الباكستانية إلى لعب دور الوسيط في أزمات لا تقع ضمن جوارها الجغرافي، بينما تروج الحكومة لشبكة السكك الحديدية بصفتها أداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي، وتعمل على إعادة تقديم ميناء جوادر بوصفه عقدة تربط بين المحيط الهندي والخليج وغرب الصين وجمهوريات آسيا الوسطى".

ويعتقد المعهد أن "هذا التوجه يقوم على تقديم باكستان نفسها بوصفها دولة توفر قيمة مضافة لشركائها، بدلا من السعي إلى توسيع نفوذها عبر السيطرة على الأراضي".

ووفق رأيه، "هذا التصور يستند إلى تطورين رئيسين، ففي 6 يوليو/ تموز 2026، أفادت وكالة رويترز بأن باكستان تتوسط بين مراكز القوى في شرق ليبيا وغربها، بناء على طلب الأطراف الليبية، وبدعم من الولايات المتحدة والسعودية، فيما شجعت كل من قطر وتركيا هذا الدور".

وبالتوازي مع ذلك، "كثفت وزارة السكك الحديدية الباكستانية خلال يونيو/ حزيران ويوليو 2026 مشاوراتها مع روسيا وأوزبكستان وكازاخستان وإيران بشأن مشروعات الربط بالسكك الحديدية وتعزيز الممرات اللوجستية الإقليمية، بينما أكدت الحكومة مجددا خطتها لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية".

ويرى التقرير أن "هذين المسارين يرتبطان ببعضهما من حيث إنهما يعززان القيمة التفاوضية لباكستان، لكنهما يختلفان من حيث الطبيعة والوظيفة".

ورغم اعتقاده أن "هذا الطموح يمنحها فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي"، إلا أنه لفت إلى أن "تحويل هذه المكانة إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة لا يزال مرهونا بقدرتها على تحويل المبادرات المنفصلة إلى شبكة متماسكة وموثوقة".

في سياق الحديث عن عوامل القوة التي تمتلكها إسلام آباد للقيام بهذا الدور الإقليمي، أشار التقرير إلى أن "الموقع الجغرافي يمنح باكستان عناصر قوة مهمة، إذ تطل على الطرف الشمالي للمحيط الهندي قرب خليج عمان، وعلى مسافة قصيرة من مضيق هرمز".

الأمر الذي عده "يسمح لها بتوفير منفذ بحري للدول الحبيسة في آسيا الوسطى، فضلا عن منح الصين منفذا بديلا إلى بحر العرب".

وفي المقابل، أوضح أن "ليبيا، رغم أنها لا تشكل امتدادا جغرافيا للممر، فإنها تفتح أمام باكستان آفاقا أوسع لتعزيز حضورها في منطقة البحر المتوسط، خاصة في قطاع الصناعات الدفاعية وعلى المستوى السياسي".

ومن ثم، شدد على أن "الرؤية الباكستانية لا تقوم على إنشاء ممر جغرافي متصل، بل على بناء مجموعة من الوظائف المتكاملة، تشمل الوساطة السياسية، وتصدير المعدات العسكرية، وتقديم خدمات العبور، وتطوير الموانئ، وجذب الاستثمارات الأجنبية".

تقويض الثقة

وتطرق المعهد للحديث عن الانخراط الباكستاني في الملف الليبي، مشيرا إلى أنه "لم يبدأ من فراغ، بل جاء نتيجة مسار متدرج من العلاقات مع مختلف الأطراف الليبية".

وقدر التقرير أن "هذه العلاقات المزدوجة تمنح باكستان فرصة للقيام بدور الوسيط، لكنها في الوقت نفسه قد تثير تساؤلات بشأن قدرتها على الحفاظ على الحياد، نظرا لارتباطها بعلاقات عسكرية وتجارية مع أحد أطراف النزاع".

وأشار إلى أنه "وفقا لما أوردته وكالة رويترز، فإن المقترح المطروح لإعادة توحيد ليبيا يقوم على مرحلة انتقالية تمتد 36 شهرا، يعقبها تشكيل حكومة توافق وطني ومجلس رئاسي جديد، مع توزيع للسلطات يضمن استمرار عبد الحميد الدبيبة في المشهد السياسي، ومنح صدام حفتر موقعا قياديا بارزا".

وعقّب المعهد: "يقوم هذا التصور على مقاربة عملية تستهدف تقليص كلفة الانقسام الداخلي، وإعادة تنظيم الشؤون المالية، وتهيئة الظروف لاستئناف الاستثمارات في قطاع النفط، فيما يتوقع أن تضطلع باكستان بدور في دعم استقرار هذا الترتيب السياسي".

لكن التقرير أوضح أن "هذه الوساطة لا تندرج ضمن مفهوم الحياد التقليدي؛ إذ تمتلك باكستان علاقات عسكرية مع معسكر شرق ليبيا، وطموحات اقتصادية، وروابط وثيقة مع السعودية، فضلا عن تنامي قدراتها في مجالي التدريب العسكري وتصدير الأسلحة".

وعليه، فإن "عناصر القوة التي تمنح إسلام آباد القدرة على التأثير قد تتحول في الوقت نفسه إلى مصدر شكوك بشأن حيادها"، وفق تحليله.

من منظور تحليلي أوسع، يرى المعهد أن "الملف الليبي يوفر لباكستان ثلاثة مكاسب رئيسة، أولها تعزيز مكانتها الدولية، إذ إن نجاحها في تحقيق اختراق في أزمة استعصت على العديد من المبادرات الدولية سيرفع من صورتها كوسيط فاعل في دول الجنوب العالمي".

أما المكسب الثاني فيتمثل، وفقا له، في "البعد العسكري، حيث يمكن للطلب الليبي أن يدعم صادرات الصناعات العسكرية الباكستانية، إلى جانب خدمات الصيانة والتدريب والتعاون التقني".

في حين يتمثل المكسب الثالث في "توسيع شبكة العلاقات السياسية، إذ يجمع هذا الملف باكستان والولايات المتحدة والسعودية وتركيا وقطر ضمن إطار تفاوضي واحد".

الأمر الذي عده "يمنح إسلام آباد حضورا أوسع داخل دوائر صنع القرار في منطقة وسط البحر المتوسط، وليس مجرد منفذ مباشر إلى المتوسط عبر موانئ أو طرق تجارية".

ورغم ذلك، لفت التقرير إلى أن "هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، يأتي في مقدمتها حظر الأمم المتحدة على تصدير الأسلحة إلى ليبيا، إذ إن أي عمليات توريد لا تحظى بموافقة دولية قد تعرض باكستان لمخاطر قانونية وسياسية وعقوبات محتملة".

ويضاف إلى ذلك "تعقيد الأزمة الليبية نفسها التي لا تقتصر على الانقسام بين المؤسسات السياسية، بل تمتد إلى الفصائل المسلحة، وإدارة عائدات النفط، والمؤسسات المالية، وسلاسل القيادة العسكرية، إضافة إلى تشابك أدوار القوى الخارجية".

من هنا، قدر أن "أي اتفاق بين النخب السياسية قد ينجح في تجميد الصراع، لكنه لا يضمن إنهاء أسبابه بصورة نهائية".

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن "الجمع بين دور الوسيط ومورد السلاح يمثل التحدي الأكبر أمام باكستان، إذ إن تقديم نفسها بصفتها ضامنا لاستقرار تسوية سياسية تخدم أيضا مصالح شركائها العسكريين قد يمنحها نفوذا أكبر على المدى القصير، لكنه قد يقوض مصداقيتها ويضعف قدرتها على الوساطة مستقبلا".

عقبات لوجستية

على الجانب الآخر، يعتقد المعهد أن "البعد الأوراسي في الإستراتيجية الباكستانية أكثر ارتباطا بالمشروعات المادية والبنية التحتية، لكنه في الوقت نفسه لا يزال بعيدا عن الاكتمال".

ففي 15 يونيو/ حزيران 2026، بحث وزير السكك الحديدية الباكستاني حنيف عباسي مع الممثل التجاري الروسي دينيس نيفزوروف سبل تعزيز الاستثمارات، وتحديث شبكة السكك الحديدية، وتطوير أنظمة الإشارات، وتوسيع الشراكات المؤسسية بين البلدين.

وفي اليوم التالي، جددت باكستان وأوزبكستان تأكيدهما على أهمية ممر أوزبكستان-أفغانستان-باكستان باعتباره أحد أبرز مشروعات الربط الإقليمي. 

وفي السياق ذاته، أكد رئيس الوزراء شهباز شريف، في 20 يوليو، أن تحديث شبكة السكك الحديدية يعد شرطا أساسيا لتحويل باكستان إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.

وأشار التقرير إلى أن "أولى هذه البنى اللوجستية تعتمد على المسار الغربي الذي يربط باكستان بإيران وتركمانستان وكازاخستان وصولا إلى جنوب روسيا".

ويعتمد هذا المسار على خط السكك الحديدية الذي يبدأ من مدينة كويتا في جنوب غرب باكستان، مرورا بمعبر تافتان الحدودي إلى مدينة زاهدان الإيرانية، ثم يتجه شمالا إلى مدينة سراخس على الحدود مع تركمانستان، قبل أن يعبر غرب كازاخستان وصولا إلى الأراضي الروسية.

مع ذلك، أوضح المعهد أن "هذا المشروع يواجه عقبات تقنية ولوجستية متعددة، أبرزها اختلاف مقاييس السكك الحديدية في زاهدان، ما يفرض نقل البضائع من قطار إلى آخر".

كما "تبرز تحديات أخرى لا تقل أهمية، تشمل توحيد التعريفات الجمركية، وتوفير عربات الشحن، وتأمين عمليات النقل، وتبسيط الإجراءات الجمركية، والتعامل مع العقوبات الدولية، وضمان انتظام حركة القطارات".

أما المسار الثاني، فيتمثل في مشروع السكك الحديدية العابرة لأفغانستان، ففي يوليو 2025، وقعت أوزبكستان وأفغانستان وباكستان اتفاقا لإعداد دراسة جدوى مشتركة للمشروع الذي يستهدف ربط مدينة ترمذ الأوزبكية بالموانئ الباكستانية عبر الأراضي الأفغانية.

وتابع التقرير: "خلال عام 2026، واصلت كل من أوزبكستان وباكستان الترويج لهذا المشروع باعتباره ممرا قادرا على إحداث تحول في حركة التجارة الإقليمية".

إلا أنه شدد على أن "إنجاز دراسة الجدوى لا يعني بالضرورة تأمين التمويل اللازم للمشروع، كما أن تحديد مسار الخط لا يعني اقتراب دخوله مرحلة التشغيل الفعلي".

وبحسبه، "لا يزال المشروع يواجه تحديات كبيرة، تشمل الوضع الأمني في أفغانستان وغياب الاعتراف الدولي بالسلطات الحاكمة هناك وصعوبة جذب التمويل، فضلا عن طبيعة التضاريس وآلية توزيع المكاسب الاقتصادية بين الدول المشاركة".

في المحصلة، يعتقد التقرير أن "نجاح أي مشروع إقليمي سيظل مرهونا بتطوير البنية التحتية داخل باكستان نفسها، إذ إن الممرات الدولية لن تتجاوز كونها مشروعات على الورق ما لم يتم تحديث شبكة السكك الحديدية الوطنية".

وفي هذا السياق، أشار المعهد إلى أن شبكة "الخط الرئيسي-1 (ML-1)" تشكل العمود الفقري لحركة الركاب والبضائع داخل البلاد، بينما أعلنت الحكومة تنفيذ مشروعات لتطوير المقطع الممتد بين كراتشي وروهري، إلى جانب تحسين الربط السككي مع ميناء كراتشي.

وأضاف: كما يعد "الخط الرئيس-3" المؤدي إلى تافتان محوريا لربط باكستان بإيران وتركيا وروسيا، في حين لا يزال مشروع "الخط الرئيسي-4"، الذي يفترض أن يصل ميناء جوادر بشبكة السكك الحديدية الوطنية، في مرحلة التخطيط ولم يدخل حيز التنفيذ.

ووفق رأيه، فإن "هذا التفاوت يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في الإستراتيجية الباكستانية، إذ تستطيع إسلام آباد تشغيل قطارات تجريبية باتجاه الشمال، لكنها لم تستكمل بعد ربط ميناء جوادر -الذي يمثل حجر الزاوية في مشروعها الجيواقتصادي- بشبكة السكك الحديدية بصورة ناضجة وفعالة".

معضلة جوادر

ويأتي ميناء جوادر بصفته الركيزة الثالثة في الإستراتيجية الباكستانية، مستفيدا من موقعه الجغرافي المتميز على بحر العرب، إذ يقع قرب خطوط الملاحة في الخليج، فضلا عن كونه المحطة الجنوبية للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.

وبحسب المعهد، فإن شركة "تشاينا أوفرسيز بورتس هولدينغ" تتولى منذ عام 2013 إدارة الميناء، فيما شهدت المنطقة تطوير عدد من المشروعات ضمن إطار الممر الاقتصادي، من بينها المنطقة الحرة، وطريق "إيست باي" السريع، والمطار الدولي الجديد، إضافة إلى عدد من المرافق المدنية.

وأردف: "يشير الموقع الرسمي للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني إلى اكتمال أعمال الميناء، والمرحلة الأولى من المنطقة الحرة، والطريق السريع، والمطار الدولي، في حين لا تزال مشروعات أخرى، مثل أعمال تعميق الميناء، وحواجز الأمواج، وبعض مشروعات الطاقة، قيد التنفيذ أو التطوير".

وفي المقابل، تظهر بيانات هيئة ميناء جوادر، التي اطلع عليها المعهد في يوليو 2026، أن الميناء استقبل أو سجل رسو عشر سفن بين نهاية مارس/ آذار وبداية يوليو، بحمولة إجمالية بلغت 194304 أطنان، إلى جانب سبع سفن كانت تنتظر في منطقة المخطاف.

وفي تحليله لهذه الأرقام، يعتقد التقرير أنها "تعكس وجود نشاط فعلي في الميناء، خاصة في شحنات الصلب والآلات والبضائع العامة، لكنها لا تمثل دليلا على بلوغ جوادر مستوى الموانئ الإقليمية الكبرى من حيث حجم المناولة السنوية أو انتظام خدمات الحاويات".

ومن ثم، يقدر أنه "ينبغي النظر إليها بصفتها مؤشرا على بدء النشاط التجاري، وليس دليلا على اكتمال النضج الاقتصادي للميناء".

في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن جوادر "يواجه معضلة معروفة في مشروعات البنية التحتية، إذ جرى تطوير الميناء قبل توافر قاعدة اقتصادية قوية في المناطق الداخلية المحيطة به".

وبحسب وجهة نظره، "لكي يتحول جوادر إلى مركز لوجستي متكامل، يحتاج إلى شبكة سكك حديدية فعالة ومراكز للخدمات اللوجستية وأنظمة جمركية رقمية وإمدادات مستقرة من الطاقة والمياه وخدمات تأمين ومشغلين دوليين، فضلا عن وجود تدفقات تجارية متوازنة في الاتجاهين".

فضلا عن ذلك، لفت التقرير إلى أن "إقليم بلوشستان يفرض بدوره تحديات أمنية وسياسية إضافية، إذ شهد في يناير/ كانون الثاني 2026 هجمات منسقة طالت مدينة جوادر، فيما واصلت الجماعات الانفصالية البلوشية استهداف قوات الأمن والعاملين والمصالح الصينية".

وعليه، خلص المعهد إلى أن "التحدي لا يقتصر على حماية الميناء نفسه، بل يمتد إلى تأمين آلاف الكيلومترات من الطرق وخطوط السكك ومواقع البناء وقوافل النقل، ومن ثم فإن أي إستراتيجية للممرات الاقتصادية لا تحقق توزيعا عادلا للمكاسب قد تحول البنية التحتية إلى أهداف للهجمات".

تعدد المسارات

من منظور تحليلي أشمل، يرى المعهد أن "أبرز ما يميز المقاربة الباكستانية الجديدة لا يتمثل في استبدال شريك دولي بآخر، وإنما في محاولة التوفيق بين علاقات تنتمي إلى منظومات جيوسياسية متنافسة".

وتابع موضحا: "فالصين لا تزال الداعم الرئيس لمشروعات البنية التحتية ضمن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، وتعد حماية العاملين الصينيين شرطا أساسيا لا يمكن التنازل عنه".

وأضاف: "وفي الوقت نفسه، توفر روسيا لباكستان فرصا للتعاون في مجالات الطاقة وتقنيات السكك الحديدية، فضلا عن تسهيل انخراطها في الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب".

أما الولايات المتحدة، فيعتقد التقرير أنها "ترى في إسلام آباد شريكا يمكن أن يؤدي دورا في الوساطة الإقليمية وتعزيز الاستقرار، كما سعت باكستان خلال يوليو/ تموز 2026 إلى الحصول على دعم مالي أميركي لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي".

"في حين تجمع السعودية بين دورها كشريك أمني رئيس، وقدرتها على تقديم الدعم المالي، واهتمامها بالملف الليبي، بينما تمتلك كل من تركيا وقطر قنوات اتصال مؤثرة داخل ليبيا، وتعدان باكستان شريكا في مجالي التعاون العسكري والدبلوماسي"، وفق تحليله.

وبحسب تقديره، "تمنح هذه السياسة باكستان هامشا واسعا للمناورة، طالما ظلت جميع الأطراف تنظر إليها باعتبارها شريكا مفيدا، لا طرفا منحازا إلى محور بعينه".

وانطلاقا من ذلك، وصف التقرير "السياسة الخارجية الباكستانية بأنها تقوم على تعدد المسارات في ظل قيود، أي أنها لا تستند إلى الحياد التقليدي، بل إلى إدارة متوازنة للعلاقات المتشابكة والاعتماد المتبادل مع القوى المختلفة".

ويعتقد أن "باكستان تمتلك عددا من المزايا التي تمنحها أفضلية مقارنة بدول تؤدي أدوارا مشابهة، مثل قطر وسلطنة عمان، وفي مقدمتها حجمها السكاني، وقدراتها العسكرية، وصناعاتها الدفاعية، وموقعها الجغرافي".

في المقابل، لفت إلى أن "هشاشة الاقتصاد الباكستاني تبقى أبرز نقاط الضعف في هذه الإستراتيجية".

ومع أنه قدر أن "تبنّي سياسة خارجية تقوم على تعزيز المكانة الجيوسياسية قد يسهم في جذب الاستثمارات والدعم المالي"، لكنه "قد يفرض في الوقت نفسه أعباء إضافية على دولة لا تزال بحاجة إلى مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاعتماد على التمويل الخارجي"، وفقا له.

رصيد اقتصادي

وفي إطار تحليله للنهج الباكستاني، رجح التقرير أن إسلام آباد "تسعى إلى تحويل إحدى أبرز نقاط قوتها التاريخية، والمتمثلة في قدراتها العسكرية وشبكة علاقاتها الأمنية واتصالاتها مع أطراف يصعب الوصول إليها، إلى رصيد دبلوماسي واقتصادي يعزز مكانتها الدولية".

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن إسلام آباد "لا تستطيع منافسة الصين أو روسيا أو دول الخليج من حيث حجم الموارد المالية المتاحة، لكنها تمتلك مزيجا من المقومات التي لا تتوافر إلا لدى عدد محدود من الدول".

يشمل، وفقا له، "جيشا محترفا، وصناعات دفاعية منخفضة التكلفة نسبيا، وعلاقات وثيقة مع الصين، وقنوات حوار مع الولايات المتحدة، وصلات مباشرة مع إيران، وشراكة إستراتيجية مع السعودية، فضلا عن موقع جغرافي يربطها بآسيا الوسطى".

"ومن هذا المنطلق، ينسجم انخراط باكستان في الوساطة الليبية مع هذا التوجه، إذ يسمح لها بتحويل علاقاتها العسكرية إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي"، بحسب تحليله.

وطرح التقرير فرضية ثانية، مفادها أن باكستان "لا تسعى إلى تقديم ميناء جوادر بصفته مشروعا صينيا حصريا، وإنما كمنصة يمكن أن تربط بين مبادرة "الحزام والطريق" والممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب".

ويرى أن "الجمع بين مشروع تقوده الصين وآخر تدعمه روسيا وإيران والهند يمنح جوادر قيمة جيوسياسية إضافية، لأنه يقلل من فرص تشكل تكتلات مغلقة، ويتيح لباكستان تقديم نفسها بصفتها حلقة وصل بين مشاريع متنافسة، من دون الانضمام الكامل إلى أي منها".

وأشار إلى أن "هذا التوجه يفسر انفتاح إسلام آباد على الاستثمارات الأميركية في قطاع السكك الحديدية، وتكثيف الحوار مع موسكو، إضافة إلى فتح الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني أمام مشاركة أطراف أخرى".

أما الفرضية الثالثة، فتتعلق بالبعد الاقتصادي لهذه السياسة؛ إذ يرى التقرير أن "الدبلوماسية القائمة على الوساطة قد تتحول إلى أداة للحصول على دعم اقتصادي، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وجذب الاستثمارات الخارجية".

وفي هذا الإطار، ذكر أن "طلب باكستان، الذي كشفت عنه وكالة رويترز في يوليو/ تموز 2026، بالحصول على دعم أميركي لتعزيز استقرار عملتها، يعكس مدى الترابط بين السياسة الخارجية والاحتياجات الاقتصادية الداخلية".

ومن ثم، خلص التقرير إلى أن "تعزيز المكانة الجيوسياسية لا يمثل هدفا سياسيا مجردا، بل يشكل وسيلة لخفض كلفة الاقتراض السيادي وتحسين قدرة الدولة على جذب التمويل".

وحول السيناريوهات المستقبلية، يفترض التقرير في السيناريو الأفضل أنه "خلال الفترة بين عامي 2026 و2029، ستنجح باكستان في استكمال المراحل ذات الأولوية من مشروعي "الخط الرئيسي-1" و"الخط الرئيسي-3"، وتبدأ ربط ميناء جوادر بشبكة السكك الحديدية".

إلى جانب "تشغيل خدمة منتظمة لنقل البضائع إلى روسيا، وتحويل مشروع السكك الحديدية العابرة لأفغانستان من مرحلة دراسة الجدوى إلى مشروع قابل للتمويل".

كما يفترض أن "تثمر الوساطة في ليبيا عن التوصل إلى حد أدنى من التوافق، يشمل اعتماد موازنة موحدة وآليات للتعاون في قطاع الطاقة، من دون أن يكون ذلك على حساب المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة".

ويقدر التقرير أن "تحقيق هذه الأهداف سيعزز مكانة جوادر كميناء قادر على جذب البضائع القادمة من آسيا الوسطى، ويخفض المخاطر اللوجستية، ويزيد صادرات الخدمات والصناعات الدفاعية، ويوسع فرص الحصول على الاستثمارات الصينية والخليجية والغربية، بما يسمح بتحويل المكانة الجيوسياسية إلى مكاسب اقتصادية وفرص عمل ونفوذ تفاوضي".

ويتمثل السيناريو الثاني والذي جاء بعنوان "سيناريو الاستقرار"، فيفترض أن "تحقق الوساطة في ليبيا تقدما محدودا يتمثل في استمرار الحوار وإبرام تفاهمات جزئية، من دون الوصول إلى إعادة توحيد البلاد، بينما تستمر خطوط السكك الحديدية في العمل على نطاق محدود من خلال خدمات تجريبية أو لنقل أنواع محددة من البضائع".

وتابع: وفي الوقت نفسه، يواصل ميناء جوادر نموه بوتيرة تدريجية اعتمادا على الشحنات الحكومية والصينية والصناعية، من دون أن يتحول إلى مركز إقليمي رئيسي لحركة الحاويات".

وبحسب رأيه، "يمنح هذا السيناريو باكستان قدرا أكبر من السمعة الدولية والعقود التجارية، لكنه لا يوفر لها عوائد اقتصادية مستدامة، كما تبقى شبكتها اللوجستية غير قادرة على منافسة ميناء كراتشي وميناء بورت قاسم، في حين تظل الممرات الشمالية معتمدة على الحوافز الحكومية والاتفاقيات الثنائية".

أما السيناريو الأسوأ فيفترض أن "يؤدي تصاعد العنف في بلوشستان أو أفغانستان إلى تعطيل مشروعات البنية التحتية وحركة القطارات، بينما تؤدي العقوبات المفروضة على إيران وحظر السلاح على ليبيا إلى خلق أعباء قانونية إضافية، بالتزامن مع تراجع الثقة في الوساطة الباكستانية إذا جرى النظر إليها باعتبارها غطاء لدعم معسكر خليفة حفتر".

ووفق هذا السيناريو، حذر التقرير من أن "باكستان قد تجد نفسها أمام ضغوط مالية متزايدة نتيجة توسعها في مشروعات تفوق قدراتها الاقتصادية".

ومن ثم، رجح أن "هذه التطورات قد تؤدي إلى استمرار ضعف الاستفادة من ميناء جوادر، وتشديد الصين متطلبات الأمن، وتراجع الدعم الغربي، وبقاء خطوط النقل إلى روسيا في إطار المشروعات التجريبية".

"في حين ترتفع أعباء الدين دون تحقيق عوائد اقتصادية كافية، لتتحول المكانة الجيوسياسية التي تطمح إليها باكستان إلى مصدر جديد للهشاشة"، وفق تعبيره.

في المحصلة، أكد التقرير أن "التحولات التي يشهدها النظام الدولي تمنح الدول المحورية فرصة لتعزيز مكانتها من خلال الربط بين الكتل المتنافسة".

وفي هذا السياق، يعتقد أن "باكستان بما لديها من موقع جغرافي، وقدرات عسكرية، وعلاقات متشعبة، مقومات تؤهلها لمحاولة أداء هذا الدور".

واستدرك: "إلا أن نجاحها سيظل رهنا بقدرتها على تقليص الفجوة بين طموحاتها وإمكاناتها التنفيذية، وتحويل مشروعاتها من مجرد تصورات إستراتيجية إلى ممرات تجارية موثوقة وقابلة للاستمرار".