فوضى أمنية وإعادة تشكيل الجنوب اليمني.. أي مستقبل غامض ينتظر المجلس الانتقالي؟

مصطفى كمال | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تشهد المحافظات الجنوبية في اليمن منذ مطلع عام 2026 تصاعدًا ملحوظًا في الاضطرابات الأمنية، في ظل تزايد حوادث الاغتيال والهجمات المسلحة والاستهدافات التي تطال منشآت عسكرية وشخصيات سياسية وأمنية، إلى جانب ظهور لافت للطائرات المسيّرة فوق مواقع سيادية ومنشآت حيوية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة التهديدات التي تواجه الجنوب وقدرة السلطات على احتوائها.

وفي أحدث مؤشر على هذا التصعيد، شهدت مدينة عدن في 11 يونيو الجاري انفجارًا عنيفًا داخل مخزن للأسلحة تابع لمعسكر ألوية العمالقة الجنوبية في منطقة الممدارة، أسفر عن مقتل 13 جنديًا وإصابة العشرات، وسط تضارب الروايات حول أسباب الحادث بين فرضية التماس الكهربائي واحتمالات الاستهداف الخارجي.

ولم تمض سوى ساعات حتى شهدت عدن حادثة أخرى أثارت صدمة واسعة، عندما أقدم أحد أفراد الحراسة في منزل محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، في 12 يونيو، على إطلاق النار بشكل عشوائي، ما أدى إلى مقتل جندي وطبيب سوري وزوجته قبل أن تنهي الأجهزة الأمنية الحادثة بقتل المنفذ.

وفي حضرموت، اتسعت دائرة المخاوف الأمنية مع تزايد نشاط الطائرات المسيّرة مجهولة المصدر. ففي 9 يونيو، رُصد تحليق مكثف لطائرات مسيّرة فوق منشآت سيادية ونفطية، من بينها شركة بترومسيلة وميناء الضبة، وذلك بعد أيام من استهداف مقر إقامة عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي بثلاث طائرات مسيّرة دون وقوع إصابات.

وسبق ذلك، في 4 يونيو، إعلان السلطات الأمنية في المحافظة رفع مستوى الجاهزية القتالية بعد رصد ثلاث طائرات هجومية حاولت استهداف مواقع حيوية ومنزل المحافظ، بالتزامن مع اغتيال ضابط شرطة في مديرية سيئون.

وامتدت موجة الاغتيالات إلى محافظات أخرى؛ إذ اغتال مسلحون يُشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة الضابط في قوات الأمن الوطني عدلي محروق في مديرية مودية بمحافظة أبين، بينما قُتل محمد الحامدي، نجل مدير أمن المكلا الأسبق، إثر تعرضه لإطلاق نار قرب منزله في مدينة المكلا.

وفي أبريل، اغتال مسلحون مجهولون القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح والشخصية التربوية الدكتور عبد الرحمن الشاعر في مدينة عدن، بينما أعلنت السلطات الأمنية في اليوم التالي ضبط خلية وصفتها بالإرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية.

المواجهة مع الانتقالي والإمارات

أدى تصاعد الفوضى الأمنية التي شهدتها المحافظات الجنوبية خلال الأسابيع الأخيرة إلى إعادة توجيه بوصلة المواجهة السياسية نحو المجلس الانتقالي الجنوبي وحليفته الإمارات، بعدما باتت الحكومة اليمنية والسعودية تنظران إلى تشكيلات المجلس الانتقالي التي ترفض الدمج بصفتها أحد أبرز أسباب تفاقم المشكلة الأمنية في الجنوب.

وفي المقابل، بدا لافتًا تراجع حضور تنظيم القاعدة في دائرة الاتهامات المباشرة؛ إذ يرى مراقبون أن قدراته الحالية لا تتناسب مع حجم وتعقيد بعض الأحداث الأمنية الأخيرة، فضلاً عن أن التنظيم ظل، وفق اتهامات متداولة في الأوساط السياسية اليمنية، إحدى الأوراق التي استُخدمت من قبل الإمارات، خلال السنوات الماضية، في إدارة الصراعات المحلية، وتعزيز شرعيتها لدى الأطراف الدولية كشريك في مكافحة الإرهاب في اليمن.

في هذا الإطار، يرى الباحث عبد الرزاق الجمل-المتخصص بشؤون الإرهاب في اليمن- أن الإمارات انتهجت استراتيجية مزدوجة في اليمن، جمعت بين توظيف ملف مكافحة الإرهاب والاعتماد على المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوى محلية حليفة لإعادة تشكيل موازين القوى في الجنوب واليمن عموماً.

وبحسب الجمل، حوّلت أبوظبي ملف الإرهاب من قضية أمنية إلى أداة سياسية وعسكرية لإعادة هندسة المشهد الداخلي بما يخدم نفوذها. ويشير إلى أنه منذ عام 2019، ومع تراجع الدور الأميركي، أصبحت الإمارات تتولى تنفيذ معظم الغارات بالطائرات المسيّرة، مستهدفة في كثير من الأحيان أهدافاً محدودة التأثير، بهدف إبقاء ملف الإرهاب حاضراً في المشهد اليمني وتبرير استمرار تدخلها وتعزيز نفوذ حلفائها وتسويغ تمددهم الجغرافي.

وكشف الجمل عن تشكيل الامارات خلايا اغتيالات عملت تحت غطاء مكافحة الإرهاب، بينما كانت مهمتها الفعلية استهداف شخصيات سياسية لإعادة ترتيب موازين القوى لصالح وكلاء أبوظبي. 

ويضيف الجمل أن الإمارات اعتمدت على شخصيات أمنية (مثل عمار صالح، شقيق طارق صالح) لإدارة شبكات الولاءات القبلية والسياسية، كما وظّفت المجلس الانتقالي لتحريك الشارع الجنوبي والضغط سياسياً، والعمل على إبقاء بعض المناطق في حالة من عدم الاستقرار بما يعرقل جهود ترسيخ سلطة الدولة وتحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

ويخلص الباحث إلى أن هذه السياسة تمثل، بحسب وصفه، "حرباً على الخصوم والجغرافيا" تُدار تحت غطاء مكافحة الإرهاب، حيث يُستخدم التنظيم كأداة سياسية لتكريس نفوذ الوكلاء المحليين وإبقاء اليمن دولة ضعيفة ومجزأة، تمتلك مؤسسات شكلية أكثر من امتلاكها سلطة فعلية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم التصعيد الحكومي والسعودي ضد المجلس الانتقالي والإمارات بصفته جزءًا من مسعى أوسع لإعادة هيكلة المشهد الأمني والسياسي في الجنوب، فمع اتساع رقعة الفوضى الأمنية، لم يعد يُنظر إلى الانتقالي بصفته شريكًا يمكن احتواؤه، بل بصفته جزءًا من المشكلة الأمنية نفسها، فيما باتت الإمارات تُتهم بتكريس حالة تعدد مراكز النفوذ وإضعاف مؤسسات الدولة عبر رعايتها لتشكيلات موازية. وبذلك، لا يبدو التصعيد السعودي مجرد تحجيم للانتقالي وحسب، بل ومحاولة ضرورية لإنهاء مرحلة النفوذ الإماراتي في الجنوب.

إجراءات الشرعية

إزاء هذه البيئة الأمنية المتفجرة واستمرار الخطاب التحريضي العنيف لقيادات الانتقالي، ضد قيادة الشرعية والمملكة التي تتهمها بالوصاية على اليمن، ورفض تسليم السلاح، ودعم مجاميع مسلحة من شأنها تهديد السلم الأهلي والإضرار بالعملية الانتقالية وجهود تحقيق التسوية الشاملة في البلاد، وكذا الاستمرار في تحريض الشارع الجنوبي بما يهدد السلم الاجتماعي للجنوب، سارعت الحكومة اليمنية-مدفوعة بضوء أخضر إقليمي- إلى شن هجوم سياسي وقانوني مضاد ضد المجلس الانتقالي:

فعلى الصعيد المحلي، أصدر النائب العام قرارًا بالحجز التحفظي على أموال الانتقالي وحساباته المصرفية لدى البنوك وشركات الصرافة، ومنع أي تصرف بها إلى حين استكمال التحقيقات المتعلقة بشبهات فساد وغسل أموال واستعادة الأصول العامة التي يُتهم الانتقالي بالاستيلاء عليها.

كما توسعت الإجراءات لتشمل استبعاد شخصيات محسوبة على الانتقالي من مؤسسات الدولة، وإجراء تغييرات إدارية في عدد من الوزارات والمؤسسات المدنية، إلى جانب وقف مرتبات قيادات عسكرية مرتبطة به.

أما على الصعيد الدولي، فقد طلبت الحكومة اليمنية رسميًا من مجلس الأمن الدولي إدراج رئيس المجلس عيدروس الزبيدي وعدد من معاونيه على قائمة العقوبات الأممية، متهمة إياهم بالانخراط في أعمال تهدد العملية السياسية وتقوض مؤسسات الدولة وتسعى إلى فرض وقائع أحادية بالقوة.

وتشير هذه الإجراءات إلى أن الحكومة انتقلت من سياسة الاحتواء والشراكة إلى سياسة تفكيك البنية السياسية والمالية للمجلس الانتقالي وإضعاف مصادر نفوذه بصفته خطرا يهدد السلم الأهلي.

رد المجلس الانتقالي

قابل المجلس الانتقالي الإجراءات الحكومية بتصعيد سياسي وإعلامي واسع؛ حيث رفض القرارات الحكومية وعدها استهدافًا سياسيًا، واتهم السعودية بممارسة ما وصفه بـ"الوصاية" على الجنوب، كما رفض طلب إدراج قياداته على قوائم العقوبات الدولية وعده محاولة لتصفية خصوم سياسيين عبر المؤسسات الدولية.

ورأى الانتقالي في بيان له أن الهدوء النسبي الحالي في المحافظات الجنوبية هو نتاج لسياسة ضبط النفس التي يمارسها المجلس، مهدداً بالتصعيد والمواجهة رداً على ما وصفه بـاستمرار الوضع القائم المفروض بالقوة العسكرية والسياسية.

كما وجه اتهامات إلى الحكومة التي وصفها بأنها تعمل تحت وصاية سعودية، محذرًا من المضي فيما عده مسارًا خاطئًا، ومتوعدًا بخيارات تصعيدية خلال المرحلة المقبلة.

ودعا المجلس المجتمع الدولي إلى التدخل وإعادة النظر في إدارة السعودية للملف اليمني، مدعيًا أن سياساتها تقود إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. 

في الوقت نفسه، لجأ المجلس إلى إعادة تنشيط حضوره الشعبي عبر الدعوة إلى تظاهرات وحشود جماهيرية في عدن وحضرموت، في محاولة لإثبات أنه لا يزال يمتلك قاعدة شعبية مؤثرة وأنه لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة.

وكشفت مصادر سياسية ومحلية عن تحركات سياسية وميدانية نفذها المجلس الانتقالي خلال الأيام القليلة الماضية لإعادة ترتيب صفوفه وهياكله التنظيمية تحت غطاء مكونات ومسميات بديلة، انطلاقًا من محافظة شبوة، عبر ما يسمى "مؤتمر شبوة الشامل" بدعم من محافظ المحافظة عوض الوزير.

في حين اتهمت وسائل إعلام وإعلاميون موالون للانتقالي الحكومة بالتحالف مع خلايا إرهابية تهدف إلى نشر الفوضى في الجنوب. وعدوا إجراءات الحكومة "مسرحية سخيفة" لشرعنة إقصاء المكونات الجنوبية وتجريدها من مكاسبها العسكرية تحت لافتة مكافحة الإرهاب والدمج العسكري.

الرد الاماراتي

سارت الإمارات في مسارين متوازيين لاحتواء تداعيات الإجراءات الحكومية ضد حليفها، المجلس الانتقالي الجنوبي. فعلى المستوى الدبلوماسي والسياسي، كثّفت تحركاتها عبر بعثتها لدى مجلس الأمن، وأجرت مشاورات مع المبعوث الأممي إلى اليمن، مؤكدة دعمها لمسار الحل السياسي، في وقت أفادت فيه مصادر دبلوماسية بأن هذه المشاورات تناولت تحركات سعودية محتملة لإدراج قيادات في المجلس الانتقالي على قائمة العقوبات الدولية.

وفي المقابل، برز مسار أمني وميداني تمثل -بحسب اتهامات وتقارير محلية- في تحريك أدواتها العسكرية والأمنية للحفاظ على نفوذ حليفها في الجنوب. وشمل ذلك اتهامات بالإيعاز إلى قوات موالية لها، من بينها اللواء الأول دعم وإسناد، بتوتير الأوضاع الأمنية، وكان من أبرز الحوادث استهداف قائد قوات الطوارئ في أبين العقيد خالد صالح مهيم بإطلاق النار على سيارته وعائلته عند مدخل مديرية المحفد.

وبالتوازي مع ذلك، مارست أبوظبي ضغوطاً للإبقاء على استقلالية التشكيلات العسكرية الموالية لها، مع التلويح بورقة الفوضى الأمنية والاغتيالات لإيصال رسالة مفادها أن إضعاف المجلس الانتقالي أو استبعاده قد يدفع الجنوب نحو مزيد من الاضطراب. ويعكس هذا النهج إدراك الإمارات أن خسارة المجلس الانتقالي لا تعني فقدان حليف سياسي فحسب، بل خسارة إحدى أهم أدوات نفوذها الإستراتيجي في جنوب اليمن.

التنافس السعودي-الاماراتي

أصبح جنوب اليمن ساحة مفتوحة لتنافس سعودي-إماراتي تحكمه تقديرات الأمن والنفوذ. فبينما تسعى الإمارات إلى ترسيخ حضورها في الموانئ والجزر الإستراتيجية عبر حلفائها المحليين، تعمل السعودية على حماية عمقها الأمني ومنع نشوء كيانات مسلحة مستقلة على حدودها الجنوبية.

وتكشف التطورات الأخيرة أن السعودية انتقلت من سياسة احتواء المجلس الانتقالي داخل منظومة الشرعية إلى إستراتيجية أوسع تقوم على إعادة هندسة المشهد الجنوبي وتقليص احتكاره للتمثيل السياسي والعسكري.

وتستهدف هذه المقاربة إنهاء ازدواجية السلطة، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت مظلة الدولة، وتأمين المحافظات الشرقية، ومنع أي مشروع انفصالي قد يعرقل ترتيبات التسوية الإقليمية المقبلة، فضلاً عن بناء مشهد سياسي جنوبي أكثر تعددية وأقل ارتباطاً بالإمارات.

وفي هذا الإطار، برزت تحركات سعودية لرعاية حوار جنوبي-جنوبي، والدفع بصعود قوى وشخصيات جديدة، من بينها "مجلس المستقبل الجنوبي" بقيادة فادي باعوم، و"المجلس الوطني الحضرمي"، إلى جانب إعادة تمكين شخصيات جنوبية لا تنتمي إلى المجلس الانتقالي، في محاولة لإعادة توزيع موازين النفوذ داخل الجنوب.

وتعكس هذه التحركات في جوهرها تنافساً أعمق بين الرياض وأبوظبي يتجاوز مستقبل المجلس الانتقالي نفسه إلى اختلاف الرؤيتين تجاه اليمن؛ فبينما تسعى السعودية إلى تثبيت سلطة الدولة ومنع نشوء كيانات مسلحة مستقلة قد تهدد أمنها القومي أو تعرقل تفاهماتها الإقليمية، تنظر الإمارات إلى الجنوب بصفته مجالاً إستراتيجياً لمصالحها البحرية والاقتصادية والجيوسياسية الممتدة من خليج عدن إلى البحر الأحمر.

ورغم حدة هذا التنافس، فإن المؤشرات لا ترجح تحوله إلى صدام مباشر، بل إلى منافسة طويلة الأمد تُدار عبر أدوات سياسية وعسكرية غير مباشرة داخل الساحة اليمنية.

مستقبل الجنوب والانتقالي

يرى مراقبون أن الجنوب اليمني يتجه نحو حالة من الهشاشة الأمنية المزمنة، بفعل تعدد مراكز النفوذ، وضعف مؤسسات الدولة، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، واستمرار الاستقطابات الإقليمية والسياسية، كما أن استمرار سطوة المجلس الانتقالي والإبقاء على النفوذ الإماراتي في الجنوب سيؤدي إلى مزيد من تدهور الوضع الأمني وتقويض سلطة الحكومة الشرعية.

وفي هذا السياق، حذّر عدد من القيادات الجنوبية، من بينهم وزير النقل الأسبق، صالح الجبواني، من أن ترك الجنوب رهينة للمشاريع المسلحة المتنافسة سيُضعف مؤسسات الدولة ويقود إلى مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار. 

وانتقد الجبواني، سعي البعض للحوار مع الانتقالي أو قصر المسؤولية على عيدروس الزُبيدي، رافضًا مسألة إعادة تسويق مشروع ثبت فشله. وقال على حسابه في منصة «فيسبوك»: "إذا كان المجلس الانتقالي قد انتهى عملياً، فلماذا يسعى البعض إلى بعثه من جديد تحت مسميات ومبادرات مختلفة مثل الحوار وغيره".

واستغرب بعد كل ما حصل "الإصرار على إبقاء المجلس الانتقالي حاضراً في المشهد السياسي بوصفه كتلة واحدة متماسكة، من خلال اللقاءات والحوارات والفعاليات السياسية المتكررة التي تظهر قيادته ككتلة واحدة في الرياض وكأن شيئاً لم يتغير".

ويرى الجبواني "أن الانتقالي هُزم وحُل وانتهى أمره ككيان سياسي كان يُقدَّم بصفته الممثل الحصري للجنوب»، مقدرة "أي محاولة لإعادة تجميعه أو إعادة منحه حياة سياسية جديدة تحت أي مسمى هي عودة مباشرة إلى المربع الذي أوصلنا إلى كل هذه الأزمات".

في هذا الإطار، يرى مهتمون بالشأن الجنوبي أن المجلس الانتقالي الجنوبي يواجه اليوم أخطر اختبار سياسي وأمني منذ تأسيسه عام 2017، بالتزامن مع ثلاث تحولات رئيسة: تصاعد الفوضى الأمنية، وتبدل المقاربة السعودية تجاهه، وتزايد الضغوط الحكومية الرامية إلى تفكيك مصادر نفوذه السياسي والمالي والعسكري.

فبعد سنوات من التعامل معه كشريك ضمن معادلة الشرعية، يبدو أن الرياض انتقلت إلى مرحلة جديدة تقوم على إعادة هندسة المشهد الجنوبي وإنهاء احتكار المجلس لتمثيل الجنوب سياسياً وعسكرياً، عبر الدفع بقوى جنوبية بديلة أكثر ارتباطاً بالدولة وأقل التصاقاً بالمشروع الإماراتي.

ومع أن المجلس لا يزال يمتلك أدوات نفوذ مهمة، تشمل تشكيلات عسكرية وقاعدة شعبية وشبكات دعم إماراتية، إلا أن قدرته على فرض نفسه بصفته الممثل الحصري للجنوب تشهد تراجعاً واضحاً، بالتزامن مع صعود مشاريع سياسية جنوبية منافسة برعاية سعودية.

وعليه، لا تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لسقوط المجلس الانتقالي بشكل كامل، بقدر ما تشير إلى انتقاله من موقع القوة المهيمنة إلى موقع أحد الفاعلين ضمن مشهد جنوبي أكثر تعددية وأقل احتكاراً للسلطة.

أما إذا استمرت الفوضى الأمنية وتصاعدت الإجراءات الحكومية والسعودية بوتيرتها الحالية، فإن المجلس سيجد نفسه أمام ثلاث خيارات صعبة: القبول بإعادة الاندماج داخل مؤسسات الدولة، أو التحول إلى قوة معارضة جنوبية محدودة النفوذ، أو الذهاب نحو مسار تصعيدي قد يفاقم حالة عدم الاستقرار ويهدد ما تبقى من نفوذه السياسي.


المصادر