الخط الأصفر من جديد.. لماذا تدرس إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان؟

إسرائيل تخشى من تفاهمات أميركية إيرانية تقوّض أشهراً من الجهود لإضعاف حزب الله
في ظل مؤشرات متزايدة على نجاح جهود تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، تحدثت تقارير غربية وعبرية عن احتمال إقدام جيش الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ انسحابات محدودة ورمزية من عدد من بلدات الجنوب اللبناني، والعودة إلى ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي أعلن عنه في أبريل/نيسان 2026، قبل أن يتجاوزه بعد شهرين.
وأثارت هذه التسريبات تساؤلات بشأن ما إذا كانت تلك الانسحابات تمهد لانسحاب أوسع من جنوب لبنان، ومدى قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها على الحكومة الإسرائيلية، في وقت تخشى فيه تل أبيب أن يُنظر إلى أي تراجع ميداني على أنه انتصار سياسي يحققه "حزب الله" اللبناني.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ عقب التفاهمات الأميركية الإيرانية في 22 يونيو/حزيران الجاري، واصلت إسرائيل خروقاتها الميدانية؛ إذ شنت طائرة مسيّرة إسرائيلية، في 24 يونيو، غارة استهدفت مركبة على طريق طلعة الدبشة قرب بلدة كفر رمان جنوبي لبنان، ما أسفر عن مقتل شخصين كانا على متنها، بحسب ما أفادت به الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية.

انسحابات رمزية
في التفاصيل، كشفت شبكة "سي إن إن" الأميركية، في 22 يونيو/حزيران، نقلا عن مصدر إسرائيلي لم تسمّه، أن إسرائيل تدرس الإعلان عن انسحابات "رمزية" من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، كبادرة قبيل محادثات مرتقبة مع الحكومة اللبنانية.
وتتمثل هذه الخطوة في سحب بعض القوات من مناطق محدودة على طول ما يسمى بـ"الخط الأصفر"، الذي يشير إلى حدود الأراضي التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي بعد وقف إطلاق النار السابق في أبريل/نيسان الماضي.
وأوضح المصدر أن الفكرة نوقشت قبل أيام من المحادثات بين إسرائيل ولبنان، المقرر عقدها برعاية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن.
وبحسب المصدر، فإن إسرائيل تدرس تنفيذ انسحاب محدود كـ"بادرة حسن نية" تجاه الحكومة اللبنانية، بهدف إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي وفصل الساحة اللبنانية عن مسار التفاهمات الأميركية الإيرانية.
وفي السياق ذاته، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يتجه خلال الأيام المقبلة إلى تقليص وجوده العسكري في جنوب لبنان، بعد إعلانه استكمال معظم المهام الهجومية، وذلك بالتزامن مع الاجتماع المرتقب بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي.
بدورها، أفادت القناة 12 الإسرائيلية، في 22 يونيو/حزيران، بأن الجيش الإسرائيلي يدرس السماح للجيش اللبناني بالسيطرة على مجمع أنفاق تابع لـ"حزب الله".
كما نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي لم تسمّه أن الوفدين الإسرائيلي واللبناني سيحددان خلال محادثاتهما المناطق التجريبية التي ستُنقل إلى سيطرة الجيش اللبناني، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي سيضطر إلى تنفيذ انسحاب جزئي من الخط الأصفر.
في المقابل، برزت تصريحات إسرائيلية متشددة تؤكد رفض أي انسحاب من جنوب لبنان، وهو ما عبّر عنه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وكذلك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ودعا بن غفير إلى تحويل لبنان إلى "ساحة مفتوحة" للجيش الإسرائيلي، مؤكدا أنه لا يقبل بأي قيود أميركية على العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك.
وقال: "إذا طلب ترامب من نتنياهو مغادرة لبنان، فيجب أن يكون الرد: سيدي الرئيس، لا".
ورأى أن التمييز بين لبنان كدولة و"حزب الله" كتنظيم هو "تمييز مصطنع لا يمكن قبوله"، مطالبا بجعل كامل الأراضي اللبنانية هدفا مباشرا للعمليات العسكرية الإسرائيلية دون استثناء.
وتأتي هذه المعطيات بالتوازي مع معلومات أولية عن إعادة تموضع للقوات الإسرائيلية وانسحابها من بلدة أرنون ومحيط منطقة علي الطاهر باتجاه بساتين الزيتون قرب محطة مرقص وبلدة القنطرة جنوبا، رغم أن هذه المعلومات لم تؤكد رسميا حتى الآن.

تمهيد لانسحاب أوسع؟
تعليقا على ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي اللبناني وائل نجم: إن "من الواضح أن واشنطن فرضت على إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار، سواء في إطار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل أو ضمن مسار التفاهمات الأميركية الإيرانية".
وأضاف نجم، في حديث لـ"الاستقلال"، أن "الانسحاب الجزئي أو الرمزي من جنوب لبنان يمكن أن يمهد لانسحاب أوسع، خاصة إذا سارت المفاوضات في اتجاه إيجابي".
وتابع: "الولايات المتحدة قادرة على فرض رؤيتها على إسرائيل، وقد أثبتت التجربة الأخيرة في ملف وقف إطلاق النار ذلك، رغم محاولات تل أبيب المتكررة لإفشال مسارات التفاوض".
ولفت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يخشى من أن تعقد الولايات المتحدة تسويات مع إيران على حسابه؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى تعزيز نفوذ حلفاء طهران في المنطقة، بما يتعارض مع الطموحات الإسرائيلية.
أما بشأن المنطقة الأمنية التي تسعى إسرائيل للاحتفاظ بها، فرأى نجم أن تل أبيب ستحاول التمسك بها قدر الإمكان، لكن الولايات المتحدة ستضغط في نهاية المطاف من أجل ضمان أمن إسرائيل مقابل دفعها نحو الانسحاب.
ورأى أن التفاهمات الجديدة قد تؤدي إلى إنهاء قواعد الاشتباك السابقة بالكامل، وربما تفضي إلى واقع سياسي وأمني جديد لا يسمح أصلا بعودة المواجهات العسكرية، في ظل التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط وإعادة تشكيل نظامه الإقليمي.
من جهته، رأى الكاتب اللبناني جاد الأخوي أن "الإدارة الأميركية تحاول إدارة معادلة بالغة الصعوبة، تقوم على تقديم ضمانات كافية لإيران في الملف اللبناني من أجل إنقاذ مذكرة التفاهم ومنع انهيارها، دون الإضرار بالعلاقة الإستراتيجية مع إسرائيل".
وأضاف، في مقال نشره موقع "جنوبية" في 24 يونيو/حزيران، أن هذا التوازن يبدو هشّا، في ظل استمرار التصعيد الميداني والانتقادات الإسرائيلية العلنية لإدارة ترامب ورفض الجيش الإسرائيلي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن مفاوضات واشنطن بشأن لبنان قد تتحول إلى أول اختبار حقيقي لمصداقية التفاهم الأميركي الإيراني بأكمله.
وخلص إلى أن فشل هذه الجولة في تحقيق تقدم ملموس سيمنح إيران مبررا لإعادة تجميد مسار التفاهمات مع واشنطن، فيما ستجد إسرائيل في استمرار الفوضى فرصة لإثبات أنها ليست ملزمة بأي ترتيبات تُصاغ على طاولات لا تشارك فيها بشكل مباشر.

قلق إسرائيلي متزايد
على وقع الاتفاق الأميركي الإيراني لوقف إطلاق النار، تشعر الحكومة الإسرائيلية بقلق متزايد من أن الولايات المتحدة تضفي "شرعية عملية" على النفوذ الإيراني في لبنان وتقيّد حرية الحركة الإسرائيلية هناك، وفق ما نقل موقع "أكسيوس" الأميركي عن مصدرين إسرائيليين في 23 يونيو/حزيران.
وأوضح المصدران أن مسؤولين إسرائيليين يخشون أن تؤدي التفاهمات الجديدة إلى تقويض أشهر من الجهود الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى إضعاف "حزب الله" وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان.
كما تخشى تل أبيب من أن تعارض واشنطن أي عمليات عسكرية إسرائيلية مستقبلية، أو تمارس ضغوطا على حكومة نتنياهو للانسحاب من جنوب لبنان رغم استمرار ما تصفه إسرائيل بتهديد الحزب.
وفي السياق ذاته، كشفت القناة 13 الإسرائيلية أن واشنطن أبلغت إسرائيل بانتهاء مرحلة "الحرية المطلقة" للتحرك العسكري في لبنان.
كما تحدثت صحيفة "معاريف" عن وجود فجوة متزايدة في الرؤى بين الجانبين؛ إذ تسعى واشنطن إلى ربط الملف اللبناني بملفات إقليمية أوسع تشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز والطاقة والبرنامج النووي الإيراني، في إطار رؤية دبلوماسية شاملة.
في المقابل، تخشى إسرائيل من أن يُفسَّر أي انسحاب مبكر من الجنوب اللبناني على أنه مظهر ضعف وانتصار سياسي لـ"حزب الله"، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى الاستعداد لاحتمال تنفيذ انسحاب تدريجي بطلب أميركي.
وبحسب مصدر إسرائيلي تحدث لموقع "أكسيوس"، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يصفه مقربون بأنه أكثر انشغالا بالملف اللبناني من الملف النووي الإيراني لأسباب تتعلق بحساباته السياسية الداخلية واقتراب الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، طلب من وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر استغلال علاقاته داخل فريق ترامب للتأثير على مسار المحادثات.
وكشف الموقع أن المفاوضين الأميركيين في سويسرا أجروا اتصالات عدة مع ديرمر يوم 21 يونيو/حزيران لإطلاعه على مجريات التفاوض والاستماع إلى ملاحظاته.
في المقابل، حاول مسؤول أميركي تبديد المخاوف الإسرائيلية، مؤكدا أن إسرائيل ليست خارج آلية التفاهم ما دامت واشنطن طرفا رئيسا فيها، وأن القناة المباشرة مع طهران "ستعود بالفائدة على إسرائيل".
وأشار المسؤول إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وفريقه كانوا على اطلاع كامل بآلية منع التصعيد الجديدة، ويعتقدون أنها ستساعد على كبح التوترات ودفع إيران إلى ممارسة ضغوط على "حزب الله" لمنع أي تصعيد مستقبلي.
لكن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، أحد أبرز حلفاء نتنياهو في الكونغرس، انتقد هذه الآلية ووصفها بأنها "خطأ كبير"، مقدرا أن توقع التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان مع إدراج إيران في المفاوضات "أمر غير واقعي".
ورغم الضغوط الناتجة عن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، فإن إسرائيل والولايات المتحدة توصلتا إلى تفاهمات تقضي بعدم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في المرحلة الحالية، بحسب ما نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" في 22 يونيو/حزيران.
وأضافت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تنفيذ عمليات ضد ما يصفه بالتهديدات والبنى التحتية التابعة لـ"حزب الله"، لكن ضمن قيود أكبر وتنسيق أوثق مع الولايات المتحدة.
وتنص هذه التفاهمات على أن يقتصر النشاط العسكري الإسرائيلي على إزالة التهديدات المباشرة واستكمال تدمير البنية التحتية العسكرية الواقعة جنوب "الخط الأصفر" الذي رسمته إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، وفقا للصحيفة العبرية.


















