هل تتحول الإمارات إلى ساحة مواجهة مالية مع الحرس الثوري الإيراني؟

"الانشغال بالأموال الروسية يتيح للحرس الثوري العمل في الظل"
في ظل تصاعد المخاوف من شبكات الالتفاف على العقوبات الدولية، تتزايد الدعوات إلى توجيه الجهود المالية والرقابية في الإمارات نحو شبكات الحرس الثوري الإيراني، بدلا من حصر الاهتمام بالأموال الروسية الفارة من العقوبات الغربية.
ونشر "مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية" الإسرائيلي مقالا للباحثة إيلا روزنبرغ، قالت فيه: إن النظام المالي العالمي يقوم على نزاهة مراكزه الكبرى، وعلى مدى العقد الماضي، رسّخت الإمارات مكانتها كملتقى محوريا للتجارة والتمويل والاستثمار.
وقد رافق هذا الصعود الاقتصادي المتسارع تدقيق مكثف، بلغ ذروته بإدراج الإمارات على "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي "فاتف" عام 2022.
وكان ذلك محفزا لإعادة هيكلة شاملة لمنظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البلاد، أفضت إلى شطب الإمارات من القائمة مطلع عام 2024.
غير أن ثمة نقطة عمياء بالغة الخطورة لا تزال قائمة، فبينما يتركز اهتمام المجتمع الدولي، بقيادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على تطبيق العقوبات ضد روسيا في أعقاب الحرب على أوكرانيا، تنشط في الظل الشبكات المالية غير المشروعة للحرس الثوري الإيراني، تقول روزنبرغ.
وترى أن "تطبيق العقوبات في الإمارات ينبغي ألا ينصبّ بصورة ضيقة على رأس المال الروسي الفار، فالتصدي للشبكات المالية غير المشروعة للحرس الثوري يبقى أمرا لا يقل إلحاحا، بل يتجاوزه في أحيان كثيرة".
مكافحة الأموال
ورأت روزنبرغ أن “خروج الإمارات من القائمة الرمادية لـ(فاتف) لم يكن إجراء بيروقراطيا، بل نتيجة التزام سياسي بإعادة تصميم الدفاعات المالية للدولة، وشمل ذلك إنشاء (المكتب التنفيذي لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب) جهازا مركزيا لتنسيق السياسات عبر الإمارات السبع”.
وصدرت قرارات جديدة تفرض إفصاحا أكثر صرامة عن هوية المالكين المستفيدين الفعليين، في محاولة لاختراق الغطاء المؤسسي الذي طالما استقطب الفاعلين غير المشروعين.
كذلك شدّدت السلطات المالية، ومنها المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد، العقوبات على المؤسسات غير الملتزمة، إيذانا بالتحول من ثقافة المرونة إلى ثقافة التطبيق.
وأُسّست محاكم متخصصة في مكافحة غسل الأموال في أبو ظبي ودبي لتسريع الملاحقة القضائية في الجرائم المالية المعقدة.
ورغم هذه التحسينات الهيكلية، فإن تشعّب الاقتصاد الإماراتي لا يزال يتيح هامشا تشغيليا للفاعلين غير المشروعين المتطورين.
وأفادت الكاتبة بأن "الأموال الروسية الوافدة إلى الإمارات تتمحور أساسا حول حفظ الثروات وتوقيفها، عبر شراء العقارات وإنشاء مكاتب عائلية وتحصين الأصول من التجميد الغربي، وهذا يختلف جوهريا عن نشاط الحرس الثوري الإيراني الأشد إزعاجا وأكثر تقويضا للاستقرار".
وذكرت أن "الحرس الثوري لا يوقّف أمواله، بل يحرّكها لاقتناء تقنيات ذات استخدام مزدوج، وتمويل وكلائه من الجماعات المسلحة كحزب الله وحركة حماس والحوثيين، والتحايل على الحظر الدولي المفروض على النفط الإيراني".
وترى روزنبرغ أن "الانشغال بالملف الروسي يخاطر باستنزاف الموارد الرقابية بينما يتحرك الحرس الثوري في الظل، فإذا كانت روسيا تمثل تهديدا أمنيا ملحّا لأوروبا، فإن الحرس الثوري يشكّل تهديدا وجوديا لاستقرار الشرق الأوسط وممرات الشحن الدولية ومنظومة مكافحة الإرهاب عالميا".

رقابة متفاوتة
ولذا تدعو الكاتبى إلى “إعادة معايرة أولويات تطبيق العقوبات لمواجهة الخطر الإيراني؛ حيث حددت جملة من الثغرات الهيكلية التي يوظّفها الحرس الثوري”.
أولها المناطق الحرة؛ إذ تضم الإمارات أكثر من 40 منطقة حرة، لكل منها هيئتها التنظيمية ودرجات متباينة من الرقابة.
ويفضي هذا التشتت إلى ثغرات تحكيم تنظيمي واسعة، يوظّف فيها الحرس الثوري شركات التجارة العامة والكيانات الواجهة داخل المناطق الأقل رقابة.
وتظل سجلات هذه المناطق معزولة بعضها عن بعض، مما يحول دون تبادل البيانات بين السلطات الاتحادية وإجراء تحليل شامل لشبكات الملكية، ما يمنح عملاء الحرس الثوري قدرة على إخفاء سيطرتهم على شركات الواجهة.
وثانيها غسل الأموال عبر التجارة؛ حيث يُسهّل القرب التاريخي والجغرافي بين دبي وميناء بندر عباس الإيراني مليارات الدولارات من التبادل التجاري الثنائي.
ويستغل الحرس الثوري هذا الحجم الهائل من التجارة المشروعة لغسل الأموال، عبر تزوير فواتير البضائع بأسعار مضخّمة أو منخفضة لنقل القيمة عبر الحدود، وتلفيق وثائق لبضائع لا تتحرك أصلا لتبرير تحويلات مصرفية ضخمة.
وثالثها شبكات الحوالة؛ إذ يتغلغل نظام نقل القيمة غير الرسمي لا سيما شبكة الحوالة في الجهاز المالي للشرق الأوسط، وقد ألزمت الإمارات مزودي الحوالة بالتسجيل، غير أن الحرس الثوري يلجأ في الغالب إلى شبكات سرية غير مسجّلة.
وإذ يقوم نظام الحوالة على الثقة والسجلات التبادلية بدلا من التحويلات الإلكترونية عابرة الحدود، فإنه يكاد يخلو من أي أثر رقمي قابل للرصد.
كما يجعل الحجم الهائل لتحويلات العمالة الوافدة في الإمارات التمييز بين التحويلات المشروعة والتدفقات المالية غير المشروعة للحرس الثوري أمرا بالغ الصعوبة.
ورابعها تجارة الذهب، وتُعدّ دبي من أبرز مراكز تجارة الذهب عالميا، وتتيح قيمته الذاتية العالية وصعوبة تتبعه توظيفه وسيلةً مفضلة لدى الحرس الثوري.
ورغم اعتماد الإمارات "معيار التسليم الجيد" لتحسين المصادر المسؤولة، تبقى الرقابة على أسواق الذهب ومحلات الصرف النقدي متفاوتة.
وتعمد شبكات مرتبطة بالحرس الثوري إلى تهريب الذهب عبر الخليج، وتسييله نقدا أو درهما إماراتيا، ثم ضخ العائدات في القطاع المصرفي الرسمي لإخفاء مصادرها غير المشروعة.

مصالح مشتركة
وقالت الكاتبة: إن "التصدي لهذه الثغرات لا يعني فرض الاتحاد الأوروبي إرادته على الإمارات، بل يعكس تقاطعا عميقا في مصالحهما الإستراتيجية والاقتصادية".
وأضافت "فعلى صعيد الأمن الإقليمي، تموّل شبكات الحرس الثوري مباشرة جماعات كالحوثيين في اليمن، الذين شنّوا هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على المنشآت المدنية الإماراتية ويتهددون حركة الشحن في البحر الأحمر".
وقطع تمويل الحرس الثوري يمثّل للإمارات شأنا دفاعيا سياديا، في حين يعني للاتحاد الأوروبي تأمين ممرات الطاقة وسلاسل التوريد وكبح التضخم، وفق المقال.
ويُعزز تطهير الإمارات من هذه الشبكات ثقة المستثمرين المؤسسيين الأوروبيين، ويفتح آفاق الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات التكنولوجيا والطاقة الخضراء والبنية التحتية.
ولفتت الكاتبة إلى أن "تعقيد أساليب التحايل الإيرانية يجعل مواجهتها مهمة مشتركة تعجز عنها كل جهة منفردة، فالاتحاد الأوروبي يمتلك استخبارات مالية متقدمة وخبرة في تحليل هياكل الملكية، بينما تمتلك الإمارات صلاحيات قضائية ميدانية ونفاذا إلى بيانات المعاملات الإقليمية".
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء ممر ثنائي يؤسَّس لتبادل الاستخبارات المالية مخصص لملف التمويل غير المشروع في الشرق الأوسط، متجاوزا التركيز الراهن على أوروبا الشرقية. بحسب المقال.
وأنهت الكاتبة بالتأكيد على أن “التغيير المطلوب في الخطاب السائد حول التهرب من العقوبات في الشرق الأوسط ملحّ وضروري”.
واستطردت: "فرغم استحقاق الثروات الروسية الوافدة إلى الإمارات اهتماما رقابيا جديا، فإنها لا ينبغي أن تحجب الشبكات المالية الأعمق جذورا والأشد إضرارا للحرس الثوري".
وختمت بالقول: إن "الاختبار الحقيقي لمنظومة مكافحة غسل الأموال الإماراتية يكمن في قدرتها على ملاحقة فاعلين يستغلون المناطق الحرة وشبكات الحوالة والبنية التجارية لتمويل زعزعة الاستقرار الإقليمي".

















