اتفاق دفاعي بين طالبان وروسيا.. نهاية حقبة "التوازن" أم "لعبة مزدوجة"؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بحفاوة بالغة، استقبلت روسيا وزير دفاع حكومة حركة "طالبان"، يعقوب مجاهد؛ حيث شارك في اجتماع يمتد لثلاثة أيام ضمن ما يُعرف بـ"المنتدى الدولي للأمن". 

ورغم أن حضوره جاء في إطار هذا المؤتمر كغيره من الضيوف، إلا أن صحيفة "8 صبح" الأفغانية لفتت إلى أن "مسؤولين أمنيين وعسكريين رفيعي المستوى في موسكو عقدوا معه لقاءات منفصلة على هامش الفعاليات".

والأكثر أهمية من ذلك، تم توقيع اتفاق ذي طابع عسكري-أمني بين طالبان وموسكو، لا تزال تفاصيله غير واضحة، ما فتح الباب أمام الكثير من التكهنات حول مضمونه.

علاقات دافئة

وفي تعليقها على هذا المشهد، قالت الصحيفة الناطقة باللغة الفارسية: إن "الحفاوة الروسية بملا يعقوب لا تبدو مثيرة للاستغراب؛ إذ إن موسكو باتت تعترف بحكم طالبان وتتعامل معه بوصفه سلطة قائمة، ما يفرض عليها منطق التعامل مع وفده كوفد يمثل دولة قائمة".

في المقابل، تقدر أن "طالبان تبدو بدورها منفتحة على التقارب مع روسيا وغيرها من القوى المنافسة للولايات المتحدة، دون إبداء خشية واضحة من ردود الفعل الغربية".

وبحسب تقديرها، فإن "هذا التقارب لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة تراجع الانخراط الغربي، وعلى رأسه واشنطن، في التعامل مع الحركة".

واللافت -وفق الصحيفة- أن "طالبان، بحسب المعطيات السياسية القائمة، لا تزال تنظر إلى الولايات المتحدة كطرف مرغوب في تحسين العلاقات معه".

واستدركت: "غير أن واشنطن لا تُبدي الحماسة ذاتها، خاصة في ظل تمسك الحركة بمواقفها من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان دون أي تنازلات".

وتابعت: "وعلى النقيض، اتجهت روسيا، بوصفها قوة كبرى مناهضة للغرب، إلى الاعتراف الفعلي بنظام طالبان، وسط حديث عن إمكانية أن تحذو إيران حذوها لاحقا".

"في حين تحتفظ الصين بعلاقات دافئة مع الحركة، وتسعى إلى منع أي أضرار قد تنالها، بما في ذلك عبر دور وساطة إقليمي تشارك فيه باكستان، بينما تتهم طالبان من جهتها الولايات المتحدة بالانحياز إلى باكستان وتشجيعها على استهداف أفغانستان". بحسب الصحيفة.

اتهامات خطيرة

وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن هناك عاملين رئيسين دفعا طالبان إلى تعزيز تقاربها مع موسكو وتوقيع هذا الاتفاق الأمني.

ويتمثل العامل الأول في تصريحات رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي ألكسندر بورتنيكوف، الذي زعم أن "تنظيم الدولة خراسان" وجماعات مسلحة أخرى، بما فيها فصائل معارضة لطالبان مثل "جبهة المقاومة الوطنية" و"جبهة الحرية"، تسعى إلى انتزاع مناطق في شمال أفغانستان من سيطرة الحركة، مع اتهامات خطيرة بوجود دعم بريطاني لهذه التحركات.

كما أشار إلى أن "الغرب يحاول، تحت ذريعة هذه التحركات، زعزعة استقرار آسيا الوسطى".

وتعتقد الصحيفة أنه "في حال صح هذا التقدير، فمن الطبيعي أن تلجأ طالبان إلى موسكو كحليف أمني، حتى على حساب علاقاتها مع الغرب".

واستطردت: "يبدو أن الأجهزة الاستخباراتية الروسية قد زودت طالبان مسبقا بمعلومات حول هذه التهديدات وسبل مواجهتها".

من زاوية أخرى، لفتت الصحيفة إلى أن "هذه التصريحات تضع، بشكل مباشر أو غير مباشر، الجماعات المسلحة المناهضة لطالبان في خانة واحدة مع تنظيم الدولة، وهو توصيف يخدم مصالح الحركة".

علاوة على ذلك، "إن حديث بورتنيكوف يعكس، على ما يبدو، توجها روسيا نحو دعم السلطة القائمة في كابول بدلا من معارضتها، مع التركيز على تعزيز التعاون الأمني في مجال مكافحة الإرهاب".

ونوهت الصحيفة إلى أن "هذه الرواية تتقاطع مع تصريحات الحاكم السابق لولاية بلخ الواقعة شمال أفغانستان، عطا محمد نور الذي تحدث عن مؤشرات على إعادة تنشيط تنظيم الدولة في أفغانستان بهدف خلق موجة جديدة من العنف وعدم الاستقرار".

وعلقت الصحيفة: "ليس من الواضح ما إذا كانت رسالة نور تؤكد ادعاء المسؤول الروسي أم ادعاء طالبان: باكستان تدعم تنظيم الدولة خراسان".

وفي هذا الإطار، أبرزت الصحيفة "تناقضا واضحا بين الروايتين؛ إذ يؤكد بورتنيكوف وجود تهديد متصاعد لتنظيم الدولة في أفغانستان، بينما تصر طالبان على أنها تمكنت من القضاء عليه بالكامل".

وهو ما عدته "يثير تساؤلات حول مدى دقة أي من الروايتين، خاصة في ظل استمرار الحديث عن قدرات هذا التنظيم على تنفيذ عمليات داخل البلاد".

استفزاز واشنطن

أما العامل الثاني الذي تعتقد الصحيفة أنه دفع الحركة لأحضان موسكو فهو "التوتر المتصاعد بين باكستان وطالبان؛ إذ باتت الحركة، بحسب تصريحات قادتها، مقتنعة بوجود دعم أميركي لباكستان في مواجهتها مع أفغانستان".

وأضافت أن "وزير الدفاع ملا محمد يعقوب ذهب إلى الربط بين الهجمات الباكستانية والرغبة في تدمير المعدات العسكرية الأميركية المتبقية في البلاد، وهو هدف، بحسب قوله، لا يمكن أن يتحقق دون ضوء أخضر من واشنطن.، كما أقر بوجود دعم باكستاني لجماعات معارضة لطالبان".

وانطلاقا من ذلك، تقدر الصحيفة أن "صبر طالبان قد نفد، وأنهم يسعون إلى استفزاز أميركا بالتحالف مع روسيا".

ومن ثم، فإنها تعتقد أن "الاتفاق الأمني الموقع مع موسكو يشكل أبرز أدوات هذا التحول، خاصة أنه قد يتضمن تعاونا في مجال التسليح الدفاعي لمواجهة الهجمات القادمة من باكستان، التي تعدها طالبان امتدادا للضغط الأميركي".

من زاوية تحليلية أوسع، طرحت الصحيفة الأسئلة التالية: هل يعني هذا التقارب نهاية عزلة طالبان الدولية؟ وهل يعني أن طالبان تخلت عن مبدأ "التوازن" في سياستها الخارجية؟"

بمعنى آخر، "هل أدركت الحركة أن التحالف مع القوى المناهضة للغرب، بما في ذلك روسيا، يمكن أن يخدم بقاء نظامها؟".

وهناك سؤال لا يقل أهمية، “هل سيكون اقتران طالبان بروسيا مقبولا لدى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وماذا سيكون رد فعل باكستان عندما تستعرض طالبان اتفاق الصداقة مع روسيا، سواء تجاه الحركة أو تجاه موسكو؟”

لعبة مزدوجة

وفي معرض إجابتها على هذه التساؤلات، تعتقد الصحيفة أنه "لا يمكن من مجرد توقيع اتفاق غامض المضمون استنتاج أن طالبان انضمت إلى المعسكر الشرقي أو أنها قطعت نهائيا مع الغرب".

وعزت ذلك إلى أن "الوقائع الميدانية والتصريحات العلنية لمسؤولي طالبان خلال السنوات الخمس الماضية تشير إلى أن هذا النظام لن يضحي بسهولة بعلاقاته مع الغرب لصالح روسيا أو حلفائها".

وفي هذا السياق، أشارت إلى "اعتراف مسؤولي الحركة مرارا وبصراحة بأن الاعتراف الدولي بنظامهم مرهون بخطوة أولى من جانب الولايات المتحدة، ويبدو أن هذه النقطة تمثل بالنسبة لهم خيارا إستراتيجيا لا مجرد شعار دعائي".

من هذا المنظور، ترى أن "أي تقارب لطالبان مع روسيا ليس خيارا ناتجا عن رغبة كاملة، بل عن ضرورة فرضتها الظروف".

وبمعنى آخر، "ترى طالبان روسيا إلى جانب الغرب، أو بانتظار الغرب، وليس بديلا عنه".

وتابعت: "لهذا السبب، يؤكد المتحدثون باسم الحركة أن الاتفاق مع روسيا لا يستهدف أي طرف آخر، وأن الهدف المعلن لا يتجاوز القوى الغربية".

ويمكن تلخيص المشهد بصورة عامة عبر القول: إن طالبان "تلعب لعبة مزدوجة فهي تشتري السلاح من روسيا، وتسعى في الوقت نفسه إلى الشرعية من الغرب، خاصة من الولايات المتحدة".

وعقبت الصحيفة على هذا النهج: "يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة هذه المعادلة على الاستمرار وفاعليتها بالنسبة للغرب".

موقف حازم

وفي هذا الإطار، شددت الصحيفة على أن "فهم الموقف الغربي من اتفاق طالبان مع موسكو أمر بالغ الأهمية".

وقالت: "لتوضيح هذا الموقف، خاصة في أوروبا، يمكن الاستناد إلى تجربة مماثلة في الحرب الأوكرانية، حين اتهمت كييف، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، إيران بتزويد روسيا بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما أدى إلى تداعيات كبيرة شملت تشديد العقوبات وتفعيل آليات تصعيدية ضد طهران".

واستدركت: "لكن الفارق الجوهري هنا أن طالبان ليست إيران، ولا تتصرف وفق نموذج مشابه، فهي لا تعرف نفسها كجزء من (محور مقاومة) في مواجهة الغرب، بل على العكس، تسعى إلى الاعتراف والقبول الدولي، حتى من الولايات المتحدة نفسها، رغم تاريخها السابق مع واشنطن".

"كما أن الغرب لا ينظر إلى طالبان كعدو جيوسياسي مباشر، بل كـ(تحد أمني) يمكن التعامل معه عبر الضبط والاحتواء، وليس عبر المواجهة العسكرية". وفق تحليلها.

وأردفت: "أما أكثر الجوانب إثارة للجدل فهي التقارير الغربية التي تحدثت عن احتمال تضمين الاتفاق بين طالبان وروسيا بندا يتعلق بإرسال مقاتلين للمشاركة في الحرب الأوكرانية".

وعلقت الصحيفة على هذه المزاعم: "حتى لو صح هذا الطرح، فإن الغرب قد لا يضعه في مستوى خطورة التعاون الإيراني مع روسيا، نظرا لغياب القدرات العسكرية المتقدمة لدى طالبان، وعدم تبنيها إستراتيجية عداء دائم للغرب". 

وبالتالي، رجحت أن "يستمر النهج الغربي القائم على التعامل غير الرسمي، وعدم الاعتراف، والإبقاء على العقوبات، مع التركيز على ملفات حقوق الإنسان".

فيما يتعلق بالعلاقات بين طالبان وباكستان، ترى الصحيفة أن "تصريحات وزير دفاع طالبان بعد عودته من موسكو تفتح الباب أمام رد فعل غربي حازم تجاه الحركة؛ إذ قال: إن (باكستان لن تكون قادرة قريبا على شن هجمات داخل الأراضي الأفغانية)".

وبحسب تقديرها، فإن "هذه العبارة تعكس جوهر الاتفاق مع الكرملين؛ حيث يفهم منها أن طالبان ستتسلم أنظمة دفاع جوي روسية تجعل المجال الجوي الأفغاني أكثر تحصينا ضد الهجمات الباكستانية".

حسابات سياسية

في هذا السياق، توقعت الصحيفة "ألا يقتصر رد الفعل الباكستاني على الجانب العسكري، بل قد يتجاوز ذلك إلى محاولة تحريك الغرب ضد طالبان، عبر توظيف علاقتها المتنامية مع روسيا".

ووفقا لوجهة نظرها، "ستعتمد إسلام آباد في خطابها على اتهام طالبان بدعم جماعات مسلحة، وعلى رأسها حركة طالبان باكستان، بما يشكل تهديدا مباشرا لمصالح الغرب وحلفائه".

ولفتت الصحيفة إلى أن "مكانة باكستان الإقليمية والدولية التي تبدو في تحسن نسبي، خاصة بعد أدوارها في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة ستساعدها على ذلك".

وهو ما عدته "يمنحها هامشا من التأثير في مواقف الغرب، في حين لا تزال طالبان، مثل روسيا، تعامل كعامل إزعاج أمني أكثر من كونها شريكا سياسيا".

وبناء عليه، ترى الصحيفة أن "أي تجاوز من جانب طالبان قد يمنح باكستان فرصة لاستخدام نفوذها لدى الغرب للضغط على الحركة، بالتوازي مع قلق روسي من أي تقارب باكستاني محتمل مع الغرب في سياق الحرب الأوكرانية".

وفي هذا السياق، أبرزت  "ملف دعم المعارضين لطالبان؛ إذ قد تجد باكستان نفسها مضطرة إلى دعمهم، مع إمكانية دفع الغرب أيضا إلى تعزيز هذا التوجه، مستفيدا من ورقة التقارب بين طالبان وروسيا".

 ومع ذلك، شددت الصحيفة على أن "هؤلاء المعارضين، شأنهم شأن طالبان نفسها، لا يعولون كثيرا على الدعم الغربي، بقدر ما يتحفظون على أي دعم قادم من قوى مناهضة للغرب لأسباب تتعلق بحسابات سياسية معقدة".