صحيفة عبرية: هذا هو الطريق الثالث لحسم الصراع مع حزب الله والحوثيين

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل تعثر الحسم العسكري مع إيران وحلفائها، تتصاعد داخل إسرائيل دعوات إلى تبني إستراتيجية جديدة تقوم على إضعاف الخصوم من الداخل عبر أدوات سياسية وأمنية ودبلوماسية، بدلا من الاعتماد الحصري على القوة العسكرية المباشرة.

ويرى موقع عبري أن "الجولة الأخيرة من المواجهة مع إيران كشفت مجددا حجم إصرار النظام الإيراني ليس فقط على عدم الاستسلام، بل أيضا على مواصلة الدفاع عن مصالحه وما يعده كرامته الوطنية".

ويعتقد أنه "بعد الخسارة غير المتوقعة لسوريا، يبذل النظام الإيراني جهودا كبيرة لإظهار أنه ما زال يمسك بزمام الأمور ويحافظ على التنسيق مع حلفائه ووكلائه في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والمليشيات الموالية له في العراق".

وبحسب عضو المجلس التنفيذي لمعهد "ميتفيم" الإسرائيلي، البروفيسور إيلي بودا، ورئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المعهد، إيتان يشاي، فإن "هذا التنسيق يهدف إلى التأكيد على أن (محور المقاومة)، رغم الضربات القاسية التي تعرض لها، لا يزال قادرا على لعب دور في الصراع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما".

في المقابل، يرى الخبيران أن "المقاربة الإسرائيلية تقوم حتى الآن على فرضية مفادها أن ما لم يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بمزيد من القوة، ما لم يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حدا لذلك".

واستند التحليل إلى تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال اجتماع للمجلس الوزاري سبق الهجوم على إيران في يونيو/ حزيران 2025 حين قال: إن "القوة وحدها تنجح عندما يخاف منك الآخرون".

وتطرح هذه المقاربة السؤال التالي: “لكن ماذا يحدث عندما لا يخاف العدو؟ وماذا لو كان الطرف المقابل، مثل إيران أو حزب الله أو الحوثيين، مستعدا لتحمل الخسائر والاستمرار في القتال بدافع عقائدي أو قومي، ويعد الاستسلام أسوأ من الموت؟”

نهج سري

في مثل هذه الحالات، يرى إيلي بودا وإيتان يشاي في مقالهما بموقع "القناة 12" العبرية أن "اللجوء إلى مزيد من القوة العسكرية لا يؤدي إلى الحسم النهائي أو إلى (النصر) المنشود".

واستشهد المقال في ذلك "بتجارب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق، وتجربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان"، مقدرا أن "روسيا قد تواجه المصير ذاته في أوكرانيا".

وطرح الموقع "تساؤلا أساسيا: هل يوجد بديل؟"، مجيبا بأن "الخطوة الأولى تتمثل في إدراك أن مثل هذه الصراعات لا تنتهي بضربة واحدة حاسمة، بل قد تستغرق وقتا طويلا وقد تستمر بأشكال ومستويات مختلفة من التصعيد".

ومن هنا ظهر الخيار الذي تبناه المقال ويقوم على "اعتماد نهج غير مباشر وسري يعتمد على أعمال الاختراق والتخريب السياسي والأمني بهدف إضعاف الخصم من الداخل، وربما إسقاطه على المدى البعيد".

وأشار إلى أن "هذا الأسلوب استخدم بالفعل ضد إيران على مدى سنوات طويلة، فقد استند التفكير الإسرائيلي إلى أن إضعاف (القلب)، أي إيران، سينعكس تلقائيا على (الأطراف)، أي الوكلاء والحلفاء الإقليميين".

وفي هذا الإطار، ذكر الموقع أن "جهاز الموساد نفذ بالفعل عمليات متعددة داخل إيران وخارجها استهدفت عرقلة البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك اغتيال علماء ومسؤولين بارزين مرتبطين بالمشروع النووي".

كما ضم إلى هذه الجهود "محاولات دعم أنشطة معارضة داخل إيران، ولا سيما في الأوساط الكردية، بهدف إضعاف النظام أو الدفع نحو إسقاطه".

واستدرك: "غير أن النتائج، رغم ما تحقق من نجاحات تكتيكية، لم تؤد إلى تحقيق الأهداف الإستراتيجية الكبرى، سواء منع إيران من الوصول إلى القدرات النووية أو إسقاط النظام".

وعزا ذلك إلى "التقليل من صعوبة المهمة من جهة، والمبالغة في تقدير استعداد الأكراد لخوض مواجهة مفتوحة ضد النظام من جهة أخرى".

وبناء عليه، يرى المقال أن "المطلوب ليس التركيز حصرا على إيران، بل العمل على إضعاف حلفائها ووكلائها بوسائل مختلفة".

متعددة الأبعاد

في هذا السياق، لفت الموقع إلى أن "ما جرى في سوريا يمثل نموذجا يمكن الاستفادة منه، إذ أن إخراج دمشق من دائرة الحلفاء الإقليميين لإيران كان في جوهره نتيجة لتحولات داخلية بدأت مع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، بينما اقتصر الدور الإسرائيلي على المساهمة في إضعاف النظام وتعزيز الظروف التي سمحت بحدوث هذا التغيير"، على حد قوله.

وبحسب هذا المنطق، فإن "أي تحول حقيقي يجب أن ينبع من الداخل، فيما يقتصر دور إسرائيل على دعم هذه التحولات بوسائل تتناسب مع خصوصية كل ساحة".

في هذا الصدد، يعتقد المقال أن "التحدي الأبرز يتمثل حاليا في حزب الله داخل لبنان، فطالما استمرت إسرائيل في السيطرة على أراض لبنانية، فإنها تمنح الحزب مادة إضافية لتغذية خطابه السياسي والعقائدي، الذي يستند منذ سنوات إلى فكرة (مقاومة الاحتلال الإسرائيلي) باعتبارها مبررا لاستمرار العمل المسلح، وهو ما يعزز صورته كمدافع عن لبنان في نظر مؤيديه".

وانطلاقا من ذلك، دعا الموقع إلى "دعم عملية داخلية لبنانية تهدف إلى تقليص نفوذ حزب الله تدريجيا".

ولفت إلى أن "التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي اللبناني تجاه إمكانية التوصل إلى ترتيبات أو تفاهمات مع إسرائيل يعد تطورا دراماتيكيا، خصوصا في ظل تبني هذا التوجه من جانب رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية".

وبحسبه، "تبرز هنا الحاجة إلى جذب دول المنطقة إلى هذا المسار (دول الخليج وسوريا والأردن ومصر) بحيث تقدم كل دولة مساهمتها الفريدة، بالإضافة إلى المجتمع الدولي ومؤسساته، بما في ذلك الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي وغيرها".

واستطرد: "إن تقويض نفوذ حزب الله يستلزم مقاربة متعددة الأبعاد تتجاوز فكرة نزع السلاح ودعم الجيش اللبناني بالعتاد، إذ يمثل هذا المسار تحركا سياسيا ودبلوماسيا متكاملا يمتد على مدى سنوات طويلة".

ووفق الموقع، "تدعو هذه الرؤية إسرائيل إلى الاستمرار في مساعيها للتوصل إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية الرسمية، بما يخلق حاجزا فاصلا بينها وبين حزب الله".

وأضاف أنه "بحسب هذا التصور، يمكن أن يتم تقديم أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان بصورة غير معلنة أو مشروطة بنزع سلاح حزب الله، بما يتيح خلق (أفق سياسي) أمام الدولة اللبنانية، في حين يشكل النازحون الشيعة من القرى الجنوبية أداة ضغط متزايدة على الحزب".

كما شدد الطرح على أن "أي إنجاز في هذا المسار يجب أن يُنسب إلى مؤسسات الدولة اللبنانية لتعزيز شرعيتها".

وفي ظل الواقع القائم، يرى المقال أن "الجيش اللبناني غير قادر حاليا على نزع سلاح حزب الله، ما يستدعي تعزيز قدراته البشرية والتقنية".

الميزان الداخلي

في هذا السياق، أكد أنه "لا ينبغي لإسرائيل أن تخشى وجود جيش لبناني أكثر قوة، بل ينبغي أن تنظر إلى هذا الأمر كفرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي في لبنان".

على أساس هذا التصور، قدر الموقع أن "مزيجا من الأسلحة الغربية الممولة من دول الخليج، إلى جانب تدريب وحدات الجيش في الأردن أو مصر، يمكن أن يشكل حلا مناسبا لهواجس إسرائيل".

وشدد على أن "الهدف من ذلك لا يقتصر على رفع القدرات العسكرية للجيش اللبناني، بل تحويله إلى مؤسسة قادرة على أداء وظائف الدولة الأساسية في فرض السيطرة على الأرض".

الأمر الذي يعتقد أنه "يجعله جهة موثوقة من مختلف الأطراف وجاذبة وتكون جاذبة للمنتسبين إليها من الناحية المادية، خاصة في ظل الفجوة الاقتصادية التي تجعل مقاتلي حزب الله يتقاضون رواتب أعلى من جنود الجيش النظامي".

واستطرد: "وبذلك، يتحول الجيش إلى ركيزة مركزية في بنية الدولة اللبنانية".

"وفي قلب هذه المقاربة، تبرز الطائفة الشيعية باعتبارها العنصر الحاسم، فيما يمثل نبيه بري، رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل، الشخصية المحورية في هذه المعادلة"، يقول الموقع.

وتابع: "فبعد أن كان بري، داعما كاملا لمواقف حزب الله، بدأت تظهر في المرحلة الأخيرة مؤشرات على تصدعات داخل الطائفة في ظل الخطاب السياسي المتغير".

وعليه، دعا المقال إلى "تعزيز هذا المسار بوسائل إبداعية، بهدف إنتاج بديل سياسي جذاب خارج إطار حزب الله، تقوده الدولة اللبنانية هذه المرة".

وأضاف أن "إسرائيل والمجتمع الدولي يمكنهما المساهمة في هذا الاتجاه عبر دعم مالي ولوجستي لإعادة إعمار الجنوب اللبناني، في مقابل النموذج الذي اعتمد عليه حزب الله بعد عام 2006 بتمويل إيراني، حيث لم يقتصر دوره على الجانب العسكري، بل امتد إلى شبكات خدمات تشمل البنوك والعيادات والمدارس والأسواق المدعومة".

في المحصلة، شدد الموقع على أن "دخول الدولة اللبنانية، إلى جانب قوى شيعية غير مرتبطة بحزب الله، إلى هذا الفراغ الاجتماعي والخدماتي يمثل مفتاح التغيير الحقيقي".

تحت السطح 

أما الساحة الثانية للوكلاء الإقليميين فتتمثل في الحوثيين في اليمن، وما يشكلونه من تهديد محتمل للملاحة في مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية. 

في هذا السياق، اقترح المقال أن "يتم إضعاف سلطة الحوثيين عبر دعم (المجلس الانتقالي الجنوبي) في عدن، الذي يسعى إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن على غرار الوضع الذي كان قائما قبل وحدة الشمال والجنوب عام 1990".

ويحظى هذا المجلس، بحسب الطرح، "بدعم غربي عام وإماراتي خاص، كما ظهرت مؤشرات على انفتاحه على تعاون غير مباشر مع إسرائيل ضد الحوثيين، بل وتم تداول احتمالات لانضمام مستقبلي إلى اتفاقات أبراهام في حال قيام دولة جنوبية مستقلة".

واستدرك: "غير أن الخلافات بين الإمارات والسعودية بشأن مستقبل اليمن تبقى العقبة الأساسية أمام هذا السيناريو، رغم أن تحقيق توافق بينهما قد يؤدي إلى خلق كيان جنوبي قادر على موازنة نفوذ الحوثيين وتحويل اهتمامهم إلى الداخل اليمني".

ويعتقد المقال أن "هذا المسار قد يمنح إسرائيل موطئ قدم في منطقة ذات أهمية إستراتيجية بالغة، على غرار العلاقات التي بنيت في صوماليلاند (الإقليم الانفصالي)، وإن كان لا يشترط أن يتخذ هذا التعاون طابعا علنيا كما هي الحال هناك".

بعبارة أخرى، "إن إضعاف الحوثيين لن يتم عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بهم".

وفي المحصلة، خلص المقال إلى أن "هذه السياسة، سواء في لبنان أو اليمن، تقوم على العمل تحت السطح بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة، بما يقلل من مستوى العداء العلني لإسرائيل مقارنة باستخدام القوة الصلبة".

وأردف: "إن نتائج هذا النهج قد تكون، على المدى الطويل، أكثر فاعلية من المنظور الإسرائيلي والإقليمي، لأنها تسهم في إعادة دمج إسرائيل داخل الإقليم بدل بقائها كـ(دولة منبوذة)".

ومن هذا المنظور، شدد على أن "(تقليل استخدام القوة) قد يؤدي في النهاية إلى (زيادة النفوذ)، ولكن عبر أدوات سياسية ودبلوماسية بدل القوة العسكرية".

واختتم قائلا: هذا هو الطريق الثالث الذي ينبغي أن تسير فيه إسرائيل: إضعاف أعدائنا من الداخل، دون إطلاق قذيفة واحدة".