أراضٍ فلسطينية للبيع في أميركا وبريطانيا.. ما قصة “الاستيطان الفاخر”؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

عبر مسار عقاري عابر للحدود، تتحول وحدات استيطانية ومشاريع بناء داخل مستوطنات الضفة وشرق القدس إلى عروض شراء في أسواق غربية، تشارك في تسويقها شركات تطوير ووسطاء ومستشارو رهن، وتصل إلى مشترين محتملين في لندن ونيويورك وتورنتو ونيوجيرسي ولوس أنجلوس وغيرها.

أحدث حلقات هذا المسار ظهرت في منتصف يونيو/حزيران 2026، خلال “معرض العقارات الإسرائيلي الكبير” الذي أقيم داخل كنيس “إدغوير يونايتد سيناغوغ” شمال لندن؛ حيث تضمنت كتيبات الفعالية مشاريع في مستوطنات بالضفة وشرق القدس. 

وقالت صحيفة الغارديان البريطانية في 17 يونيو/حزيران 2026: إن من بين الأسماء التي ظهرت في المواد المعروضة معاليه أدوميم، وغفعات زئيف، وكفار إلداد، وتينيه عومريم، إضافة إلى رمات إشكول وغفعات هاماتوس في شرق القدس.

ما القصة؟

أقيمت الفعالية وسط احتجاجات واعتراضات خارج الكنيس في شمال لندن، بعدما تحولت إلى قضية سياسية وحقوقية قبل انعقادها بأيام، وذلك ضمن سلسلة سبقتها في كندا والولايات المتحدة.

فقد وجه 101 من النواب وأعضاء مجلس اللوردات في بريطانيا رسالة إلى وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، تطالب بمنع الفعالية بسبب مخاوف من تسويق عقارات في مستوطنات تعدها بريطانيا غير قانونية بموجب القانون الدولي. 

وقالت الغارديان: إن الحدث اللندني كان جزءًا من جولة دولية مرّت في تورنتو ونيويورك، وإن مواد الفعالية دعت المهتمين إلى العثور على “منزل الأحلام” واستكشاف “أفضل الأحياء الأنغلوفونية”، أي التجمعات السكنية التي تستهدف اليهود الناطقين بالإنجليزية.

وتشير هذه اللغة إلى جمهور محدد في الخارج، يتلقى العقار بصفته فرصة سكن أو استثمار مرتبطة بإسرائيل، مع حضور مشاريع في الضفة وشرق القدس داخل الحزمة نفسها، وهما من الأراضي المحتلة عام 1967 بشكل غير قانوني وفق القانون الدولي.

وفي مارس/آذار 2024، مرت جولة عقارية مشابهة في مونتريال وتورنتو ولونغ آيلند وبروكلين وتينيك في نيوجيرسي، ما أدى إلى احتجاج مئات المتظاهرين في كنيس "كيتر توراه" بالولاية الأخيرة.

وقالت الغارديان: إن الفعالية نظمتها شركة “ماي هوم إن إسرائيل”، وإن المحتجين اتهموا المنظمين بالترويج لعقارات في مستوطنات مثل أريئيل بالضفة الغربية. وتعاملت السلطات مع الفعالية بوصفها حدثًا خاصًا، بينما طالبت منظمات مثل مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) بتحقيق فيدرالي.

وذكرت مواد الجولة، بحسب موقع “ريل إستيت إسرائيل” الذي وثق الفعالية، عبارات من نوع "امتلك قطعة من الأرض المقدسة"، وأدرجت أسماء مستوطنات مثل نفيه دانيال وإفرات ومعاليه أدوميم إلى جانب مدن داخل أراضي 1948.

وفي تورنتو، قالت صحيفة “كنديان جويش نيوز” في مارس/آذار 2024: إن فعالية عقارية داخل كنيس في ثورنهيل أثارت احتجاجات وتظاهرات، وإن إحدى الشركات عرضت مشاريع في إفرات جنوب بيت لحم ومعاليه أدوميم شرق القدس.

وفي يونيو/حزيران 2024، خرجت احتجاجات أخرى أمام كنيس “آداس توراه” في لوس أنجلوس بعد فعالية اتهمت بالترويج لعقارات داخل مستوطنات إسرائيلية في الضفة.

ونقل موقع “جويش جورنال” عن المنظم جيدون كاتز قوله: إن اهتمام الأميركيين بشراء عقارات في إسرائيل زاد بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإن شركته تنظم هذه المعارض منذ سنوات.

وتحت عنوان "الأميركيون يسرقون أرضًا فلسطينية"، ربط تحقيق أميركي نشرته مجلة  “ذا نيشن”، بين فعاليات عقارية في نيويورك ونيوجيرسي وبين مشاريع في مستوطنات مثل غوش عتصيون، وكفار إلداد، وكارنيه شومرون، وغفعات هاماتوس.

وتحدث التحقيق في 26 أغسطس/آب 2025 عن شكاوى حقوقية مرتبطة بشركات تسوق العقارات لجمهور أميركي يهودي بوصف الشراء امتدادًا للارتباط بـ"الأرض المقدسة".

وتخاطب هذه المعارض جمهورًا خارجيًا يملك المال والرغبة السياسية أو الدينية أو الاستثمارية، ليصبح العقار الاستيطاني منتجًا قابلًا للتسويق خارج فلسطين، وتصبح العواصم الغربية جزءًا من مسار عرضه.

صناعة العقار الاستيطاني

لا تُباع الأراضي الفلسطينية المحتلة بطرق غير معلنة، فالعملية تبدأ بشركة تطوير عقاري ثم تمر عبر سلسلة من الوسطاء والمستشارين حتى تصل إلى المشتري في الغرب.

ويبدأ تحويل المستوطنة إلى عقار قابل للبيع من المواد الترويجية نفسها، ففي كتيبات معرض لندن، ظهرت أسماء مستوطنات في الضفة وشرق القدس داخل مواد دعائية للفعالية، بينما عرضت الخرائط والمصطلحات العقارية هذه المواقع كجزء طبيعي من السوق الإسرائيلي.

وتلعب المواد الدعائية دورًا أساسيًا، فالكتيبات وخرائط العرض تلغي أو تهمِّش خط عام 1967، وتعرض المستوطنات كـ"أحياء" في القدس أو الضفة.

وذكر موقع "ميدل إيست آي"البريطاني أن شركات مشاركة في الفعالية عرضت مشاريع في مواقع ذات وضع قانوني حساس، منها “جيروزاليم ريال إستيت” التي عرضت مشاريع في “فرينش هيل” و"رمات إشكول" شرق القدس، و"هاري زهاف" التي روجت لمشاريع في كفار إلداد وتينيه عومريم.

تستخدم هذه المواد لغة عقارية مألوفة للمشتري؛ إذ تظهر عبارات مثل "الأحياء الأنغلوفونية"، و"مجتمع عائلي"، و"قرب القدس"، و"فرصة شراء"، و"تسهيلات دفع"، و"أسعار ما قبل انطلاق المشروع". 

وبدل أن يواجه المشتري موقع المشروع داخل الضفة أو شرق القدس، يتلقى وصفًا لمنطقة “سكنية” مريحة وقريبة من الخدمات ومناسبة للعائلات، لتتحول المستوطنة من واقع سياسي وقانوني إلى حزمة عقارية تقرأ مثل أي عرض سكني في سوق غربي.

وتقدم معاليه أدوميم مثالًا واضحًا، فقد ذكرت الغارديان أن اسمها ظهر في كتيبات فعالية لندن، ووردت في مواد شركات التسويق بوصفها موقعًا مناسبًا لجمهور ناطق بالإنجليزية وقريبًا من القدس. 

وفي المقابل، يصف معهد فهم الشرق الأوسط (IMEU) مشروع التوسع الاستيطاني في منطقة E1 المرتبطة بمعاليه أدوميم بأنه من أكثر مشاريع الاستيطان تأثيرًا على التواصل الجغرافي للضفة؛ لأنه يعزز فصل شمالها عن جنوبها ويطوق شرق القدس.

وذكرت مستوطنة غفعات هاماتوس ضمن تلك المشاريع المروج لها، والتي يراها دبلوماسيون ومراقبون منطقة حساسة بسبب موقعها بين القدس وبيت لحم. 

وفي تحقيق "ذا نيشن" عام 2025، ورد أن مواد تسويق عقارية قدمت غفعات هاماتوس كمشروع في القدس، وهي صياغة تُدخل الموقع في السوق  العقاري من دون إظهار وضعه داخل هذه المنطقة المحتلة.

وتعرض كفار إلداد وتينيه عومريم طبقة أخرى من هذا التسويق؛ إذ قال "ميدل إيست آي" في يونيو 2026: إن شركة "هاري زهاف" روجت لهذين المشروعين في فعالية لندن. 

في مواد البيع، تظهر المواقع (كفار إلداد جنوب بيت لحم ضمن كتلة غوش عتصيون، وتينيه عومريم قرب الظاهرية جنوب الخليل) بوصفها تجمعات سكنية قريبة من القدس أو مناسبة للحياة العائلية، بينما تعد في الواقع مستوطنات غير قانونية بالضفة.

ولا تقف العملية عند عرض الصور، فوفق المواد الترويجية لـ "ماي هوم إن إسرائيل"، تقدم الشركة للمشترين في الخارج مسارًا كاملًا للشراء، يشمل التواصل مع شركات تطوير ووسطاء، والحصول على إرشاد بشأن الرهن العقاري والضرائب، وترتيب التحويلات.

وتظهر شركة "تيفوخ شيلي" (Tivuch Shelly) في هذا السياق بوصفها وسيطًا يخاطب المشترين الأجانب، وقد نشرت عام 2025 مدونة عن جولة في نيويورك ونيوجيرسي قدمت مشروعًا في معاليه أدوميم بوصفه فرصة لمجتمع أنغلوفوني، مع ذكر المدارس والمرافق وتسهيلات الدفع.

وتشارك في بعض المعارض شركات كبيرة مثل Shapir Engineering، المدرجة ضمن قائمة الأمم المتحدة للشركات العاملة في المستوطنات.

المسؤولية القانونية والتجارية

تضع هذه الفعاليات الحكومات الغربية أمام فجوة واضحة بين الموقف السياسي والممارسة التجارية، خاصة أن القوانين الدولية تحذر من الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، وتعد جميع المستوطنات المقامة في الضفة الغربية وشرق القدس غير قانونية.

في 9 يونيو 2026، حدّثت الحكومة البريطانية صفحة “مخاطر الأعمال في الأراضي الفلسطينية المحتلة”، ونصحت الشركات والأفراد بتجنب أي معاملات مالية أو استثمارية أو مشتريات أو عقود أو أنشطة اقتصادية داخل المستوطنات؛ بسبب مخاطر قانونية ومالية ومخاطر تتعلق بالسمعة. 

وتذكر الصفحة أيضًا أن إسرائيل ضمت شرق القدس بشكل أحادي، وأن المملكة المتحدة لا تعترف بهذا الضم. ولكن بعد خمسة أيام فقط، أقيم معرض لندن. 

وفي 17 يونيو 2026، قالت الغارديان: إن وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية هاميش فالكونر كتب إلى هيئة معايير الإعلان البريطانية، طالبًا منها فحص الأدلة المتعلقة بالترويج لعقارات في مستوطنات. 

ونقلت الصحيفة عن الهيئة أنها تستطيع النظر في قواعد الإعلان، بينما تبقى مسائل القانون الدولي من اختصاص الحكومة. 

بهذا المعنى، تحركت القضية في بريطانيا عبر مسار إعلاني واستهلاكي، رغم أن أصلها يتعلق بعقارات استيطانية داخل أرض محتلة.

في المسار نفسه، أعلن المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين في 17 يونيو أنه قدم شكوى رسمية إلى هيئة معايير الإعلان، قال فيها: إن مواد الفعالية روجت لمشاريع في معاليه أدوميم وإفرات. 

ورأى المركز أن عرض هذه المشاريع أمام جمهور بريطاني يثير شبهة الإعلان المضلل؛ لأن المشتري لا يتلقى بالضرورة معلومات واضحة عن موقع العقار، ووضعه القانوني، والمخاطر المرتبطة بشراء وحدة داخل مستوطنة.

أما في الولايات المتحدة، فلا توجد قوانين صريحة تمنع تسويق عقارات في الخارج، لكن حقوقيين يؤكدون أن بيع عقارات في مستوطنات غير قانونية قد يرقى إلى دعم جرائم حرب. ومع ذلك لم تفتح وزارة العدل أو وزارة الإسكان قضايا معروفة حتى الآن. 

ويقول غابور رونا، أستاذ القانون في كلية كاردوزو الأميركية والمدير القانوني الدولي السابق في “هيومن رايتس فيرست”: إن شراء وبيع عقارات في الأراضي الفلسطينية المحتلة يخالف القانون الدولي وقرارات أممية متعددة، وقد يرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما. 

وتناول رونا خلال مقال في أغسطس/آب 2024، أيضًا احتمال ارتباط بعض الفعاليات بقانون الإسكان العادل إذا ثبت أنها تميز في الحضور على أساس الدين أو الأصل القومي.

وتعزز مجلة “ذا نيشن” الأميركية هذه الزاوية، ففي تحقيق نشرته في 26 أغسطس/آب 2025، تحدثت عن فعاليات عقارية في نيويورك ونيوجيرسي، وربطتها بمشاريع في مستوطنات مثل غوش عتصيون وكفار إلداد وكارنيه شومرون وغفعات هاماتوس. 

كما أشار التحقيق إلى شكاوى حقوقية بشأن استهداف جمهور يهودي أميركي وتقييد حضور بعض الفعاليات، ما ينقل المسألة من موقع العقار وحده إلى طريقة التسويق وهوية من يُسمح له بالدخول والشراء.