ثاني أقوى جيش بالناتو وعلاقات متصاعدة مع روسيا.. كيف تُقرأ سياسات تركيا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

شهد النظام الدولي تحولات جذرية عقب انتهاء الحرب الباردة، وكان لهذه التحولات تأثير مباشر على العلاقات بين تركيا وروسيا. 

وفي هذا السياق، نشرت "مجلة المجتمع والاقتصاد والإدارة" التركية ورقة بحثية للباحث التركي "نور الدين يوشان"، تناول فيها أثر التعاون في مجال الطاقة بين تركيا وروسيا على علاقات أنقرة بحلف شمال الأطلسي (الناتو).

وأوضح الباحث في الورقة كيف انعكس هذا التعاون على توجهات السياسة الخارجية التركية، في ظل سعيها إلى تحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية والتزاماتها الأمنية.

فبعد عقود طويلة اتسمت بالتنافس والتموضع ضمن معسكرات متعارضة، بدأت العلاقات بين البلدين منذ تسعينيات القرن الماضي تتجه نحو التعاون في مجالات متعددة، وفي مقدمتها قطاع الطاقة الذي أصبح يمثل أحد أهم محددات العلاقة بين الطرفين.

وقد أدى تزايد حاجة تركيا إلى مصادر الطاقة إلى تعزيز مكانة روسيا، بصفتها المورد الأساسي للغاز الطبيعي والنفط، الأمرُ الذي خلق حالة من الاعتماد المتبادل بين البلدين. 

إلا أن هذا التقارب الاقتصادي لم يبق محصوراً في الجانب التجاري، بل امتد تأثيره ليشمل السياسة الخارجية والتوازنات الأمنية الإقليمية والدولية.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن تركيا تعد عضواً في حلف شمال الأطلسي، وهو الحلف الذي يصنف روسيا بصفتها أحد أبرز مصادر التهديد للأمن الأوروبي والغربي. 

في هذا السياق، فإن المشاريع المشتركة بين تركيا وروسيا؛ مثل مشروع السيل التركي ومحطة أكويو للطاقة النووية، أصبحت تثير نقاشاً متزايداً حول انعكاساتها على التزامات تركيا داخل الحلف وعلى طبيعة علاقاتها الأمنية مع الدول الغربية.

الواقعية الكلاسيكية الجديدة في تفسير العلاقات بين تركيا وروسيا وحلف شمال الأطلسي

واستدرك الباحث التركي أن السياسة الخارجية لا تتحدد فقط من خلال موازين القوى الموجودة في النظام الدولي فحسب، بل تتأثر أيضاً بعوامل داخلية متعددة؛ مثل رؤية القيادة السياسية، والأوضاع الاقتصادية، والتوازنات الداخلية، بالإضافة إلى طبيعة المؤسسات الحكومية و الضغوط الاجتماعية. 

بذلك فإن الدولة لا تستجيب للمتغيرات الدولية بشكل مباشر، وإنما تمر هذه المتغيرات عبر مجموعة من الحسابات الداخلية قبل أن تتحول إلى قرارات سياسية فعلية.

وتكمن أهمية هذا التفسير في دراسة قضايا الطاقة، لأن الطاقة لا ترتبط فقط بالمنافسة بين الدول على المستوى الدولي، بل ترتبط كذلك بالاستقرار الاقتصادي الداخلي وبقدرة الدولة على الحفاظ على أمنها القومي. 

حيث إنّ توفّر الطاقة يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار النمو الاقتصادي، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، مما يجعل السياسات المرتبطة بها جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار السياسي والإستراتيجي.

وفي الحالة التركية، فإنّ التعاون مع روسيا في مجال الطاقة لا يعد مجرد تعاون اقتصادي محدود، بل هو خيار إستراتيجيّ مرتبطٌ بالحاجة إلى ضمان أمن الطاقة، وتأمين مصادر مستمرة تلبي احتياجات الاقتصاد الوطني. 

كما أن صناع القرار في تركيا، ينظرون إلى تنويع مصادر الطاقة على أنّها وسيلة لتعزيز قدرة الدولة على المناورة السياسية، والحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي.

أما روسيا، فإنها تستخدم الطاقة بصفتها أداة إستراتيجية؛ حيث تعزز من خلالها مكانتها الدولية، وتزيد من قدرتها على التأثير في الدول الأخرى. فمن جهة تُعَدّ صادرات الطاقة مصدراً اقتصادياً رئيساً، ومن جهةٍ أخرى تمنح روسيا نفوذاً سياسياً واسعاً، خاصة تجاه الدول التي تعتمد بشكل كبير على مواردها الطبيعية.

ومن خلال هذا الإطار النظري، يمكن فهم العلاقات التركية الروسية في مجال الطاقة بصفتها قضية تتجاوز البعد الاقتصادي التقليدي؛ حيث تمتدّ لِتؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأمنية لتركيا داخل حلف شمال الأطلسي.

فَتركيا تجد نفسها في وضع معقد؛ إذ يتوجب عليها الالتزامَ بتعهداتها الأمنية بصفتها عضواً في الحلف، ومن ناحية أخرى الاستمرارَ في التعاون مع روسيا لتأمين مصالحها الإستراتيجية المرتبطة بالطاقة.

ويعكس هذا الأمر ما تؤكد عليه الواقعية الكلاسيكية الجديدة، وهو أن السياسة الخارجية للدول تتشكل نتيجة تفاعل مستمر بين الضغوط الدولية والاحتياجات الوطنية الداخلية؛ فموقع تركيا داخل الحلف لا تحدده فقط الإستراتيجيات الأمنية للتحالف، وإنما تحدده أيضاً تقديرات داخلية مرتبطة بأمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، والتوازنات السياسية الداخلية.

عليه، يمكن عدّ العلاقات بين تركيا وروسيا في مجال الطاقة نموذجاً واضحاً لحالة التوازن التي تسعى الدول لتحقيقها بين متطلبات التحالفات الدولية ومصالحها الوطنية، وهو ما يجعل ملف الطاقة أحد أهم العناصر المؤثرة في فهم السياسة الخارجية التركية في المرحلة الراهنة.

وأردف الباحث التركي أنّ قطاع الطاقة يُعَدّ أحد أهم محركات العلاقات بين تركيا وروسيا. فبعد مشروع "السيل الأزرق"، جاء مشروع محطة "أكويو النووية" ليعزز هذا التعاون بشكل أعمق. 

يعد هذا المشروع أول محطة نووية في تركيا، ويعتمد بشكل كبير على شركة روسية (روسآتوم) في البناء والتشغيل، وهو ما يخلق مستوى مرتفعاً من الاعتماد التركي على روسيا في قطاع الطاقة النووية.

ورغم الفوائد الاقتصادية والتكنولوجية، إلّا أنّ هذا الاعتماد يثير بعض المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة، خاصة في ظل استخدام الطاقة أحياناً كأداة ضغط جيوسياسي. لذلك تسعى تركيا إلى تنويع مصادرها عبر التعاون مع دول أخرى مثل أذربيجان وإيران وقطر.

من جهة أخرى، ترى روسيا في تركيا شريكاً إستراتيجياً لنقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية، خاصة عبر مشروع "السيل التركي" الذي بدأ تشغيله عام 2020. 

هذا الخط يتيح نقل الغاز الروسي مباشرة إلى تركيا ثم إلى أوروبا دون المرور بدول عبور تقليدية، وهو ما يعزز موقع تركيا كمركز إقليمي للطاقة، ويخدم في الوقت نفسه استراتيجية روسيا في تجاوز أوكرانيا في تصدير الغاز.

بشكل عام، تعكس العلاقات في مجال الطاقة بين البلدين حالة من الاعتماد المتبادل؛ فهي من جهة تعزز التعاون والاستقرار، ومن جهة أخرى تخلق قيوداً إستراتيجية تؤثر على قرارات السياسة الخارجية لكلا الطرفين.

التوترات الناشئة عن روسيا في العلاقات بين تركيا وحلف الناتو

وأردف الباحث التركي بأنّ تركيا، منذ نهاية الحرب الباردة، سعت في سياستها الخارجية إلى الحفاظ على موقعها داخل التحالف الغربي، وضمان أمنها عبر مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو). 

ومنذ انضمامها إلى الحلف عام 1952، أصبحت تركيا جزءاً من البنية الأمنية الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي، ولعبت دور "الجناح الجنوبي" لِلحلف لفترة طويلة.

إنّ "الناتو" يمنح تركيا مظلة أمنية قائمة على مبدأ الدفاع الجماعي، لكنّه يفرض في المقابل التزامات عسكرية وسياسية، ضمن إطار المادة الخامسة التي تنص على الدفاع المشترك بين الأعضاء.

لكن، منذ بداية الألفية الجديدة، ومع تحوّل النظام الدولي نحو تعددية الأقطاب، بدأت تركيا تتبنى سياسات خارجية أكثر استقلالية ومرونة. فكان من أبرز مظاهر هذا التحول استمرار تركيا في علاقاتها مع حلف الناتو، وفي الوقت نفسه تطوير تعاونها مع روسيا، التي تعد تقليدياً ضمن التهديدات المحتملة للحلف.

وقد خلق هذا الوضع نوعاً من التناقض في موقع تركيا داخل الناتو، فلم تعد تعد كحليف تقليدي فحسب، بل كفاعل يسعى إلى تحقيق توازن بين القوى المختلفة.

وقد امتد التعاون التركي مع روسيا من المجال الاقتصادي، خاصةً الطاقة، إلى مجالات الأمن والدفاع، ما أدى إلى تغيّر في نظرة بعض دول الناتو إلى تركيا. 

من أبرز الأمثلة على ذلك التعاون بين تركيا وروسيا في الملف السوري، بما في ذلك اتفاقيات إدلب، ومسار سوتشي، وصيغة أستانا. هذه الترتيبات أظهرت أن التعاون بين أنقرة وموسكو لا يقتصر على الاقتصاد، بل يشمل أيضاً التنسيق الأمني. وهو ما أثار جدلاً داخل الناتو؛ حيث تمّ تقديره كابتعاد عن سياسة الحلف الجماعية.

ورغم أن تركيا تبرر هذه السياسة بأنها جزء من سعيها لتحقيق الاستقلال الإستراتيجي، وَتقليل الاعتماد على الخارج في الصناعات الدفاعية، إلا أن بعض أعضاء الناتو يرون فيها مساساً بمبدأ الثقة بين الحلفاء، بل ويعدونها انحرافاً إستراتيجياً قد يضعف البنية الأمنية للحلف.

فقد كانت أزمة منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400" أبرز تجسيد لهذه التوترات. فإنّ شراء تركيا لهذه المنظومة عام 2017 اعتُبر ليس مجرد صفقة تسليح، بل خطوة تعكس بحث أنقرة عن بدائل أمنية خارج إطار الناتو.

وقد أثار هذا القرار أزمة كبيرة داخل الحلف، بسبب عدم توافق النظام مع البنية الدفاعية للناتو، وهو ما عُدَّ تهديداً للتكامل العملياتي المشترك.

ردّا على ذلك، قامت الولايات المتحدة بإخراج تركيا من برنامج المقاتلة "إف-35"، وفرضت عليها عقوبات بموجب قانون "كاتسا". كما تم إنهاء تدريب الطيارين الأتراك، وطلب من العسكريين الأتراك مغادرة برامج التدريب، إضافة إلى البحث عن بدائل للشركات التركية التي كانت تشارك في تصنيع أجزاء من الطائرة، ما تسبب بخسائر اقتصادية كبيرة قُدّرت بنحو 9 مليارات دولار.

وقد شهدت العلاقات توتراً إضافياً داخل الناتو بعد حادثة عام 2017 في مناورات عسكرية في النرويج؛ حيث وُضع اسم وصورة مصطفى كمال أتاتورك والرئيس رجب طيب أردوغان ضمن سيناريوهات تحاكي “أعداء محتملين”. 

وقد أثار ذلك ردود فعل غاضبة في تركيا، وعُد إهانة غير مقبولة لِحليف في الناتو. ورغم اعتذار الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، إلا أن تركيا انسحبت مؤقتاً من التمرين.

وبشكل عام، أدت أزمة "إس-400" إلى تعميق أزمة الثقة بين تركيا وحلف الناتو، وذلك ليس فقط مع الولايات المتحدة بل داخل المنظومة الأطلسية ككل. فقد أصبحت سياسة تركيا في تنويع مصادر تسليحها وسعيها نحو الاستقلال في الصناعات الدفاعية مصدر توتر مستمر مع الحلف، رغم أنها تُبرر ذلك باعتبارات الأمن القومي.

الطاقة والأمن بين روسيا والناتو في إطار الاستقلال الإستراتيجي التركي

في سياق التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، أصبحت علاقات تركيا مع روسيا وحلف الناتو في مجالات الطاقة والأمن جزءاً من معادلة إستراتيجية معقدة. فاستمرار التعاون في مجال الطاقة، إلى جانب التوازن الأمني بين الغرب وروسيا، يشكلان عناصر أساسية في السياسة الخارجية التركية.

وقد أدت أزمة أوكرانيا عام 2014، خاصةً ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، إلى تغييرات عميقة في الأمن الإقليمي للبحر الأسود، وهو ما دفع تركيا إلى اتباع سياسة أكثر توازناً ودقة. ففي الوقت الذي تدعم فيه أنقرة وحدة أراضي أوكرانيا وترفض الاعتراف بضم القرم، تواصل تعاونها مع روسيا في مجالات الطاقة والتجارة والدفاع.

كما أسهمت مبيعات الطائرات المسيّرة التركية إلى أوكرانيا في تعزيز العلاقات مع كييف، الأمر الذي أثار اعتراضات روسية، خاصة بعد استخدام طائرات "بيرقدار تي بي 2" في الحرب.

مع ذلك، تجنبت تركيا الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، وحرصت على الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، مع استمرار التعاون في مجالات الطاقة والسياحة والدفاع.

فقد كشفت أزمة أوكرانيا عن قدرة تركيا على إدارة علاقاتها المتوازنة بين الناتو وروسيا، وهو ما يعكس توجهها نحو الاستقلال الاستراتيجي والتكيف مع النظام الدولي متعدد الأقطاب.

وإنّ تركيا تعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاتها؛ حيث يتم تأمين نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي من الخارج، وتعد روسيا أحد أهم الموردين؛ حيث تعتمد عليها في جزء كبير من وارداتها النفطية، وهو ما يعزز من مستوى الاعتماد المتبادل بين البلدين.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، تسعى تركيا إلى تقليل الاعتماد على مصدر واحد وتنويع مصادر الطاقة، وذلك من خلال صفقات مع شركات مثل "إكسون موبيل" وَ"توتال إِنرجيز" للحصول على الغاز الطبيعي المسال. إلا أن هذه الخطوات لا تلغي استمرار الدور الروسي المركزي في أمن الطاقة التركي.

لذلك، ينظر بعض أعضاء الناتو إلى هذا الاعتماد على روسيا على أنّه مصدر قلق إستراتيجي، خاصة في ظل التوترات المتعلقة بمنظومات الدفاع الجوي مثل "إس-400" والعقوبات الأميركية المرتبطة بها، والتي أثرت على موقع تركيا داخل الحِلف.

من جهة أخرى، تسعى تركيا إلى عدم الاعتماد على تحالف واحد، بل تنويع التحالفات عبر الانفتاح على أطر دولية بديلة؛ مثل مجموعة "بريكس"؛ حيث تقدمت بطلب للانضمام إليها عام 2024. 

مع ذلك، تؤكد القيادة التركية أن هذا التوجه لا يعني التخلي عن عضوية الناتو، بل يعكس سعيها إلى تعزيز موقعها في نظام دولي متعدد الأقطاب. وبهذا، يمكن القول أنّ تركيا تحاول إدارة توازن دقيق بين التزاماتها داخل الناتو، وعلاقاتها الإستراتيجية مع روسيا، وطموحاتها في الاستقلال الإستراتيجي، وهو ما يجعل سياستها الخارجية أكثر تعقيداً لكنها أيضاً أكثر مرونة في التعامل مع التحولات الدولية.

خلاصة

يمثل التناقض المتزايد بين روسيا وحلف الناتو في السياسة الخارجية التركية محاولة مستمرة لتحقيق توازن معقد بين تأمين الطاقة من جهة، والالتزامات الأمنية التقليدية ضمن التحالف الغربي من جهة أخرى. 

أولاً، وبالنظر إلى الوزن الكبير لروسيا في واردات الطاقة التركية، يتضح وجود علاقة اعتماد بنيوي واضحة. فَاعتماد تركيا على روسيا في تأمين ما يقارب نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي، إضافة إلى كون محطة "أكويو" للطاقة النووية تحت إدارة روسية، يجعل من ملف الطاقة عاملاً مباشراً يؤثر في السياسة الخارجية ويخلق نوعاً من الهشاشة الإستراتيجية.

أما انعكاسات هذا الاعتماد على علاقات تركيا مع حلف الناتو فهي أكثر تعقيداً. فقد سعت أنقرة إلى موازنة هذه المخاوف من خلال مشاركتها الفاعلة في تدريبات الناتو، وإظهار التضامن مع بعض الدول الأعضاء، وهو ما جعل سياستها الطاقوية والأمنية في آن واحد عاملاً للتعاون والتوتر داخل الحِلف. 

وعلى الرغم من أن هذه المقاربة منحت تركيا مرونة على المدى القصير، إلا أن استدامتها على المدى الطويل تظل موضع نقاش.

من جهةٍ أخرى، يلعب الموقع الجيوسياسي لتركيا دوراً محورياً في إعادة تشكيل هذه المعادلة. فتركيا ليست فقط دولة مستهلكة للطاقة، بل أيضاً دولة عبور مهمة في مسارات الطاقة نحو أوروبا، وهو ما يعزز من دورها الإستراتيجي في خطط تنويع مصادر الطاقة الأوروبية. 

هذا الموقع يمنح أنقرة قدرة على المناورة بين موسكو والناتو، ويزيد من وزنها التفاوضي داخل المنظومة الأطلسية. وعندما تُدار هذه الميزة الجغرافية بشكل فعال، يمكن أن تتحول تبعية الطاقة من نقطة ضعف إلى أداة جيو سياسية ودبلوماسية.

إنّ التعاون التركي الروسي في مجال الطاقة لا يتعارض بالضرورة مع العلاقات التقليدية بين تركيا والناتو، بل يعيد تشكيلها ويجبرها على التكيف مع واقع دولي متغير. 

وإنّ تركيا تسعى في النظام الدولي متعدد الأقطاب إلى تعزيز استقلالها الإستراتيجي وتنويع أدوات سياستها الخارجية، وذلك من خلال الجمع بين استمرار عضويتها في الناتو وتطوير علاقاتها مع روسيا. 

وقد يمنح هذا الخيار تركيا فرصة لتعزيز دورها كفاعل أكثر استقلالية في معادلات الطاقة والجيوسياسة العالمية، لكنه في الوقت ذاته يخلق حالة من التوتر الأمني المستمر داخل علاقتها مع الناتو. ويظل التحدي الأساسي أمام تركيا هو إدارة هذا التوازن المعقد بطريقة قابلة للاستمرار على المدى الطويل.