كيف تحولت فضيحة كوشنر إلى ساحة صراع بين تيرانا وطهران؟

"جنى رئيس وزراء ألبانيا من الانحياز لإسرائيل مكاسب ملموسة"
كشف تقرير صحفي الأبعاد الجيوسياسية لمشروع منتجع فاخر يعتزم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إقامته على جزيرة محمية في ألبانيا، وما أثاره من احتجاجات شعبية باتت تُعرف بـ"ثورة الفلامنغو".
ألبانيا الدولة البلقانية الصغيرة على الساحل الأدرياتيكي، نادرا ما تتصدر عناوين الأخبار، غير أن محتجين يلوّحون بقصاصات وردية على شكل طائر الفلامنغو على جزيرة يريد آل ترامب تحويلها إلى منتجع، استقطبوا أخيرا اهتماما إعلاميا دوليا واسعا.
ونشرت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية تقريرا أوضح أن النزاع الذي يتمحور في ظاهره حول التهديد الذي يمثله المشروع للحياة البرية المحلية، يكشف عن أبعاد أعمق.
فتحت السطح شبكة معقدة من الإشكاليات المرتبطة بكوشنر، المقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب وجود جماعة إيرانية معارضة منفية في ألبانيا.
ويُضاف إلى ذلك أن السلطات الألبانية المعنية بمكافحة الفساد أطلقت تحقيقا في صفقة كوشنر مع تيرانا، وهو ما يمثل اختبارا مباشرا للاتحاد الأوروبي الذي تسعى ألبانيا إلى الانضمام إليه.
دلتا فيوسا-نارتا
دلتا "فيوسا-نارتا"، المَوْطِن النادر لطيور الفلامنغو والبجع ومفاقس السلاحف، أُعلنت عام 2023 أول حديقة وطنية للأنهار البرية في أوروبا.
غير أنه بعد إعادة انتخاب ترامب عام 2024، كشف كوشنر عن خطط لإقامة منتجع بمليارات الدولارات على الجزيرة المحمية.
ومنحت حكومة رئيس الوزراء، إيدي راما، "صفة المستثمر الإستراتيجي" لشركة مرتبطة بكوشنر، مع إعفاءات ضريبية وتجاوز لإجراءات المناقصات والمراجعات البيئية وفق ما أفادت التقارير. وحين بدأت أعمال البناء أخيرا، اندلعت "ثورة الفلامنغو".
وأشار التقرير إلى أن الأكثر أهمية في هذا الملف هو التداعيات الجيوسياسية المحتملة.
فخلال الولاية الأولى لترامب، أشرف كوشنر على "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في مقدمتها الإمارات والبحرين، وأشاد نتنياهو بها بصفتها إنجازا دبلوماسيا كبيرا.
وأوضح أن كوشنر ونتنياهو يحافظان على تواصل وثيق وفق التقارير، حتى فيما يتولى كوشنر التفاوض مع إيران نيابة عن إدارة ترامب.
وشركة "أفينيتي بارترز" التي أسسها كوشنر أُنشئت صراحة بهدف تعميق العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والعالم العربي.
وللاستيعاب الكامل للسياق، يستدعي التقرير ما يُعرف بـ"إستراتيجية الأطراف" الإسرائيلية.
فعلى مدى عقود، سعت إسرائيل إلى بناء علاقات مع دول غير عربية على أطراف الشرق الأوسط، من القوقاز إلى البلقان وإفريقيا، بهدف كسر عزلتها الدبلوماسية.
وأفاد التقرير بأن هذه الإستراتيجية لا تزال حية وفاعلة اليوم؛ إذ وثّقت إسرائيل علاقاتها مع أذربيجان شريكا في الطاقة وموطئ قدم استخباراتيا على حدود إيران، ومع صربيا التي رفعت وارداتها من الأسلحة الإسرائيلية بشكل ملحوظ، ورومانيا التي أعلنت نقل سفارتها إلى القدس المحتلة، وحاليا ألبانيا.

الحسابات الإسرائيلية
وبحسب التقرير، تنسجم ألبانيا تماما مع هذه الصورة، فهي دولة ذات غالبية مسلمة وطابع علماني، وعضو متحمس في حلف "الناتو" يسعى إلى إثبات قيمته أمام الحلفاء الغربيين. والأكثر أهمية أنها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي.
وذكر التقرير أن وجود دولة صديقة داخل الاتحاد أو على أعتابه سيكون بالغ الأهمية لإسرائيل في وقت تتصاعد فيه موجة النقد الأوروبي لسياساتها.
فمع نقاشات دول الاتحاد حول فرض عقوبات وتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وحظر التجارة مع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن أي صوت متعاطف يصبح ذا قيمة إستراتيجية. وقد أثبت "راما" أنه حليف متين.
ولفت التقرير إلى أنه لا يكاد يوجد مشهد يجسّد انحياز راما نحو الثنائي ترامب-نتنياهو أكثر من موقفه من إيران، فألبانيا هي البلد الذي استقرت فيه آلاف من أعضاء منظمة "مجاهدي خلق"، جماعة المعارضة الإيرانية المنفية التي كانت مدرجة سابقا على قوائم الإرهاب الأميركية والأوروبية.
وانتقلت هذه الجماعة إلى تيرانا بعد مغادرة "معسكر أشرف" في العراق عام 2013 بموجب اتفاق توسطت فيه إدارة باراك أوباما.
وجاء استقرارها في ألبانيا في معظمه بسبب رفض دول أخرى استضافتها حين تقدمت إليها واشنطن بالطلب، وكان المقصود بالانتقال أصلا أن يكون بادرة إنسانية لا قاعدة عمليات جديدة للجماعة.
وأشار التقرير إلى أن هذا الترتيب لم يُحترم بالكامل؛ إذ وُثّقت حسابات آلية إلكترونية مرتبطة بالمنظمة ومنبثقة من ألبانيا. غير أن راما احتضن المنظمة واستثمرها ورقةَ ضغط في مواجهة طهران.
وقالت المجلة: “حين اتسعت رقعة (ثورة الفلامنغو)، سارع راما علنا إلى اتهام إيران بالتحريض على الاحتجاجات”، وفي بيان حاد الصياغة وجّهه لإيران، اتهم طهران بالإرهاب الإلكتروني واستهداف المؤسسات الألبانية والعداء لـ"الحرية ذاتها".
ثم انتقل إلى الدفاع المطلق عن قرار ألبانيا إيواء منظمة "مجاهدي خلق" دون تسميتها صراحة، واصفا أعضاءها بأنهم "رجال ونساء إيرانيون أردتم إسكاتهم بالترهيب والسجن والموت".
ورأى التقرير أن هذا الموقف لافت لسببين، أولهما أنه يُضفي على المنظمة صفة مقاتلي الحرية، وهي التسمية ذاتها التي استخدمها كبار مسؤولي الولاية الأولى لترامب، ومنهم وزير الخارجية السابق مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون، اللذان يُشار إلى أنهما تقاضيا مقابلا سخيا مقابل دفاعهما عن المنظمة.
وثانيهما أن هذا الموقف يصرف النظر كليا عن اتهامات الفساد المحلي والتدمير البيئي التي تمثّل جوهر الاحتجاجات.
وقال التقرير: إنه لا يوجد أي دليل على أن المحتجين حاملي الفلامنغو عملاء إيرانيون؛ إذ هم مواطنون ألبانيون قلقون على سواحلهم.
وأضاف أن راما، بإلقاء اللوم على طهران وتقديم نفسه مقاتلا ضد الثيوقراطية، يسعى إلى تحويل فضيحة محلية إلى معركة في حرب وكالة عالمية تنسجم تماما مع المصالح الإسرائيلية.

التوتر مع بروكسل
وأثار التقرير تساؤلا حول مدى انسجام السياسة الخارجية الألبانية مع معايير الاتحاد الأوروبي، فرغم أن العلاقات الأوروبية مع إيران بلغت أدنى مستوياتها منذ عام 1979، فإن الاتحاد لا يعترف بمنظمة "مجاهدي خلق" محاورا شرعيا ولا يدعمها بأي شكل.
وانضمت ألبانيا إلى ما وصفه ترامب بـ"مجلس السلام"، بل وافقت على إرسال قوات حفظ سلام إلى غزة وفق خطته التي أيّدها نتنياهو.
كذلك زار راما القدس المحتلة وخطب أمام الكنيست، فأثنى عليه نتنياهو لـ"ضميره الأخلاقي."
وفي خطابه أمام الكنيست، حمّل راما المسؤولية عن الرد العسكري الإسرائيلي على أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لـ"حركة حماس وحدها"، متجاهلا أن هذا الرد أودى بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني في غزة فيما وصفته محكمة العدل الدولية ومقرر أممي وخبراء قانون دوليون بأنه يُشكّل إبادة جماعية.
وجنى راما من هذا الانحياز مكاسب ملموسة، من بينها صفقات تسليح مع شركات إسرائيلية كشركة "إلبيت سيستمز".
وأوضح التقرير أنه رغم أن التباين في السياسة الخارجية مقلق، فإن هذه السياسة لا تزال من صلاحيات الدول الأعضاء والمرشحة للعضوية، وبعض دول الاتحاد تربطها أصلا علاقات وثيقة مع إسرائيل، غير أن ملف الفساد هو الساحة التي يملك فيها الاتحاد نفوذا حقيقيا.
ومنذ حصول ألبانيا على صفة مرشحة للعضوية عام 2014 وانطلاق مفاوضات الانضمام الرسمية عام 2022، أعرب الاتحاد مرارا عن قلقه إزاء الفساد وضعف سيادة القانون في ألبانيا.
وحين يطرح المحتجون أسئلة مشروعة عمّن يستفيد من منتجع على محمية طبيعية، لا يكتفي راما باتهام إيران بالتدخل، بل يؤكد أنه لا توجد "أي فرصة على الإطلاق" لوقف المشروع.
وخلص التقرير إلى أن بروكسل لا تستطيع غض الطرف، فبإمكان الاتحاد مساءلة الحكومة الألبانية عبر المطالبة بالشفافية، وربط أموال التوسع بتعزيز سيادة القانون ومكافحة الفساد، وتعليق مفاوضات الانضمام في نهاية المطاف إن لم تُستوفَ هذه الشروط.
وأنهى التقرير بأن ما تحتاجه بروكسل هو الإرادة السياسية لحماية سمعتها المتآكلة.
فالمحتجون حاملو الفلامنغو ليسوا أدوات طهران، بل مواطنون سئموا استعلاء النخب السياسية وإهمالها، ومشروع كوشنر ليس سوى آخر تجلياتها. وعلى بروكسل أن تبدأ بالإنصات، ثم بالتحرك.


















