هل يفقد اليمين الأميركي ولاءه لإسرائيل؟ قراءة في التحولات العميقة

إسرائيل تكثف جهودها في محاولة لوقف التراجع المتزايد في مكانتها داخل أوساط اليمين المحافظ الأميركي
تُظهر دراستان حديثتان تصاعدًا ملحوظًا في التحديات التي تواجه إسرائيل داخل الولايات المتحدة، ليس فقط على مستوى الخطاب السياسي التقليدي القائم على الانقسام الحزبي بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل أيضًا داخل القواعد الاجتماعية والدينية التي طالما شكّلت قاعدة دعم إستراتيجية لتل أبيب.
فبينما تكشف تقارير إعلامية عن توسع إسرائيل في حملات نفوذ رقمية وإعلامية مكلفة داخل الساحة الأميركية في محاولة لاحتواء تراجع التأييد، تشير دراسة صادرة عن معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى أن التحولات الأعمق الجارية في المجتمع الأميركي—خاصة داخل اليمين المحافظ—ترتبط بتغيرات جيلية ودينية وأيديولوجية تعيد صياغة النظرة إلى إسرائيل ودورها.
وبحسب هذه المعطيات، لم يعد الدعم الأميركي لإسرائيل مسألة محسومة أو ثابتة كما في السابق، بل بات خاضعًا لتداخلات معقدة تشمل اللاهوت السياسي، وصعود تيارات “أميركا أولاً”، وتراجع الإجماع الإنجيلي التقليدي، ما يضع السياسة الإسرائيلية أمام ضرورة إعادة بناء أدواتها وخطابها في الولايات المتحدة على أسس أكثر تنوعًا وعمقًا.

أولاً: توسع غير مسبوق في حملات النفوذ الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة
بحسب ما أورده الكاتب الإسرائيلي عومير بن يعقوب في صحيفة "هآرتس"، فإن إسرائيل تكثّف جهودها في الولايات المتحدة في محاولة لوقف التراجع المتزايد في مكانتها داخل أوساط اليمين المحافظ الأميركي، في ظل تصاعد اتهامات سياسية وإعلامية لها بأنها دفعت باتجاه التصعيد مع إيران، وتراجع ملحوظ في الدعم التقليدي داخل القاعدة المحافظة.
وكشف التقرير أن الحكومة الإسرائيلية ستنفق أكثر من 40 مليون دولار على حملة نفوذ موجهة للجمهور الجمهوري-المسيحي، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية الأصلية المخصصة للحملة.
ووفق الكاتب، فإن هذه الحملة انطلقت أواخر العام الماضي، لكنها تتوسع حالياً بشكل كبير مع تركيز متزايد على رسائل تهدف إلى تبرير الحرب على إيران، وتعزيز الخطاب المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن وثائق قُدمت لوزارة العدل الأميركية تُظهر أن إسرائيل أبرمت عقداً جديداً مع شركة إنتاج مقرها نيويورك، لإطلاق حملة "سرد قصصي رقمي" مؤيدة لها، بتكلفة تقارب مليون دولار، في إطار توسيع أدوات التأثير الإعلامي على الرأي العام الأميركي.
كما سبق أن كشف تقرير "هآرتس" في نوفمبر/تشرين الثاني أن إسرائيل وقعت اتفاقات بملايين الدولارات مع شركات محتوى وإعلام أميركية لإدارة حملات دعائية تستهدف الجمهور المسيحي-المحافظ، في وقت يشهد فيه الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل تراجعاً ملحوظاً منذ حرب غزة، حتى داخل دوائر كانت تُعد تاريخياً حاضنة قوية لها.
ووفق ما أورده الكاتب عومير بن يعقوب، فإن العقد الرئيس في هذه المنظومة تبلغ قيمته نحو 6 ملايين دولار مع شركة علاقات عامة يملكها براد بارسكيل الذي تولى إدارة الحملة الرقمية لدونالد ترامب في عامي 2016 و2020.
وأضاف التقرير أن هذه الشركة أنتجت لاحقاً شبكات مواقع دعائية تنشر محتوى مؤيداً لإسرائيل ومناهضاً للفلسطينيين، وقد صُممت لتبدو محايدة وواقعية بهدف التأثير على نتائج محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي.
وتشير وثائق لاحقة نقلتها "هآرتس" إلى أن قيمة الحملة تم توسيعها لتصل إلى 4.5 ملايين دولار شهرياً بدلاً من 1.5 مليون دولار، ما يرفع إجمالي الإنفاق إلى نحو 40.5 مليون دولار سنوياً على الإعلانات الرقمية.
وبحسب التقرير، فإن الهدف المعلن للحملة هو "مكافحة معاداة السامية"، إلا أن التحليل العملي للمحتوى، وفق الكاتب، يُظهر أن التركيز انصب أولاً على إنتاج خطاب دعائي خلال الحرب على غزة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى محاولة تبرير الحرب على إيران، وسط اتهامات متزايدة داخل الولايات المتحدة بأن إسرائيل ساهمت في دفع التصعيد العسكري.
كما كشف تحليل "هآرتس" عن إطلاق موقع جديد ضمن الحملة بعنوان "الحقيقة عن إيران"، إلى جانب تكثيف محتوى إعلامي يستهدف قطر والصين، مع تصعيد رسائل سياسية وإعلامية ضد ما تصفه الحملة بـ"محور مناهض للغرب".
وفي إطار الحملة ذاتها، تم الكشف أيضاً عن تعاقد إسرائيل مع شركة إنتاج نيويوركية تُدعى "بيرو"، لتنفيذ حملة "سرد قصصي رقمي" تهدف إلى التأثير على الرأي العام الأميركي عبر إنتاج محتوى ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام مؤثرين وشخصيات إعلامية.
وفي موازاة ذلك، توسعت شبكة المواقع المرتبطة بالحملة لتشمل محتوى يربط إيران وقطر والصين بما تصفه إسرائيل بـ"محور مناهض للغرب"، مع اتهامات متكررة لهذه الدول بمحاولات التأثير السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة.
كما يواصل موقع "الحقيقة عن إيران" تقديم محتوى يصور طهران كتهديد مباشر للأمن الأميركي، إلى جانب مواقع أخرى تقدم سرديات مماثلة حول الصين وقطر، وتصف الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل بأنها جزء من "حركة أوسع ضد الغرب".
وتشير الدراسة المرفقة بالتقرير، وفق ما أورده الكاتب عومير بن يعقوب، إلى أن هذه التحركات تأتي في سياق تراجع تدريجي في الدعم التقليدي لإسرائيل داخل اليمين الأميركي، وتزايد الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين تيارات محافظة قومية وأخرى تقليدية أو دينية.
وترى الدراسة أن إسرائيل باتت مطالبة بإعادة صياغة إستراتيجيتها في التعامل مع الولايات المتحدة، بعيداً عن الافتراضات التي كانت تعد الدعم الجمهوري ثابتاً، في ظل تحولات دينية وجيلية وأيديولوجية داخل المجتمع الأميركي.

ثانياً: تحولات بنيوية في فهم الدعم الأميركي لإسرائيل
بحسب دراسة صادرة عن معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، للباحثة بات-شيفا نوير، فإن فهم الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد ممكناً من خلال عدسة حزبية تقليدية فقط؛ حيث كان يُنظر إلى الديمقراطيين كمنتقدين والجمهوريين كداعمين ثابتين.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الإطار لم يعد كافياً؛ لأن الافتراضات التقليدية المؤيدة لإسرائيل آخذة في التراجع، ليس فقط داخل الحزب الديمقراطي، بل أيضاً داخل أجزاء متزايدة من التحالف الجمهوري.
وتوضح المؤلفة بات-شيفا نوير أن المواقف تجاه إسرائيل باتت تتأثر بشكل متزايد بعوامل أعمق من السياسة الحزبية، تشمل الدين، والانتماء الجيلي، والقومية، والتصورات المتنافسة حول دور الولايات المتحدة في العالم. وبناءً على ذلك، ترى الدراسة أن إسرائيل مطالبة بتبني نهج أكثر تفكيكاً في فهم المجتمع الأميركي، خاصة داخل التيارات المسيحية والمحافظة.
وتضيف الدراسة أن المسيحيين الأميركيين لا يشكلون كتلة واحدة، بل ينقسمون إلى فئات متعددة تشمل الإنجيليين كبار السن، والإنجيليين الشباب، والكاثوليك، والبروتستانت من التيار الرئيس، والمحافظين ما بعد الليبراليين، وتيارات "أميركا أولاً"، وكل منها ينظر إلى إسرائيل من منظور مختلف تماماً.
وتؤكد المؤلفة أن هذا التباين بالغ الأهمية؛ لأن الدعم لإسرائيل تاريخياً لم يكن قائماً على أساس واحد، بل على تداخلات دينية وسياسية وأيديولوجية متعددة.
فبعض المسيحيين الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل من خلال "عدسة العهد التوراتي" وعودة اليهود إلى أرضهم، بينما يرى آخرون إسرائيل كحليف ديمقراطي أو شريك إستراتيجي أو رمز للغرب في بيئة معادية. في المقابل، تتبنى تيارات أخرى، خاصة بين الشباب والدينيات التقدمية، رؤية لإسرائيل من خلال منظار العدالة الاجتماعية.
وترى الدراسة أن اللغة اللاهوتية والأخلاقية المسيحية تؤدي إلى نتائج سياسية مختلفة جذرياً، إذ يمكن لمسيحي واحد أن يرى في السيادة اليهودية تحقيقاً لوعد ديني، بينما يراها آخر مسألة عدالة تاريخية، في حين يفسرها طرف ثالث من خلال نظرية الحرب العادلة، وفق معايير التناسب والضرورة وحماية المدنيين.
كما تشير الدراسة إلى أن هناك تيارات مسيحية تتحفظ على الدعم الإنجيلي لإسرائيل، خصوصاً عندما يرتبط بتصورات نهاية العالم، بما في ذلك فكرة تحول اليهود إلى المسيحية في آخر الزمان.
ثالثاً: تراجع الدعم داخل الحزب الجمهوري
تشير الدراسة إلى أن الأسس الداخلية للدعم الجمهوري لإسرائيل أصبحت أكثر هشاشة. فقد أظهر مركز "بيو" للأبحاث في مارس/آذار 2026 أن الجمهوريين لا يزالون يميلون إلى النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل بنسبة 58% مقابل 41%، إلا أن الصورة تختلف بشكل واضح عند تفكيكها ديموغرافياً.
فبين الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً، يحمل 57% موقفاً سلبياً تجاه إسرائيل، وهو ارتفاع مقارنة بنسبة 50% في العام السابق، بينما لا تزال الأغلبية بين كبار السن تنظر إليها بإيجابية.
وتشير بيانات مؤسسة "غالوب" إلى اتجاه مشابه؛ إذ أظهر عام 2026 أن 70% من الجمهوريين يميلون إلى التعاطف مع الإسرائيليين مقابل 13% مع الفلسطينيين، لكن هذا التماهي انخفض بشكل ملحوظ منذ 2024، ووصل إلى أدنى مستوياته منذ عام 2004.
وعلى المستوى العام داخل الولايات المتحدة، تماهى 41% من الأمريكيين مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين، في تحول لافت في المزاج العام.
وتخلص الدراسة إلى أن إسرائيل لم يعد بإمكانها افتراض أن الدعم داخل اليمين الأميركي ثابت أو تلقائي، أو أنه قائم على نفس الأسس التي حكمت العلاقة لعقود.

رابعاً: إعادة تشكل الإنجيليين والمسيحيين الأميركيين
تؤكد الدراسة أن الإنجيليين البيض ما زالوا من أكثر الفئات دعماً لإسرائيل، بنسبة تصل إلى 65% وفق بيانات "بيو"، إلا أن هذا الدعم لم يعد متجانساً.
فالإنجيليون الشباب، بحسب الدراسة، أقل ارتباطاً بالإطار اللاهوتي التقليدي الذي يربط إسرائيل بالنبوءة والمجيء الثاني للمسيح، وأكثر تأثراً بخطابات العدالة الاجتماعية والنشاط الطلابي ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما تشير الدراسة إلى أن جزءاً من هذا الجيل يتبنى رؤية نقدية لدور الولايات المتحدة الخارجي، خاصة داخل تيار "أميركا أولاً"، حيث لم يعد السؤال حول شرعية إسرائيل، بل حول جدوى الدعم الأميركي لها.
وتؤكد المؤلفة أن هذا التحول لا يعني تحولاً شاملاً ضد إسرائيل، لكنه يعني أن العلاقة الإنجيلية التقليدية لم تعد مضمونة الاستمرار كما في السابق.
خامساً: البروتستانت والكاثوليك وإعادة تعريف الموقف من إسرائيل
تشير الدراسة إلى أن البروتستانت من التيار الرئيسي، مثل الكنيسة المشيخية وكنيسة المسيح المتحدة واللوثرية والأسقفية، يتبنون في الغالب مقاربات حقوقية ليبرالية تجاه الصراع، تشمل أحياناً دعم حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات، واستخدام خطاب "الأبرتهايد الإسرائيلي".
كما أسهمت منظمات مسيحية سلامية مثل الكويكرز والمينونايت في صياغة خطاب يقوم على اللاعنف وحقوق الإنسان، مع التركيز على المعاناة الفلسطينية ضمن إطار أخلاقي عالمي، وليس عداء لاهوتي تقليدي لليهود.
أما المواقف الكاثوليكية، فتتشكل عبر تعاليم الفاتيكان، والسياسة الأخلاقية الكاثوليكية، ومفهوم الحرب العادلة، إضافة إلى الاهتمام بالمسيحيين في الشرق الأوسط.
وخلال حرب غزة، انتقد البابا فرنسيس مراراً التداعيات الإنسانية، فيما دعا البابا ليو الرابع عشر إلى إنهاء "بربرية الحرب" والتحذير من الاستخدام غير المميز للقوة.
وفي المقابل، ظهر تيار كاثوليكي محافظ جديد داخل اليمين الأميركي، يستخدم مفاهيم دينية مثل "نظام المحبة" لإعادة ترتيب الأولويات الأخلاقية على أساس وطني وتراتبي، وليس أممي، ما ينعكس على الموقف من إسرائيل بشكل غير مباشر.
سادساً: التحولات داخل اليمين الجمهوري الجديد
تشير الدراسة إلى أن الإجماع الجمهوري التقليدي المؤيد لإسرائيل الذي تأسس على مناهضة الشيوعية، والصهيونية الإنجيلية، وسياسات ما بعد 11 سبتمبر، والدعم الإستراتيجي لإسرائيل، بدأ يتآكل لصالح تيارات جديدة.
فبعض المحافظين القوميين يرون إسرائيل كنموذج لدولة قومية قوية، بينما يتبنى آخرون داخل تيار "أميركا أولاً" رؤية أكثر تشككاً تجاه المساعدات الخارجية والتدخلات العسكرية.
وتؤكد الدراسة أن هذا التحول يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل على أساس "الأولوية الوطنية الأميركية"، وليس الالتزامات العالمية، وهو ما يجعل الدعم لإسرائيل مشروطاً وغير مضمون.
وتجمع التقارير والتحليلات على أن إسرائيل تواجه تحولاً مزدوجاً: تراجعاً في الدعم التقليدي داخل اليمين الأميركي، مقابل تصاعد الاستثمار في حملات النفوذ والتأثير الإعلامي.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن فهم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم يعد ممكناً عبر المنظور الحزبي البسيط، بل أصبح يتطلب قراءة أعمق للبنية الدينية، والتحولات الجيلية، والانقسامات الأيديولوجية داخل المجتمع الأميركي.
وبناءً عليه، باتت إسرائيل أمام تحدٍ إستراتيجي طويل الأمد يتعلق بإعادة صياغة أدواتها في التأثير، وخطابها السياسي والديني، وعلاقتها بالنخب الأمريكية، في ظل بيئة سياسية لم تعد فيها التحالفات القديمة ثابتة كما كانت.

















