الرياضة بوابة التطبيع.. كيف فجرت بطولة طنجة مواجهة جديدة بين الدولة والشارع؟

عالي عبداتي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يواصل المغاربة احتجاجهم ورفضهم لكل فعالية ببلادهم يشارك فيها الكيان الصهيوني، فيما تواجه السلطات هذه الأشكال بمنع أمني في عدة حالات، ومنها ما يقع في مدينة طنجة شمال البلاد.

المنع الأخير جاء خلال وقفة رافضة لاستضافة إسرائيل ضمن البلدان المشاركة في بطولة العالم للإبحار الشراعي Optimist World Championship 2026، والمنظمة في الفترة ما بين 18-28 يونيو/حزيران 2026 في مدينة طنجة.

وفي هذا الصدد، شارك عدد من المواطنين في وقفة احتجاجية يوم السبت 20 يونيو، بدعوة من "الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع فرع طنجة"، بساحة مارينا طنجة احتجاجا على المشاركة الصهيونية في سباق "الأوبتيميست".

وقالت الهيئة المغربية لمناصرة قضايا الأمة في منشور عبر حسابها على فيسبوك: إن المحتجين تفاجأوا بتطويق الساحة من طرف السلطات المحلية ومنعهم من الوصول إليها بمآت الأمتار.

وذكرت أن السلطات الأمنية قامت باعتقال ستة مناضلين من بينهم مناضلتان حسب ما صرح به محمد الصروخ، المحامي بهيئة طنجة وعضو السكرتارية المحلية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع.

وأشارت الهيئة إلى أنه تم إطلاق جميع المعتقلين على خلفية هذا الاحتجاج السلمي، ليل اليوم نفسه.

بدورها، أكدت "جبهة مناهضة التطبيع بطنجة"، في بيان صدر بتاريخ 20 يونيو 2026، أن السلطات الأمنية قامت بحظر التجول ومطاردة المناضلين في كل الشوارع والأزقة القريبة من محيط مارينا طنجة، وأن أعضاء الجبهة تعرضوا للسب والقذف من لدن سلطات المدينة.

وعبرت الجبهة عن إدانتها لكل الممارسات القمعية التي تعرض لها نشطاء وأحرار طنجة وكافة المناضلين، ولأجواء الترهيب الأمني والتعنيق والاعتقالات والمطاردات التي كانت شوارع طنجة مسرحا لها.

واستنكرت "مسلسل مصادرة الحق في الاحتجاج والتظاهر نصرة لفلسطين، والذي صار منهجا للسلطات المحلية والأمنية بطنجة، في الوقت الذي تشهد فيه مدن المغرب مظاهرات ووقفات وفعاليات تضامنية متواصلة".

وأكدت الجبهة أن "كل الممارسات القمعية والأمنية البائدة لم تثنِ الجبهة وأحرار طنجة عن مواصلة نضالهم وفعالياتهم التضامنية بنفس الزخم والإصرار النضاليين".

رفض حقوقي

على الصعيد الوطني، قالت حركة "المقاطعة بالمغرب" إنها تابعت بقلق ما جرى خلال الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها الجبهة المغربية لمناهضة التطبيع بطنجة، تنديدا بالسماح بمشاركة فريق إسرائيلي رسمي في بطولة العالم للإبحار الشراعي "أوبتمست".

وأشارت الحركة في بيان إلى أن الوقفة السلمية وُوجهت بإنزال أمني وقمع صريح، حيث تم توقيف 6 مناضلين مناهضين للتطبيع، واحتجازهم قسرا لعدة ساعات، قبل الإفراج عنهم في وقت متأخر من الليل.

وأكدت الحركة أن التصريحات التي تنفي وجود مشاركة إسرائيلية في هذه البطولة تتعارض مع معطيات وشهادات متطابقة صادرة عن أشخاص موجودين داخل فضاءات المنافسة، أكدوا وجود متسابقين ووفد يمثل الاحتلال.

ولفتت إلى أن هذا التناقض يفرض على الجهات المنظمة تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام، بدل الاكتفاء بتصريحات لا تنسجم مع الوقائع التي تمت معاينتها على أرض الواقع.

ورأت الحركة أن إصرار الدولة المغربية على فتح أراضيها وملاعبها أمام كيان الاحتلال الإبادي، والسماح لفريقه الرياضي بالمشاركة في مسابقة عالمية فوق التراب المغربي، يعد خرقا فاضحا وصريحا للقانون الدولي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وسجلت أن هذه المشاركة تمثل إهانة سافرة للإرادة الشعبية المغربية، التي لم تتوان يوما عن التعبير بكل وضوح وحزم عن رفضها القاطع للتطبيع، وللتواطؤ مع كيان قائم على الاحتلال والإبادة والفصل العنصري.

وأدانت الحركة المقاربة القمعية والتطويق الأمني للوقفة السلمية، مستنكرة بشدة الاعتقالات التعسفية التي تعرض لها المتظاهرون السلميون، منوهة بصمود المناضلين المناهضين للتطبيع في طنجة، وثباتهم واستماتتهم في الدفاع عن القضية الفلسطينية، مهما بلغ حجم القمع والتضييق.

وجددت مطالبها للمشاركين المغاربة والعرب بالانسحاب من البطولة؛ احتجاجا على إقحام تمثيلية الاحتلال ورفضا للتطبيع، معربة عن رفضها القاطع والمطلق لكل أشكال التطبيع، ومطالبة بإسقاطه وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني كافة.

التطبيع عبر الرياضة

لم تعد المنافسات الرياضية في المغرب مجرد تظاهرات رياضية بالنسبة لقطاع واسع من المغاربة، بل تحولت إلى إحدى أبرز ساحات الصراع بين مسار التطبيع الرسمي مع إسرائيل ومواقف الشارع الرافضة له.

فمنذ استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية نهاية عام 2020، أثارت مشاركة رياضيين ووفود إسرائيلية في عدد من البطولات والفعاليات المنظمة بالمغرب موجات متكررة من الاحتجاجات، كان أبرزها خلال مسابقات الجودو والتايكواندو والشطرنج وألعاب القوى، وصولا إلى بطولة العالم للإبحار الشراعي بمدينة طنجة.

ويرى مناهضو التطبيع أن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات "القوة الناعمة" التي تستخدمها إسرائيل لتحسين صورتها الخارجية وتقديم نفسها كدولة طبيعية داخل المنطقة العربية، بعيدا عن الانتقادات المرتبطة بالاحتلال والانتهاكات بحق الفلسطينيين.

وفي المقابل، تؤكد الجهات الداعمة للمقاطعة أن استضافة وفود إسرائيلية في بطولات دولية تقام بالمغرب تمنح الاحتلال فرصة لاكتساب شرعية رمزية داخل الفضاء العربي، وهو ما يفسر الحضور المكثف للاحتجاجات الرافضة لأي مشاركة إسرائيلية في الفعاليات الرياضية والثقافية والفنية.

وتتبنى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) هذا التوجه، مقدرة أن عزل إسرائيل في المحافل الرياضية والثقافية يشكل وسيلة ضغط سلمية لإجبارها على احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، على غرار ما حدث سابقا مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

كما يستشهد نشطاء المقاطعة بقرارات رياضية دولية اتخذت بحق دول أخرى بسبب الحروب أو الانتهاكات، وفي مقدمتها استبعاد روسيا من عدد من البطولات الدولية عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، متسائلين عن أسباب استمرار مشاركة إسرائيل في المنافسات العالمية رغم الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق الفلسطينيين.

وفي المغرب، يكتسب هذا الجدل بعدا خاصا بسبب المكانة التي تحظى بها القضية الفلسطينية داخل الوجدان الشعبي؛ إذ تعدها قطاعات واسعة من المجتمع قضية مركزية تتجاوز التقديرات السياسية الظرفية، ما يجعل أي مشاركة إسرائيلية في البلاد تتحول سريعا إلى قضية رأي عام وإلى مناسبة جديدة للتعبير عن رفض التطبيع والتضامن مع الفلسطينيين.

ولهذا يرى مراقبون أن الجدل الذي رافق بطولة العالم للإبحار الشراعي في طنجة لا يرتبط بالحدث الرياضي في حد ذاته، بقدر ما يعكس استمرار حالة التباين بين مسار العلاقات الرسمية المغربية الإسرائيلية وبين المزاج الشعبي الرافض لأي حضور إسرائيلي على الأراضي المغربية، وهو تباين يتجدد مع كل فعالية رياضية أو ثقافية يشارك فيها ممثلون عن الاحتلال.

إدانة فلسطينية

على الصعيد الفلسطيني، قالت "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)"، إن إسرائيل تشارك بفريق رسمي في بطولة "أوبتمست"، إلى جانب عدد من الفرق العربية من بينها: العراق، المغرب، عُمان، قطر، السعودية، تونس، الإمارات، الكويت، وليبيا.

وأدانت الحملة الفلسطينية للمقاطعة في منشور بتاريخ 18 يونيو 2026، سماح الجهات المغربية الرسمية باستضافة ممثّلين عن النظام الإسرائيلي في هذه البطولة، ومساهمتها في توريط منتخبات عربية في التطبيع عبر استضافتها لهذه البطولة الدولية.

ودعت للضغط حتى إقصاء الفريق الإسرائيلي، نزولا عند رغبة الجماهير المغربية وجماهير المنطقة العربية. وفي حال عدم التجاوب مع هذا المطلب، دعت الحملة جميع فرق المنطقة العربية والمشاركين الدوليين إلى رفض المشاركة في البطولة والانسحاب منها احتجاجا على المشاركة الإسرائيلية.

وأشارت الحملة إلى أن الاتحاد الدولي للإبحار، بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في العام 2022، سارع إلى حظر روسيا من المشاركة في المسابقات والفعاليات التابعة له، في الوقت الذي يواصل فيه منح النظام الإسرائيلي حق المشاركة الكاملة في المنافسات الرياضية الدولية رغم اقترافه للإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

وشدد المصدر ذاته أن "هذا التناقض يبرز نفاق الهيئات الرياضية "الدولية" التي يهيمن عليها الغرب الاستعماري، الشريك في الإبادة الإسرائيلية في غزة".

ورأت الحملة أن "مسألة عزل هذا النظام الإبادي وطرده من كافة المحافل الدولية أصبح ضرورة وجودية للبشرية جمعاء، في ظل مواصلته للإبادة الجماعية في قطاع غزة، وعدوانه الوحشي ضد الشعب اللبناني الشقيق، وامتداد أطماعه الاستعمارية لتشمل سوريا والعراق وغيرها من دول المنطقة".

وتوقفت الحملة عند الرفض الشعبي الإندونيسي لمشاركة فريق كرة قدم العدو الإسرائيلي في بطولة كأس العالم لكرة القدم تحت 20 سنة للرجال، مشددة أن هذا الموقف يعد أعظم مثال على التضامن الفعال مع شعب فلسطين.

وأردفت، حيث تمسّكت الغالبية الساحقة الرافضة للتطبيع والمدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني بموقفها المبدئي، مع العلم المسبق بنفاق وعنصرية الـ"فيفا"، والاجراءات التي قد تتخذها ضد إندونيسيا عقابا لها على هذه المواقف المبدئية لشعبها.

كما أشارت إلى أن الغالبية الساحقة من القوى والأحزاب والنقابات والمنظمات الممثلة للشعب المغربي، ما تزال تناهض التطبيع وترى في إسرائيل عدوها الأول، كما هي عدوة كل شعوب المنطقة.

ودعت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) إلى الضغط على الجامعة الملكية المغربية للشراع (FRMV) ونادي اليخوت الملكي المغربي من أجل احترام نداء المقاطعة، والالتزام بمعايير مناهضة التطبيع ومعايير المقاطعة الأكاديمية والثقافية، بإلغاء مشاركة الفريق الإسرائيلي.

استفزاز للمشاعر

في تعليقه على هذا الحدث، قال منسق المبادرة المغربية للدعم والنصرة بطنجة، محمد بن جلول: إنه بمجرد التداول الإعلامي للموضوع، سارعت المبادرة للبحث فيه؛ حيث تأكد لها المشاركة الصـهيونية في بطولة العالم أوبتيميست 2026 بطنجة.

وقال بن جلول لـ "الاستقلال": إن "خمسة أفراد من المشاركين ينتمون للكيان الصهيوني ومسجلين باسمه، ولا نعلم إن كانوا قد أكدوا حضورهم أم لا".

 وعلى ضوء هذه المعطيات، رأى بن جلول أن "هذه المشاركة استفزازا كبيرا وخطيرا لمشاعر المغاربة عامة وساكنة طنجة خاصة".

وأكد الناشط الحقوقي أن "هذه المشاركة الصهيونية مرفوضة ومدانة، وتُعبر عن تصرف مستهجن ومس سافر بمواقف الشعب المغربي الرافضة لكل أشكال التطبيع مع الصهاينة، سواء تعلق الأمر بالمجال الرياضي أو المجالات الأخرى".

وشدد بن جلول أن الكيان يعلم أن لا مكان لصهاينته في بلدنا، مقدرا أن أي مشاركة صهيونية في أي لقاء أو منافسة على أرض المغرب عموما ومنه طنجة، مرفوضة ومدانة بإطلاق.

ونبه المتحدث ذاته إلى أن أشكال الاختراق هنا وهناك لن تلين مواقف المغاربة الرافضة للتطبيع مع كيان الإبادة.

وجدد الناشط الحقوقي والسياسي مطالب الشعب المغربي للدولة والجهات المسؤولية فيها بقطع كل أشكال التطبيع والتعاون مع الكيان الصهيوني المحتل مرتكب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

وخلص بن جلول إلى دعوة الساكنة للاستمرار في كل أشكال الاحتجاج السلمي على أي مشاركة صهيونية في أي مسابقة في المغرب، حالا ومستقبلا.

يشار إلى أن المغرب سبق أن وقع على اتفاق ثلاثي جمعه بتل أبيب وواشنطن نهاية 2020، فتح الباب مشرعا أمام تعاون مغربي/إسرائيلي في كل المجالات، سواء العسكرية والأمنية والاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية وغيرها.

وعبرت القوى الوطنية الداعمة لفلسطين عن رفضها للتطبيع مع الكيان، فيما تعاظمت هذه الدعوات ما بعد الإبادة الجماعية المرتكبة في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

واحتل المغرب المرتبة الثانية عالميا من حيث عدد الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين بـ 5200 فعالية تضامنية، خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 إلى 5 سبتمبر/أيلول 2025، وذلك بحسب بيانات منظمة "ACLED" المتخصصة في رصد الاحتجاجات حول العالم.