عودة دحلان.. هل تقود أبوظبي وتل أبيب إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

كشف إعلام عبري أن رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، دافيد زيني، التقى خلال زيارته إلى الإمارات في مارس/ آذار 2026 بمحمد دحلان البالغ من العمر 64 عاما، والذي يعد أحد أبرز قادة حركة فتح السابقين في قطاع غزة والرئيس الأسبق لجهاز الأمن الوقائي هناك.

وذكر معهد "ميسغاف" العبري أن دحلان الذي يعيش حاليا في المنفى ويعمل في مجال الأعمال داخل الإمارات، ذُكر اسمه كأحد المرشحين المحتملين لتولي إدارة شؤون قطاع غزة في مرحلة "اليوم التالي"، وذلك في إطار مناقشات تتعلق بالسيناريوهات المطروحة لمستقبل القطاع.

ووفقا له، فإن اللقاء "جاء بهدف بحث إمكانية إدماجه في التصورات المرتبطة بمستقبل غزة".

من جهتها، تعتقد صحيفة "إسرائيل هيوم" أن "النقطة الأكثر إثارة وأهمية في هذه القضية ليست مجرد اللقاء بحد ذاته، بل موقعه الجيوسياسي، أي الإمارات".

مثير للجدل 

واستهل المعهد العبري حديثه متناولا السيرة الذاتية لدحلان المولود في مدينة خان يونس، وأحد مؤسسي حركة "الشبيبة"، الذراع الشبابية والطلابية لحركة فتح؛ إذ يعد "من الشخصيات الفلسطينية البارزة التي لعبت أدوارا مؤثرة في الساحة الفلسطينية خلال العقود الماضية".

وبحسبه، "أُبعد دحلان إلى الأردن بسبب مشاركته في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، قبل أن يعود إلى قطاع غزة عقب توقيع اتفاقيات أوسلو".

وتابع: "وفي عام 1994، عُين رئيسا لجهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، وكان من المقربين للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات".

وأضاف: "اتُهم دحلان بالتعاون الأمني مع إسرائيل والمساهمة في إحباط عدد من الهجمات، في حين ارتبط اسمه أيضا باتهامات تتعلق بعمليات أخرى، ومن بين تلك الاتهامات مزاعم بأنه أصدر أوامر بتنفيذ الهجوم الذي استهدف حافلة الأطفال قرب مستوطنة كفار داروم عام 2000".

"كما رُفعت ضده دعاوى قضائية على خلفية القضية، وأصدرت المحكمة المركزية في القدس حكما بإلزامه بدفع ملايين الشواكل لعائلات الضحايا".

وذكر المعهد أن دحلان "غادر قطاع غزة عام 2007 بعد سيطرة  حماس على القطاع وإقصاء حركة فتح من السلطة هناك، وفي عام 2011 أُبعد من قيادة فتح وسط اتهامات له بمحاولة السيطرة على رئاسة الحركة".

وأردف: "وفي عام 2014 صدر بحقه عام حكم بالسجن لمدة عامين من قبل السلطة الفلسطينية، وهو ما اعتبره محاولة لاستهدافه سياسيا ومنعه من الترشح لرئاسة السلطة".

ومنذ ذلك الحين يقيم دحلان في الإمارات؛ حيث تمكن من بناء ثروة كبيرة، كما يحظى بدعم من حكومتي أبوظبي والقاهرة، اللتين تعملان، بحسب التقارير، على "تعزيز حضوره وعلاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية".

وأشار المعهد إلى أنه "في عام 2024، كشفت تقارير أميركية أن دحلان كان يُنظر إليه من قبل أطراف في الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية وإسرائيل بصفته مرشحا محتملا لتولي قيادة قوات الأمن الجديدة في قطاع غزة".

بل وذكر المعهد أن "الأنباء تحدثت عن مرونة أبدتها حركة حماس حينها تجاه هذا الطرح وإمكانية قبولها بدور مؤقت له".

واستدرك: "غير أن هذه المبادرة لم تتحول إلى واقع عملي، وتم بدلا منها تشكيل حكومة تكنوقراط لم تحصل بعد على موافقة لدخول قطاع غزة".

غير مقبول 

وحول اللقاء الأخير بأبوظبي، قال المعهد: "منذ الإعلان عن الاجتماع، أفادت التقارير بأن دحلان التقى بمسؤولين أمنيين إسرائيليين كبار آخرين في السنوات الأخيرة".

وأردف: "وفي المقابل، التقى زيني أيضا شخصيات مختلفة داخل قطاع غزة، من بينها زعماء عشائر يعارضون حركة حماس".

وبحسب المعهد العبري، "جاءت هذه اللقاءات في ظل شعور متزايد بأن المناقشات المتعلقة بنزع سلاح الحركة وصلت إلى طريق مسدود".

واستدرك: “أما من منظور إسرائيل، فإن هذا السيناريو لا يعد مقبولا بالضرورة؛ فدحلان -الذي ارتبط اسمه باتهامات تتعلق بالانخراط في أنشطة مسلحة منذ اتفاقيات أوسلو- قد يواجه انتقادات جماهيرية واسعة إذا قررت الحكومة الإسرائيلية منحه دورا محوريا في إدارة الشأن الفلسطيني”.

وتابع: "إن وضع دحلان لا يختلف كثيرا عن وضع مروان البرغوثي، المعتقل في إسرائيل على خلفية إدانته بالتورط في هجمات ضد إسرائيليين".

وانطلاقا من ذلك، شكك المعهد في أن يكون اللقاء بين دحلان ورئيس الشاباك زيني "محاولة لمنحه مكانة استثنائية أو تمهيدا لدور خاص له في قطاع غزة".

ورجح أن يكون اللقاء "قد جرى من دون تخطيط مسبق"، لافتا إلى أن زيني، بصفته رئيسا للشاباك، "يتولى متابعة الملف الفلسطيني، ومن الطبيعي أن تتناول لقاءاته في الإمارات مستقبل قطاع غزة".

وأوضح أنه "من المحتمل أن يكون المسؤولون الإماراتيون قد سعوا إلى تقديم دحلان لزيني بصفته إحدى الشخصيات الفلسطينية التي يحظون بدعمها، وإتاحة الفرصة له لعرض رؤيته بشأن مستقبل القطاع، حتى من دون تنسيق مسبق مع إسرائيل أو الحصول على موافقتها على عقد اللقاء".

وفي المقابل، قدر المعهد أن "طموحات دحلان تتجاوز مجرد لعب دور في قطاع غزة، فقد يدرس دحلان، في مرحلة ما بعد محمود عباس، الترشح لقيادة السلطة الفلسطينية بدعم من القاهرة وأبوظبي".

ومن هذا المنطلق، يعتقد التقرير أن "حصر دوره في قطاع غزة وحده قد يضر بصورته السياسية، كما قد يجعله يتحمل مسؤولية أي إخفاقات مستقبلية في القطاع، وهو ما قد ينعكس سلبا على فرصه في الوصول إلى قيادة السلطة".

ويتقاطع هذا التحليل مع الموقف الإسرائيلي؛ إذ يرى المعهد أنها " "لا تبدو معنية حاليا بفرض شخصية فلسطينية قادمة من الخارج".

وعزا ذلك إلى أن "الوضع الراهن ينسجم مع مصالحها؛ إذ تسيطر على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، وتواصل إضعاف القدرات العسكرية لحركة حماس".

علاوة على ذلك، ذكر المعهد أن "انشغال إسرائيل بالملفين اللبناني والإيراني يجعل الساحة الفلسطينية، وقطاع غزة على وجه الخصوص، أقل أولوية في الوقت الحالي، سواء كان ذلك مبررا أم لا".

لكنه لفت إلى أن "هذا الوضع قد يتغير إذا تراجعت حدة التحديات الإقليمية الأخرى، أو إذا رصدت إسرائيل ما تعده تهديدا مباشرا وأكثر إلحاحا من جانب حماس".

وفي ضوء هذه المعطيات، خلص المعهد إلى أنه "ليس من المؤكد على الإطلاق أن يكون لدحلان أي دور مرسوم ضمن هذه الخطط والإستراتيجيات الإسرائيلية المستقبلية".

بديل مستقل

وذهبت صحيفة "إسرائيل هيوم" إلى التركيز على علاقة أبوظبي بدحلان قائلة: "في نظر الإسرائيليين، يعد هذا اللقاء صادما، فهو يقيم في الإمارات لما يقارب عقدين من الزمن، ويشغل منصب مستشار أمني لعدة دول حول العالم، لكنه لم يغادر القطاع فعليا".

وتابعت موضحة: "إذ يسيطر على مجريات الأمور عن بعد عبر شبكة واسعة من المنظمات غير الربحية ومنظمات الإغاثة، وآليات اقتصادية ضخمة، مواصلا التلاعب بمراكز القوة في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية".

كما يُعرف دحلان، وفقا للمقال، "بموقفه المعارض بشدة لحركة حماس، وفي الوقت نفسه بمعارضته القوية لاستمرار عباس في موقعه، لا سيما في ظل سعي تهيئة عباس الظروف لانتقال السلطة إلى نجله ياسر عباس مستقبلا".

وترى الصحيفة أن "تسريب خبر اللقاء، والذي يرجح أنه جرى بصورة متعمدة من جانب جهات إسرائيلية، لم يكن مجرد كشف إعلامي عابر، بل حمل رسائل سياسية موجهة إلى عباس وقيادة السلطة".

وبحسبها، فإن "الاجتماع لم يكن لقاء بروتوكوليا أو مجاملة سياسية، بل تناول ملفات مرتبطة بمستقبل العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية والتطورات السياسية الراهنة".

وفي هذا الإطار، ذهب المقال إلى أن رئيس الشاباك زيني الذي يصفه بأنه أحد المقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، "يدرس بجدية، وربما بالتنسيق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إمكانية إعادة دحلان إلى واجهة المشهد السياسي في قطاع غزة، وربما في الضفة الغربية أيضا".

وقدرت الصحيفة أن "التصور المطروح لا يقوم على إعادة دمج دحلان ضمن البنية التقليدية لحركة فتح، بل على تقديمه كبديل سياسي وقيادي مستقل، ضمن محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى الفلسطينية في مواجهة القيادة الحالية للسلطة الفلسطينية في رام الله".

إشراف إماراتي

وفيما يتعلق بالبعد الإقليمي، أكد المقال أن "العنصر الأكثر أهمية في القضية ليس اللقاء نفسه، وإنما مكان انعقاده، أي الإمارات". 

فبحسب تحليله، "تعمل أبوظبي خلال السنوات الأخيرة على ترسيخ دورها كلاعب إقليمي محوري وقناة اتصال رئيسة بين إسرائيل والعالم العربي، لا سيما في ظل تراجع احتمالات التطبيع بين إسرائيل والسعودية".

وأردف: "العلاقات الأمنية الوثيقة بين الإمارات وإسرائيل تمنح أبوظبي موقعا مؤثرا في أي ترتيبات سياسية مستقبلية تتعلق بالقضية الفلسطينية، كما تمنحها القدرة على لعب دور الوسيط بين مختلف الأطراف".

في هذا السياق، ترى الصحيفة أن "المسار الأول الذي تسعى هذه التحركات إلى تحقيقه يتمثل في إيجاد قيادة فلسطينية جديدة تتمتع بقدرة على التأثير وتحظى بشرعية داخل المجتمع الفلسطيني".

"الأمر الذي يسمح لها بتنفيذ إصلاحات داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية واعتماد نهج أكثر براغماتية في التعامل مع حركة حماس"، وفقا لها.

أما المسار الثاني، فيتمثل -وفق الصحيفة- في "إعادة بناء الثقة المتضررة بين إسرائيل ومؤسسات الحكم الفلسطينية المستقبلية، وتعزيز مستويات التنسيق السياسي والأمني بين الجانبين تحت إشراف إماراتي".

ورجحت أن "نجاح مثل هذه الخطوة قد يسهم في تحقيق قدر من الاستقرار على المدى القريب، كما قد يشكل قاعدة لأي عملية سياسية إقليمية أوسع في المستقبل".

وخلصت الصحيفة إلى أن فتح ما وصفته بـ"قناة دحلان" عبر دول الخليج يعكس "إدراكا متزايدا داخل إسرائيل بأن المقاربات التقليدية، وخصوصا الحلول العسكرية والأمنية، لم تعد كافية لتحقيق الأهداف المرجوة".

وختمت بالتساؤل عما "إذا كانت الورقة الإماراتية، ممثلة في الدور المحتمل لدحلان، قادرة بالفعل على إحداث تغيير في قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية والإقليمية خلال المرحلة المقبلة".

تقديرات خاطئة

من الجانب الفلسطيني، شددت مصادر في السلطة وأخرى مقربة من دحلان، على أن "الاجتماع لا يمثل خطوة متفقا عليها أو منسقة مسبقا، ولا يشكل مؤشرا على وجود دور أو منصب مستقبلي يجري الإعداد له".

وقال مسؤول فلسطيني رفيع مطلع على تفاصيل الملف لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية: إن "محاولات تصوير ما جرى على أنه جزء من صفقات شخصية أو ترتيبات تتعلق بمناصب مستقبلية هي تقديرات خاطئة".

وأضاف المسؤول أن "جميع النقاشات التي تُجرى على المستوى الإقليمي تتناول سيناريوهات عامة فقط، لكن الموقف الفلسطيني واضح وثابت، وهو أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الفضاء الفلسطيني، ولا يوجد، ولن يوجد، أي أساس لفكرة الفصل أو التقسيم بينه وبين الضفة الغربية".

وتابع قائلا: "نحن لا نزال بعيدين عن مرحلة التوافقات أو التنفيذ. وكل ما يُطرح على أنه خطة مكتملة أو تفاهمات نهائية يُعد سابقا لأوانه. هناك العديد من الأفكار والمقترحات المطروحة للنقاش، لكن لا يوجد حتى الآن مسار متفق عليه أو قرارات عملية تم اعتمادها".

من جانبه، أكد مصدر مقرب من دحلان أن اللقاء "كان أقرب إلى المصادفة ولم يكن مخططا له مسبقا". مشددا على أن دحلان "لم يدخل الاجتماع بهدف الترويج لدور سياسي أو أمني مستقبلي في قطاع غزة".

وقال المصدر للصحيفة العبرية: إن "دحلان وافق على لقاء مسؤولين إسرائيليين. لقد حضر الاجتماع واستمع إلى ما طُرح أمامه، وانتهى الأمر عند هذا الحد".

واستطرد مؤكدا: "لا توجد هنا مفاوضات، ولا نقاش حول منصب أو دور مستقبلي، كما لا يوجد أي جهد لبناء مكانة سياسية جديدة له أو تمهيد طريق سياسي خاص به".

وأضاف المصدر المقرب من دحلان: "يجب إدراك أن مجرد عقد لقاء لا يعني وجود تفاهمات أو خطط جاهزة. دحلان لا يسعى حاليا إلى البحث عن أي منصب، سواء داخل السلطة الفلسطينية أو خارجها".

كما جدد تأكيده رفض أي تصورات تقوم على الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، قائلا: "من وجهة نظره، فإن غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية".

وأشار المصدر كذلك إلى أن “دحلان يواصل الانخراط في جهود الإغاثة الإنسانية الموجهة إلى قطاع غزة من خلال شبكة علاقاته الإقليمية”، وفق قوله.