اتفاق وقف النار بين أميركا وإيران.. هدنة تكتيكية قبل جولة جديدة من التصعيد؟

“ما يقدمه ترامب بوصفه اختراقا تاريخيا قد لا يكون سوى استراحة تكتيكية”
طوت الولايات المتحدة وإيران صفحة من المواجهة العسكرية المباشرة بإعلان التوصل إلى مذكرة تفاهم برعاية قطرية وباكستانية، وذلك بعد أسابيع من التصعيد الذي هدد حركة التجارة العالمية وأمن إمدادات الطاقة، وأثار مخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع نطاقا.
ولم تقتصر التفاهمات بين الجانبين على الجوانب العسكرية والأمنية، بل شملت أيضا حزمة من الترتيبات الاقتصادية والإجرائية.
تضمنت تخفيفا مؤقتا لبعض العقوبات المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية، وإطلاق آليات للتعامل مع الأصول الإيرانية المجمدة، فضلا عن وضع خارطة طريق تمتد 60 يوما لمعالجة الملفات الخلافية بين الطرفين.
كما تضمنت إنشاء قنوات اتصال مباشرة وخط ساخن لتنسيق التحركات الميدانية، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، ومنع أي احتكاك غير مقصود قد يؤدي إلى تجدد التوترات أو انهيار التفاهمات المبرمة.
غير أن موقع "تيليبوليس" الألماني يرى أن الاتفاق الذي أُعلن في جنيف أقرب إلى "وعد فارغ منه إلى تسوية راسخة"، وتساءل: “هل الاتفاق النووي مع إيران مجرد إجراء سياسي مؤقت من جانب واشنطن؟”
معارضة داخلية
وأشار الموقع في مستهل حديثه إلى أن "الحسابات الداخلية قد تكون عاملا أساسيا في اندفاع الإدارة الأميركية نحو الاتفاق".
وتابع موضحا: "فالتراجع الأخير في أسعار الوقود وحالة الارتياح التي شهدتها أسواق النفط بعد الإعلان عن التفاهم المحتمل تصب، في المقام الأول، في مصلحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه".
في المقابل، أشار التقرير إلى "تنامي الاعتراضات داخل إيران؛ حيث لا يزال تيار المتشددين في البرلمان، إلى جانب الحرس الثوري الذي عزز موقعه خلال الفترة الأخيرة، ينظر بعين الريبة إلى الاتفاق".
وفي هذا السياق، ذكر الموقع أن النائب الإيراني كامران غضنفري وصف الاتفاق بأنه "استسلام مهين".
وأضاف التقرير: "يوظف المتشددون قضية (الشهداء) الذين سقطوا خلال المواجهة الأخيرة بصورة عاطفية وثقافية لخدمة أجندتهم السياسية، في ظل المكانة الرمزية الكبيرة التي تحتلها ثقافة الشهادة في المذهب الشيعي".
وأردف: "وفي مؤشر على حجم المعارضة التي يواجهها مسار التفاوض داخل إيران، أظهرت مقاطع مصورة وصور تداولتها وسائل إعلام محلية تجمع محتجين غاضبين في ساحة ابن سينا وسط العاصمة طهران؛ حيث رددوا هتافات من بينها: (يا عراقجي، اخجل من نفسك واترك بلادنا وشأنها)، و(عراقجي وقاليباف، استقيلا)".
وفي هذا السياق، قال بابك دوربيكي، المحلل السياسي المقيم في لندن والمسؤول السابق في مركز البحوث الإستراتيجية الإيراني: إن "اعتراضات المتشددين لا تنطلق من حسابات تكتيكية بقدر ما ترتبط، من وجهة نظرهم، بمسألة وجودية تتعلق بمستقبل البلاد".
وتابع موضحا: "المفاوضات مع واشنطن تمثل تحديا حقيقيا لهذا التيار؛ لأن شرعيته السياسية تستند إلى التمسك بالعقيدة المحافظة التي يقوم عليها النظام، في حين أن أي توجه دبلوماسي براغماتي تفرضه الضرورات السياسية قد يقوض مكانته ونفوذه بين مؤيديه".
وعليه، لم يستبعد دوربيكي أن يواصل المتشددون إثارة الاضطرابات خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أنهم "يتمتعون بشبكة واسعة من العلاقات داخل المؤسسات السياسية والأوساط الدينية النافذة".
كما أنهم قادرون على توظيف أدواتهم الإعلامية والدعائية للتحريض ضد الغرب، فضلا عن امتلاكهم قنوات تواصل قوية مع قوات التعبئة "الباسيج"، التابعة للحرس الثوري الإيراني، وفق تقييمه.
واستطرد: "هذا التيار قادر على عرقلة تنفيذ أي تفاهمات محتملة، ورفع الكلفة السياسية التي قد تتحملها إيران جراء التسويات، وإثارة الجدل والاضطرابات مع كل خطوة تنطوي على تنازل أو حل وسط".
ومع ذلك، استدرك قائلا إن "نفوذهم لا يبدو كافيا لإفشال العملية التفاوضية برمتها".
ولعل هذا ما دفع الموقع الألماني للقول: إن "المعارضة القادمة من داخل الحكومة الإسرائيلية قد تكون أكثر تأثيرا من الاعتراضات الإيرانية".
واستشهد في هذا السياق بتحليل نشره مركز “تشاتام هاوس”، خلص إلى أن "حكومة بنيامين نتنياهو قد تتحول إلى أكبر تهديد يواجه أي اتفاق أميركي-إيراني، خصوصا في ظل مواقف الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش".
وأوضح أن "الوزيرين يعارضان بصورة علنية أي تفاهم مع طهران؛ إذ حذر بن غفير من (إهدار) ما وصفه بالإنجازات العسكرية، بينما أكد سموتريتش أن إسرائيل قد تضطر إلى مواصلة (حملة إسقاط النظام الإيراني) بنفسها".
بعبارة أخرى، "أيا من الضمانات الأمنية المحتملة بين واشنطن وطهران قد لا يكون كافيا لإرضاء هذا التيار، الذي ينظر إلى إيران بصفتها الداعم والمحرك الرئيس للقوى المناهضة لإسرائيل في المنطقة، وعلى رأسها حركة حماس وحزب الله".

مسرحية جنيف
وطرح التقرير "قراءة أخرى أقل تداولا، تقوم على فرضية أن ما يجري من انتقادات أميركية لإسرائيل قد لا يكون نتيجة خلاف بين أميركا وإسرائيل، بل جزءا من تنسيق مدروس بين الطرفين".
ووفقا لهذا التصور، فإن "محادثات جنيف قد تكون وسيلة لشراء الوقت وتهدئة الأسواق، دون وجود نية حقيقية لمعالجة جذور الأزمة، وبذلك قد تتحول التفاهمات الحالية إلى مجرد مرحلة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد".
وأشار التقرير إلى أن "استمرار نزاع منخفض الحدة مع إيران قد يخدم المصالح الأميركية من زوايا عدة، ما يعني أن الحرب لا ينظر إليها بالضرورة بصفتها نتيجة لفشل السياسة الأميركية أو فقدان السيطرة على إسرائيل، بل ربما كجزء من إستراتيجية طويلة الأمد".
وفي هذا الإطار، استعرض التقرير رؤية المحلل لارس لانج الذي يرى أن "الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير/ شباط لا يمكن فهمها من خلال التفسيرات الغربية التقليدية وحدها".
وأضاف: "الرواية السائدة في الغرب تقوم على فرضية أن واشنطن فقدت السيطرة على مجريات الأحداث وانزلقت إلى صراع لم تكن ترغب فيه، وأنها تدفع اليوم ثمن عقود من السياسات المتراكمة في الشرق الأوسط".
واستدرك لانج: "هذه القراءة تبسط المشهد إلى حد كبير؛ فالحرب ضد إيران لا تمثل انحرافا عن السياسة الأميركية، بل تعد أداة تخدم في الوقت ذاته ثلاثة أهداف مرتبطة بالهيمنة العالمية للولايات المتحدة".
وأوضح أن "الهدف الأول يتمثل في دفع الحلفاء إلى الانخراط في صيغة جديدة من تقاسم الأدوار داخل المنظومة التي تقودها واشنطن، بينما يهدف الثاني إلى زيادة هشاشة المنافسين الدوليين من خلال التحكم في الوصول إلى مصادر الطاقة وتنظيم تدفقها".
أما الهدف الثالث، فيتمثل -وفقا له- في "توفير ساحة اختبار عملية للجيش الأميركي تمكنه من تطوير عقائده القتالية والانتقال من الاعتماد على المنصات العسكرية التقليدية إلى أنماط جديدة من إدارة الحروب ترتكز بصورة أكبر على الوسائل والقدرات القتالية المتقدمة".

الحصن الأميركي
وأشار لانج إلى أن"فهم هذه الإستراتيجية يبدأ من مفهوم “الحصن الأميركي” الذي يقوم على إنشاء فضاء مركزي محصن تؤمنه نسخة محدثة من "مبدأ مونرو"، مدعوما بمشروع الدرع الصاروخية المعروف باسم "القبة الذهبية"، فضلا عن تعزيز الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة داخل أميركا الشمالية".
وأوضح أن "هذا الحصن لا تقتصر على الأراضي الأميركية وحدها، بل يحيط به مناطق متقدمة تؤدي دور التحصينات الخارجية، تشمل أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وإسرائيل".
ووفقا لهذا الطرح، فإن "الحرب ضد إيران تمثل الحلقة التشغيلية التي تربط بين هذه المكونات؛ إذ تؤدي إلى تقييد وصول الحلفاء والخصوم على حد سواء إلى مصادر الطاقة القادمة من منطقة الخليج، ما يضعهم في دائرة من الاعتماد المتزايد على ترتيبات تحدد واشنطن قواعدها وشروطها".
وأضاف لانج: "إن منطق (الحصن) لا يعكس انسحابا أميركيا من الشؤون الدولية، بل يمثل إعادة تنظيم لدورها العالمي، فهدف الحفاظ على التفوق الأميركي لا يزال حاضرا بوضوح في الوثائق الإستراتيجية الصادرة عن إدارة ترامب، وإن تغيرت اللغة المستخدمة في التعبير عنه".
وفي هذا السياق، أشار إلى أن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بات يتحدث اليوم عن مفهوم "أميركا الشمالية الكبرى"، في إشارة إلى نطاق أمني واسع تندرج ضمنه دول وأقاليم تمتد من غرينلاند شمالا إلى الإكوادور جنوبا.
وبحسب وجهة نظر لانج فإن "المقصود بهذا المفهوم ليس إقامة منطقة شراكة متكافئة، بل إنشاء حزام إستراتيجي متقدم يضمن بقاء الممرات الحيوية والمنافذ الإستراتيجية وخطوط الإمداد المرتبطة بالقلب القاري لأميركا الشمالية تحت النفوذ والسيطرة الأميركية".
فيما يتعلق بالصين، ذكر أن "إحدى أبرز نقاط الضعف الإستراتيجية للصين تتمثل في التوزيع الجغرافي لمصادر الطاقة التي تعتمد عليها".
فبين 45 و50 بالمئة من واردات النفط الخام الصينية، إلى جانب نحو 31 بالمئة من واردات الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر مضيق هرمز، كما أن أكثر من نصف احتياجات الصين النفطية تأتي من الشرق الأوسط.
وأردف لانج: "الاحتياطيات الإستراتيجية التي تمتلكها بكين، والتي تكفي لنحو 120 يوما، تمنحها هامشا من الوقت في حال تعطل الإمدادات، لكنها لا توفر لها استقلالا حقيقيا عن هذا المسار الحيوي".
في هذا السياق، يعتقد لانج أن "ما جرى في فنزويلا شكّل مرحلة تمهيدية لهذا النمط من الضغوط؛ إذ كانت الصين من أبرز المستوردين للنفط الفنزويلي، ما جعل الإجراءات الأميركية هناك تؤثر بصورة غير مباشرة في خيارات بكين المتعلقة بأمن الطاقة، أما أزمة هرمز، فهي تمثل مرحلة أكثر تصعيدا وتأثيرا".
هدنة تكتيكية
من جانب آخر، يقدر لانج أن "الحرب لا تؤدي وظيفة اقتصادية أو جيوسياسية فحسب، بل تحمل أيضا بعدا عسكريا مهما يتمثل في كونها ساحة اختبار لتحول جوهري في طبيعة الحروب الحديثة".
وتابع موضحا: "كان القرن العشرين قائما إلى حد كبير على ما يعرف بحروب المنصات العسكرية التقليدية؛ حيث شكلت الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والدبابات أدوات رئيسية لنقل القوة العسكرية إلى ساحة المعركة".
غير أن إيران، بحسب لانج، "كانت من أوائل القوى العسكرية التي عملت بصورة منهجية على تجاوز هذه المعادلة".
وأوضح مقصده: "إن اعتماد طهران المكثف على الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز أوجد نمطا مختلفا من إدارة العمليات العسكرية، يقوم على إنتاج أعداد كبيرة من الوسائل القتالية منخفضة الكلفة والقابلة للتعويض السريع، بدلا من الاعتماد على منصات باهظة الثمن".
ووفقا لهذه الرؤية، فإن "السلاح ذاته بات يؤدي وظيفة المنصة العسكرية؛ إذ يمكن إطلاق طائرة مسيرة من شاحنة ميدانية في ظروف كانت تتطلب سابقا استخدام أنظمة عسكرية تكلف مئات ملايين الدولارات".
ومن ثم، ينظر لانج إلى "الحرب مع إيران بصفتها ميدانا واقعيا لاختبار هذا التحول في الفكر العسكري الأميركي".
وفي ختام تحليله، رأى لانج أن "الحديث المتكرر عن تراجع الولايات المتحدة يغفل الصورة الأكبر، فواشنطن، ليست بحاجة إلى تحقيق انتصار حاسم في هذه الحرب بقدر حاجتها إلى إبقائها ضمن مستوى معين من الاستمرار والتأثير".
فبحسب رأيه، "فإن استمرار الصراع يوفر للولايات المتحدة أداة للضغط في ملفات الطاقة ضد الحلفاء والخصوم، ومختبرا لتطوير أساليب القتال الجديدة، فضلا عن كونه جزءا من الاستعداد للمنافسة على الموارد في عالم متغير مناخيا".
واختتم لانج حديثه قائلا: "هدف واشنطن لا يتمثل في الانسحاب من المسرح الدولي، بل في إعادة تنظيم أسس الهيمنة العالمية بما يضمن استمرار الولايات المتحدة بوصفها القوة المركزية في النظام الدولي الذي يتشكل خلال العقود المقبلة".
وتبنى الموقع الألماني وجهة نظر لانج؛ إذ يعتقد أن "الحرب على إيران لا تمثل الهدف النهائي بحد ذاته، بل تشكل ساحة اختبار لصراع أوسع يرتبط بموازين القوى الدولية، لا سيما فيما يتعلق بمنافسة الولايات المتحدة مع الصين، فضلا عن إعادة تشكيل علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين".
وتابع: "إن استمرار التوتر مع إيران، خاصة إذا بقي محصورا في مستويات منخفضة من التصعيد وتولت إسرائيل الجزء الأكبر من إدارته، قد يتيح لواشنطن توجيه مزيد من الاهتمام والموارد إلى مناطق أخرى، وعلى رأسها أميركا اللاتينية".
وعليه، يرى أن "ما يقدمه ترامب بوصفه اختراقا تاريخيا نحو السلام قد لا يكون، سوى استراحة تكتيكية جرى تنسيقها مع إسرائيل، تمهيدا لجولة جديدة من التوترات في المستقبل".
















