"لواء فاطميون".. هل تستعيد إيران نفوذها عبر أفغانستان؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أصبحت الصراعات المسلحة المعاصرة أقل اعتمادا على المواجهات المباشرة بين الدول؛ إذ باتت معارك النفوذ تدار بصورة متزايدة عبر شبكة من التشكيلات المسلحة غير الحكومية التي تحولت إلى أداة فاعلة في السياسة الخارجية وعنصرا من عناصر الضغط الجيوسياسي. 

وخلال العقود الأخيرة، نجحت إيران في بناء واحدة من أكثر منظومات المليشيات الوكيلة تطورا في الشرق الأوسط، ويحتل "لواء فاطميون" مكانة خاصة في هذا الهيكل، وهو تشكيل يتألف في معظمه من الشيعة الأفغان، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالحرس الثوري الإيراني.

تجنيد قسري

وتأسس اللواء عام 2013 على خلفية الحرب الأهلية السورية، وبحسب صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية فقد "أصبح جزءا من إستراتيجية أوسع اعتمدتها طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من التشكيلات المسلحة الموالية لها".

واستدركت: "غير أن جذور فاطميون تعود إلى فترة أقدم؛ إذ يربط باحثون نشأته ببنى شيعية موالية لإيران كانت تنشط في أفغانستان وباكستان خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين".

وأضافت الصحيفة أنه "مع اندلاع الحرب في سوريا، شرع الحرس الثوري الإيراني في إعادة تنظيم واسعة للقوات الشيعية الوكيلة، فيما حول قائد فيلق القدس قاسم سليماني الشيعة الأفغان إلى أحد الموارد الأساسية للإستراتيجية الإيرانية في المنطقة".

ووفقا لها، "يتكون القوام الرئيس للواء فاطميون من (الهزارة) الأفغان، وهم أقلية عرقية ودينية تعرضت للاضطهاد تاريخيا في أفغانستان".

وبحسبها، "جرت عمليات التجنيد بين المهاجرين الأفغان المقيمين في إيران، وكذلك داخل الأراضي الأفغانية نفسها".

وتطرقت الصحيفة لآلية تجنيد المقاتلين قائلة: "عرضت إيران على المقاتلين رواتب شهرية وتصاريح إقامة وضمانات اجتماعية".

ومع ذلك، ذكرت أن "عملية التجنيد لم تكن دائما طوعية؛ إذ جرت في عدد من الحالات تحت ضغوط مباشرة من الحرس الثوري".

"حيث واجه المهاجرون الأفغان المقيمين بصورة غير قانونية في إيران ثلاثة خيارات رئيسة: السجن أو الترحيل أو الإرسال للقتال في سوريا"، وفقا لما أوردته الصحيفة.

وهكذا، خلص التقرير إلى أن "عملية تعبئة لواء فاطميون لم تكن قائمة فقط على الأيديولوجيا الدينية، بل اعتمدت على مزيج من الضغط الاجتماعي والتبعية الاقتصادية والرقابة السياسية التي فرضها الحرس الثوري".

وقود الحرب

وأشارت الصحيفة إلى أن "الوحدات الأفغانية كانت من بين أكثر الوحدات تكبدا للخسائر في سوريا، وكثيرا ما وصف مقاتلون سابقون في اللواء أنفسهم بأنهم (مورد يمكن التضحية به)؛ إذ كانوا يُرسلون إلى أخطر مناطق القتال على الجبهات".

ووفقا لتقديراتها، "قُتل ما بين ألفي وثلاثة آلاف مقاتل أفغاني خلال سنوات الحرب، فيما أصيب نحو ثمانية آلاف آخرين، بينما فُقد العشرات ولم يعرف مصيرهم، كما أن العديد من العائلات لم تتلق أي معلومات عن مصير أقاربها حتى اليوم".

"ورغم تراجع حدة الصراع في سوريا وما أعقبه من انهيار نظام بشار الأسد، لم يتم حل لواء فاطميون"، قالت الصحيفة.

وتابعت: "فقد بقي جزء من مقاتليه في سوريا، بينما انتقل آخرون إلى إيران والعراق وأفغانستان".

وأشارت إلى أن "تقديرات مصادر مختلفة تفيد بأن عدد مقاتلي اللواء الموجودين في سوريا عند سقوط نظام الأسد تراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف عنصر".

وأردفت: "واليوم، لا يزال التشكيل يحتفظ ببنيته التنظيمية وقدرته على التعبئة وأسسِه الأيديولوجية، رغم أنه لا يظهر نشاطا ملحوظا".

ولفتت الصحيفة إلى أن "اللواء تحول، مع مرور الوقت، من مجرد وحدة شبه عسكرية إلى كيان يمتلك هوية خاصة تقوم على مزيج من التدين الشيعي والهوية الثقافية الهزارية ومفهوم (الشهادة) الذي يروج له الحرس الثوري".

وعقّبت: "هذه الركيزة الأيديولوجية تحديدا هي التي تجعل اللواء أداة نفوذ طويلة الأمد يمكن إعادة تفعيلها حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية التي أنشئ من أجلها".

في السياق الأفغاني، ترى الصحيفة أن "احتمال عودة مقاتلي الفاطميون إلى الظهور في أفغانستان أمر مثير للقلق".

وتابعت: "رغم عدم وجود مؤشرات حاليا على انتشار عسكري علني للواء داخل البلاد، فإن معطيات ميدانية تشير إلى أن أفغانستان قد تشكل قاعدة لإعادة تنظيم شبكاته". على حد قولها.

وأضافت: "أفادت تقارير بوجود عناصر من فاطميون في عدد من الولايات الأفغانية، من بينها العاصمة كابل، إضافة إلى هرات وبلخ ووردك وباميان".

"كما يُرجح وجود شبكات محدودة الارتباط بلواء الفاطميون في بعض المناطق الأفغانية، بما في ذلك منطقة هزارستان وسط البلاد، إلى جانب عدد من الولايات الشمالية". وفقا لها.

إعادة تنظيم

في غضون ذلك، لفتت الصحيفة إلى أنه "في عام 2019 حاولت إيران نقل عناصر من فاطميون إلى أفغانستان تحت غطاء الهجرة، بهدف تأجيج صراع طائفي داخل البلاد".

وفيما يتعلق بموقف كابل من هذا الملف، أشارت الصحيفة إلى أن "التطورات السياسية الجارية في أفغانستان والتوترات المتصاعدة في المنطقة تزيد من تعقيد القضية".

وتابعت موضحة: "إذ تسعى حكومة طالبان إلى الحفاظ على احتكارها لاستخدام القوة ومنع ظهور تشكيلات مسلحة جديدة، يمكن أن تشكل تحديا لنظامها الذي رسخ أركانه إلى حد كبير".

وأردفت: "وفي الوقت نفسه، تجد السلطات الأفغانية نفسها مضطرة إلى تطوير علاقاتها مع الدول المجاورة، وفي مقدمتها إيران".

وقدرت الصحيفة أن "هذا التوجه يكتسب أهمية متزايدة في ظل تدهور العلاقات مع باكستان وتصاعد الاضطرابات الإقليمية؛ إذ تدفع هذه التطورات كابل إلى توسيع نطاق تعاونها الأمني، بما يفتح أمام طهران هامشا أوسع لتعزيز مصالحها الإستراتيجية".

في هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن "العديد من الخبراء يتحدثون عن احتمال استخدام إيران لعلاقاتها مع طالبان من أجل الإبقاء على حضور محدود لشبكاتها الوكيلة داخل الأراضي الأفغانية، عبر الحفاظ على الخلايا النائمة وقنوات التنسيق الخاصة بها والبنية التحتية اللازمة للتجنيد".

علاوة على ذلك، ذكرت الصحيفة أن "هشاشة الرقابة على الحدود الأفغانية تثير مخاوف إضافية؛ إذ تسمح بانتقال المسلحين والأسلحة وعمليات التهريب دون عوائق تُذكر".

ونوَّهت إلى أنه "في حال عودة التوتر المرتبط بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران، تتزايد احتمالات تنشيط مثل هذه الشبكات".

وفي هذا الصدد، قدرت الصحيفة أن "التقارير الإعلامية التي تحدثت عن زيارة رئيس استخبارات الحرس الثوري، الجنرال ماجد حدامي، إلى قندهار قبل وفاته في أبريل/ نيسان 2026، تمثل مؤشرا غير مباشر على استمرار هذه التفاعلات".

ورغم اعتقادها أن "هذه التقارير تتطلب تعاملا حذرا عند تقييم مدى دقتها"، إلا أنها ترى أن "مجرد تداولها يعكس حجم القلق المرتبط بالنشاط الإيراني داخل أفغانستان".

في الختام، شددت الصحيفة على أن "المخاطر المحتملة لا تقتصر على الأمن الداخلي الأفغاني فحسب، بل تمتد إلى استقرار المنطقة بأسرها في ظل استمرار التهديدات القائمة".

واستطردت: "فوجود شبكات مسلحة تعمل في الخفاء يزيد من احتمالات التوترات الطائفية، ويعزز مخاطر التطرف العابر للحدود، كما يرفع احتمالات استهداف البنية التحتية الحيوية في المنطقة".