لماذا اختارت أميركا المغرب كشريك عسكري إستراتيجي؟.. صحيفة إسبانية تجيب

"المغرب هو الوريث المستقر والراغب"
في يونيو/ حزيران 2026، وافق مجلس الشيوخ الأميركي على خطة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري مع الرباط، على أن يتولى البنتاغون إعدادها وصياغتها.
وتسعى هذه الخطة إلى توظيف موقع المغرب ودوره من أجل استعادة النفوذ الأميركي في إفريقيا، والمساهمة في تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل.
ويعمل السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة بالمجلس، على الدفع باتجاه جعل المغرب شريكا إستراتيجيا بارزا للولايات المتحدة، ضمن تصور أوسع لتعزيز الحضور العسكري الأميركي في إفريقيا والمحيط الأطلسي. وإذا تحقق هذا التوجه، فسيشكل نقلة نوعية في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.
وتعليقا على ذلك، أفادت صحيفة "الكونفدنسيال" في تقرير حديث لها، بأن مجلس الشيوخ الأميركي صادق، بناء على طلب من السيناتور ويكر، على "خطة طموحة لتعزيز التعاون مع المغرب"، وذلك ضمن ميزانية الدفاع لعام 2027. وفي حال اعتمادها نهائيا، فسيكون أمام وزير الدفاع بيت هيغسيث مهلة 180 يوما لإعدادها وتقديمها.

موجة انقلابات
ونقلت الصحيفة عن المحلل المغربي أمين أيوب قوله: إن "شبكة القواعد الأميركية في إفريقيا كانت، خلال العقدين الماضيين، متمركزة أساسا في منطقة الساحل وخليج غينيا".
وأضاف أن هذا الوجود أخذ يتراجع في دولة تلو الأخرى، بالتزامن مع موجة الانقلابات التي أفرزت حكومات مناهضة للغرب. وخلص إلى أن "المغرب هو الوريث المستقر والراغب".
ويشار أيضا إلى أن فرنسا التي كانت الولايات المتحدة قد أوكلت إليها عمليا مسؤولية أمن منطقة الساحل، طُردت بدورها من المنطقة.
ومن المهم التذكير بأن مجلس النواب الأميركي لم يعتمد، حتى الآن، أي مبادرة مماثلة. وفي حال لم يفعل ذلك، ولم يتوصل المجلسان إلى اتفاق بشأن نص مشترك، فلن تُدرج الخطة المتعلقة بالمغرب في ميزانية العام المقبل، وسيتم إسقاطها.
وحتى إذا تم إقرار الخطة الصادرة عن لجنة القوات المسلحة، فإنها لا تشكل توجيها عاما ملزما لوزير الدفاع، كما أنها لا تتضمن اعتمادات مالية محددة. وبالتالي، فإن تنفيذها سيحتاج لاحقا إلى تصويت منفصل يحدد آليات التمويل وحجمه.
وبحسب الصحيفة، يسعى السيناتور روجر ويكر أساسا إلى تعميق خارطة الطريق للفترة 2026-2036، التي وقعها الوفدان الأميركي والمغربي في 16 أبريل/ نيسان داخل مقر البنتاغون.
وقد كتب يوسف عمراني، سفير المغرب لدى واشنطن، في صحيفة "ذا هيل" أن الجانبين غادرا جلسة التفاوض وهما يدركان أن ما ينتظرهما من عمل أصعب من مجرد توقيع الاتفاقية.
وتتكون الخطة التي طرحها مجلس الشيوخ، في مجملها، من خمسة محاور رئيسة.
يتمثل المحور الأول في إنشاء "مواقع أمنية تعاونية". وستكون هذه المواقع عبارة عن بنى تحتية خفيفة تسمح بتسهيل الانتشار السريع للقوات الأميركية، وتوفير الدعم اللوجستي للعمليات في منطقة الساحل والبحر المتوسط، إضافة إلى تخزين الوقود والذخيرة وتجهيز مواقع مخصصة للأسلحة.
أما المحور الثاني فيتعلق بتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، لا سيما من خلال تنسيق الجهود ضد الجماعات الإرهابية التي تزعزع استقرار منطقة الساحل، وضد التهديدات العابرة للحدود التي تمس مصالح الولايات المتحدة والمغرب وحلفائهما.
ويركز المحور الثالث على تقليص الفجوة بين القدرات العسكرية الأميركية والمغربية، من خلال تحديث القوات المسلحة الملكية المغربية.
وتشمل الخطة إنشاء مجمع تدريب مشترك كبير ومتعدد المجالات، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق سبق أن استخدمتها القوات الجوية الأميركية، لكنها باتت مهجورة في الوقت الراهن.
أما المحور الرابع فيقضي بإنشاء مركز تميز خاص بالطائرات المسيّرة، وهو مشروع أُعلن عنه خلال مناورات "الأسد الإفريقي" التي جرت أخيرا في المغرب بين أواخر أبريل وبداية مايو/ أيار.
ولن يقتصر دور هذا المركز على تشغيل الطائرات دون طيار والتصدي لمسيّرات الخصوم، بل سيشمل أيضا تدريب عسكريين من دول إفريقية شريكة.
ويتمثل المحور الخامس والأخير في توسيع نطاق مناورات "الأسد الإفريقي"، التي تُنظم سنويا في المغرب وتشكل حجر الزاوية في التدريبات العسكرية المشتركة بين الجيشين المغربي والأميركي.
وبصفتها أكبر مناورات عسكرية في إفريقيا، يُفترض أن تشمل مستقبلا مجالات مثل الأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحة المسيّرات، والتقنيات تحت المائية، وحماية البنية التحتية الحيوية، والحرب الهجينة، وغيرها من المجالات.

شريك إستراتيجي
أما عن أسباب اختيار المغرب كشريك إستراتيجي، فقد قدمت صحيفة "لو ديسك" الصادرة في الدار البيضاء، قراءة قريبة إلى حد ما من تفسير المحلل أمين أيوب.
وكتبت الصحيفة أن تراجع النفوذ الغربي في منطقة الساحل جعل من المغرب "أحد آخر شركاء واشنطن الموثوقين في منطقة تتصاعد فيها المنافسات".
وقد يتحول المغرب، وفق الصحيفة، إلى "مختبر لتنسيق أسراب القوات في بيئات متنوعة، وصياغة عقيدة خاصة بصراعات المستقبل"، بما يتجاوز دوره كقاعدة تدريب فقط.
إلى جانب ذلك، يُعد المغرب فاعلا رئيسا في مضيق جبل طارق، الذي تمر عبره نسبة مهمة من التجارة البحرية العالمية.
وتوجد المملكة في هذا الممر بشكل مباشر من خلال ميناء طنجة المتوسط، وهو الميناء الأكثر أهمية في إفريقيا؛ إذ يبلغ حجم حركة الحاويات فيه ضعف ما تسجله الجزيرة الخضراء.
ولذلك، فإن تعزيز الرقابة الوقائية على هذه النقطة البحرية الإستراتيجية يبدو هدفا أساسيا واضحا في نص مجلس الشيوخ.
ومن زاوية إسبانية، يقلل السيناتور فرناندو غوتيريز دياز دي أوتازو، المنتمي إلى حزب الشعب، من أهمية تعميق التحالف بين الجار الجنوبي والقوة العظمى.
وقال السيناتور الذي شغل منصب القائد العام لمليلية خلال السنوات الأربع الأخيرة من مسيرته العسكرية قبل دخوله السياسة: إن "الفجوة التكنولوجية والعملياتية بين إسبانيا والمغرب كبيرة جدا، وتمنح إسبانيا أفضلية واضحة".
وأضاف أن الفارق في الميزانية بين البلدين كبير أيضا، وأن الجهود التي تبذلها إسبانيا ستجعل هذه الفجوة تستمر في الاتساع سنة بعد أخرى.
في المقابل، يقدم ياغو رودريغيز، مدير منظمة "بوليتيكال روم"، تفسيرا مختلفا نسبيا لنوايا مجلس الشيوخ الأميركي.
فهو يرى أن مراكز الأمن التعاونية، إلى جانب إعادة تأهيل مهابط الطائرات السابقة، ستوفر "منصات جوية متقدمة لاستقبال القوات الأميركية، ودعم عبورها، وتنفيذ عمليات استجابة سريعة في إفريقيا". ويرى رودريغيز أن هذا الدور يمثل "الجوهر الوظيفي لقاعدة مورون الجوية في إشبيلية الإسبانية".
ويضيف رودريغيز، في إشارة إلى الطائرات التي لم تتمكن من التوقف في قاعدتي مورون وروتا خلال شهري مارس/ آذار وأبريل، أثناء توجهها إلى إيران بسبب موقف الحكومة الإسبانية من استخدام هاتين القاعدتين، أن المغرب قادر أيضا على استقبال طائرات كبيرة، من بينها القاذفات وطائرات النقل الإستراتيجي.
وبالتوازي مع تعميق العلاقات المغربية الأميركية، يبرز كذلك تعزيز أقل وضوحا للعلاقات بين المغرب وإسرائيل.
ففي مطلع يناير/ كانون الثاني، انعقد الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة في تل أبيب؛ حيث جرى توقيع خارطة طريق لعام 2026، لم يُكشف عن تفاصيل كثيرة بشأنها. ولم تؤكد الرباط حتى انعقاد هذا الاجتماع، الذي أعلن عنه الجيش الإسرائيلي.
ووفقا لمعطيات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أصبحت إسرائيل ثاني أكبر مورّد للأسلحة إلى المغرب خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025، متقدمة بذلك على فرنسا.


















