"نداء الوحدة والنضال".. هل ينقذ تونس من ديكتاتورية قيس سعيد المستفحلة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تعيش تونس مرحلة سياسية قاتمة في ظل حكم قيس سعيّد، ما دفع عددًا من الشخصيات السياسية والحقوقية البارزة إلى إطلاق نداء للتغيير من داخل سجونهم.

وجاء النداء الذي وقّعه سجناء سياسيون من مشارب فكرية وسياسية مختلفة، دعوةً إلى أصدقائهم الديمقراطيين وقوى المجتمع المدني للتوحد والعمل من أجل استعادة الحريات واسترجاع المسار الديمقراطي، بجعل ذلك سبيلًا لصون كرامة تونس وسيادتها.

رسالة من الزنازين

وقال السجناء في نداء بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2026: إن تونس تجتاز مرحلة دقيقة من تاريخها، فقد أدى انقلاب 25 يوليو 2021 بكل مكتسبات ثورة 2010-2011، وبكامل مكاسب الانتقال الديمقراطي.

وأردف، ومنها "سيادة الدستور، وعلوية القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء عن السلطة السياسية، وانتعاش الحريات، وتعدد وسائل الإعلام، وحرية التواصل الاجتماعي، والانتخابات الحرة تحت إشراف هيئة مستقلة، ومؤسسات تمثيلية منتخبة انتخابا حرا".

واليوم، يضيف النداء، "عادت تونس إلى المربع الأول للاستبداد والحكم الفردي المطلق، بما يجعل من استرجاع مكاسب الانتقال الديمقراطي المهمة المشتركة والجامعة لكل الديمقراطيين، والمهمة المركزية للمرحلة التاريخية الراهنة".

وشدد الموقعون أن "كل خلاف فكري أو سياسي يجب أن يؤجل إلى أن تعود الديمقراطية وتسود الحرية"، مؤكدين أن "كل الخلافات التي يتعثر حلها، سواء تعلقت بمسائل فرعية أو حتى بإصلاحات جوهرية، يمكن للتونسيين أن يبتّوا في شأنها من خلال حوار بناء، والاحتكام على ضوئه إلى صندوق الاقتراع".

هذا وحمل النداء توقيع كل من أحمد نجيب الشابي، العياشي الهمامي، جوهر بن مبارك، راشد الغنوشي، عصام الشابي، عبد الحميد الجلاصي، رضا بلحاج وزياد الهاني وشيماء عيسى وغازي الشواشي وخيام التركي.

وتعيش تونس في حالة من الاستبداد والحكم الفردي منذ وصول الرئيس قيس سعيد إلى الحكم، وانقلابه على دستور الثورة وإغلاق البرلمان وحل الحكومة وغيرها من الإجراءات الاستثنائية التي تم الإعلان عنها بتاريخ 25 يوليو/تموز 2021.

وفي ظل هذه الجو السياسي الذي أعاد البلاد إلى ما قبل ثورة الياسمين التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي عام 2011، يقبع عشرات النشطاء السياسيين والحقوقيين والإعلاميين والأكاديميين وغيرهم في سجون النظام بتهم متعددة.

هذا وتدعو العديد من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية والإقليمية إلى إطلاق سراحهم والكف عن استغلال القضاء في تصفية الحسابات السياسية والتضييق الممنهج على الحقوق والحريات العامة بالبلاد. 

حس وطني عالٍ

هذا النداء وجد ترحيبا من قوى المعارضة، وعلى رأسها "جبهة الخلاص الوطني"، والتي قالت إنها تلقت باهتمام وتقدير الرسالة الصادرة عن عدد من السجناء السياسيين من مختلف المشارب الفكرية والسياسية.

وعبرت الجبهة في بيان بالمناسبة، عن ترحيبها لأصحاب هذه المبادرة الصادقة وما عبّروا عنه من حسّ وطني عالٍ رغم المظلمة الصارخة المسلّطة عليهم منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وأكدت أن النداء الصادر عنهم يكتسي أهمية خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها البلاد، حيث تتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتتراجع الحريات العامة والفردية وتتواصل الملاحقات والمحاكمات ذات الخلفيات السياسية.

وشددت جبهة الخلاص الوطني أن معركة استعادة دولة القانون والمؤسسات، وضمان استقلال القضاء، وإطلاق الحريات، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، تمثل اليوم أولوية وطنية جامعة تتقدم على سائر الخلافات الفكرية والسياسية التي يمكن أن يجد التونسيون السبل الديمقراطية لمعالجتها والاحتكام بشأنها إلى إرادة الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.

في السياق، دعت الجبهة مختلف القوى السياسية والمدنية والنقابية والحقوقية والشخصيات الوطنية الديمقراطية إلى تكثيف التشاور وإجراء حوار لبناء رؤية لحل الازمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، وإلى العمل المشترك.

كما دعت إلى "تغليب ما يوحّد التونسيين على ما يفرّقهم، من أجل بناء أوسع جبهة وطنية سلمية تدافع عن الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنين".

ونبَّهت الجبهة إلى أن تونس في حاجة اليوم إلى حوار وطني جامع وإلى تضافر جهود جميع أبنائها وبناتها لإنقاذ البلاد من أزمتها المركبة وفتح أفق سياسي جديد يعيد للشعب التونسي حقه في الحرية والكرامة والسيادة الشعبية.

ديمقراطية مغدور بها

بدوره، قال وزير الخارجية التونسية الأسبق رفيق عبد السلام: إن البيان المشترك الصادر من داخل سجون الطاغية، والذي ضم قيادات سياسية وفكرية من الصف الأول ومن كل الاتجاهات والعائلات، خطوة في الاتجاه الصحيح من التاريخ.

وأردف عبد السلام في تدوينة نشرها عبر حسابه على فيسبوك بتاريخ 24 يونيو 2026، النداء دعا للوحدة والتضامن حول مطلب استعادة الديمقراطية المغدور بها، مع المطالبة بتأجيل كل الخلافات الفكرية والسياسية سواء كانت فرعية أو أساسية الى مرحلة ما بعد دحر الانقلاب والانقلابيين.

وشدَّد عبد السلام أن النداء خطوة تؤكد على سبيل اليقين أن الحركة السياسية التونسية باتت موحدة ومتماسكة عبر كبار زعمائها وقادتها حول مشروع الحرية والديمقراطية الواسع.

وأردف، "وما على القوى السياسية والاجتماعية في الساحة إلا الانخراط في هذا الخط الوطني الجامع من أجل تحرير تونس من إمبراطورية الخوف والفقر والدجل".

فيما يرى منسق عام ائتلاف الصمود بتونس، حيان الحامي، أن النداء يأتي في سياق سعي المعارضة التونسية لتوحيد الساحات؛ إذ بدأت تعمل منذ أشهر على تنظيم في مظاهرات ومسيرات مشتركة على اختلاف توجهاتها السياسية والإيديولوجية.

وأوضح الحامي خلال حوار مع قناة "فرانس24" بتاريخ 29 يونيو 2026، أن نداء المساجين السياسيين ينبه إلى أن مكاسب الدولة الوطنية ومكاسب الثورة اختفت، خاصة في الجانب الحقوقي والحريات، واستقرار المؤسسات والسياسات العامة للدولة، وتراجع الدبلوماسية التونسية التي كانت لها أهميتها في المنطقة، إقليميا ودوليا.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن النداء يأتي كذلك في ظل الوضع الصعب الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه عموم المواطنين التونسيين، وغياب رؤية لدى السلطات للخروج من الأزمة.

وبشأن إعلان بعض أنصار الرئيس قيس سعيد توقف دعمهم له، قال الحامي: إن هناك نوعا من الاتفاق الجماعي على فشل السلطة وعجزها عن إيجاد حلول للأزمات المتصاعدة التي تعيشها البلاد على مختلف المستويات.

واسترسل، اليوم تتفق المعارضة التونسية على قواعد العيش الديمقراطي المشترك وقواعد التنافس السياسي، مشيرا إلى أن هذا الملف تعمل عليه عدد من القوى السياسية في البلاد، وسيخلق تصورات وإنتاجات تعكس هذا التوجه في الفترة المقبلة.

معركة الحرية

في قراءته للنداء وخلفياته ورسائله، أكد السياسي التونسي أحمد النجار، أن هذا النداء ليس بالبيان العابر، بل في جوهرة دعوة لإعادة ترتيب الأولويات في لحظة بلغ فيها الخراب السياسي حدًّا لم يعد يسمح بمزيد من المناورات اللفظية أو التمترس وراء الخلافات القديمة.

وذكر النجار لـ "الاستقلال" أن النداء يبعث بسؤال مباشر وهو إن كان في البلد مايزال هناك من يفهم أن معركة الحرية أسبق من كل المعارك، وأن الخلافات مهما كانت عميقة لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة للتعايش مع الانقلاب والاستبداد.

وأوضح أن دلالة الرسالة لا تأتي فقط من مضمونها، بل من توقيتها ومن هوية الموقّعين عليها أيضا، لكونهم شخصيات لا يجمعها خط سياسي واحد، وبعضها كان إلى وقت قريب في قلب خصومات حادة، بل مؤذية أحيانا، داخل المجال العام التونسي.

وأردف، الرسالة لا تقول للقوى السياسية والمدنية "تضامنوا معنا لأننا مظلومون"، بل تقول ما هو أبعد من ذلك: "إذا كان من خلاف يجب أن يُؤجَّل اليوم، فهو خلافكم حول البرامج والهويات والتأويلات؛ لأنّ الحرية نفسها في خطر، ولأنّ المجال العام الذي يُفترض أن تُدار فيه هذه الخلافات مغلق أمام أعينكم".

ولهذا، يردف النجار، "لا ينبغي قراءة الرسالة بوصفها مجرد موقف من السلطة، بل أيضًا بوصفها إدانة صامتة لعجز المعارضة نفسها، من حيث فشل النخب السياسية في التمييز بين التناقض الرئيس والتناقضات الثانوية".

وقال الناشط السياسي: إن النداء يضع القوى السياسية والمدنية أمام امتحان عسير، وربما أخير؛ إذ ليس المطلوب منها أن تُصدر بيانا جديدا عن “ضرورة الوحدة” ثم تمضي كل جهة إلى شأنها، ولا أن تكتفي بالتعبير عن التعاطف الإنساني مع المعتقلين، على أهميته، بل أن تعترف علنا بأنّ ما تعيشه تونس ليس أزمة حكم عابرة ولا مجرد انحراف قابل للتصحيح من داخل المنظومة القائمة، بل هو انغلاق سياسي شامل يهدد ما تبقى من فكرة السياسة نفسها.

وذكر أن "هذا الاعتراف يقتضي أن "تكفّ القوى التي تعتبر نفسها ديمقراطية عن التعامل مع ملف المعتقلين بصفته شأنا يخصّ عائلاتهم أو أحزابهم أو دوائرهم الفكرية"، وأن "تتجاوز هذه القوى منطق التضامن اللفظي إلى بناء حدّ أدنى من الفعل المشترك".

واسترسل، المطلوب أيضا أن "تتفق على أرضية واضحة: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وقف توظيف القضاء في الصراع السياسي، الدفاع عن استقلال المؤسسات، وفتح المجال العام أمام التعددية والاختلاف".

هذا وأكد النجار أن الانتقال الديمقراطي لم يسقط فقط؛ لأن خصومه تآمروا عليه، بل سقط أيضا لأن جزءا من نخبته أدار الخلافات بعقل قصير، وبدّد الثقة الشعبية، وترك المجال مفتوحا أمام من قدّم نفسه بصفته الخلاص من الفوضى ومن عبث الأحزاب.

وشدد أن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تصلح ذريعة للحياد اليوم، بل تجعل من الواجب مضاعفا: مقاومة الاستبداد، ومراجعة الأخطاء التي سهّلت له الطريق.

وعليه، يرى النجار أن النداء ليس اختبارا للمعتقلين، بل لمن هم خارج السجن، لمدى استعدادهم إلى الارتفاع فوق حساباتهم، ولو قليلا، وإلى فهم أن البلاد لا تُنقذ بخصومات متجاورة، ولا بمعارضات ينتظر بعضها سقوط بعض، ولا بنخب لا ترى في السجن إلا مصيرا يخصّ الآخرين.

وخلص إلى أن رسالة المعتقلين إن لم تُقرأ بصفته نداء عاجلا لاستعادة السياسة من براثن الخوف، فلن يكون من وراء القضبان هم وحدهم، بل ستكون تونس نفسها.

نموذج الغنوشي

يعد الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق، من بين الموقعين على النداء، وأحد أبرز الوجوه السياسية المدافعة عن الحرية والديمقراطية في البلاد.

وفي ظل اعتقاله التعسفي من لدن سلطات قيس سعيد، أطلق عدد من الأكاديميين والمسؤولين السابقين والحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني حملة توقيعات دولية للمطالبة بالإفراج الفوري عن الغنوشي، تزامنا مع بلوغه عامه الخامس والثمانين، واستمرار احتجازه في السجون التونسية.

ووفق نص النداء المنشور نهاية يونيو 2026، فقد جمعت الحملة خلال أيام قليلة نحو 190 توقيعا، بينها أسماء بارزة من الولايات المتحدة وعدد من دول العالم، فيما يسعى القائمون عليها إلى الوصول إلى ما بين 400 و500 توقيع خلال الأسبوع المقبل، بهدف تعزيز الضغط الدولي لإطلاق سراح الغنوشي.

ودعا منظمو الحملة الموقعين إلى توسيع دائرة التضامن عبر التواصل مع شخصيات مؤثرة، من بينها رؤساء حكومات ووزراء خارجية سابقون، وبرلمانيون، ودبلوماسيون، وأكاديميون، ومدافعون عن حقوق الإنسان، ورجال دين، وصحفيون، ومثقفون، ونشطاء في مجالات الديمقراطية والمجتمع المدني.

وجاء في نص العريضة أن الموقعين لا يطلقون هذا النداء بالضرورة اتفاقا مع مواقف الغنوشي السياسية أو انتماءاته الحزبية، بل دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، مؤكدين أن الخلاف السياسي في الأنظمة الديمقراطية يجب أن يُدار عبر الحوار والانتخابات والتنافس السلمي، لا عبر السجن والإقصاء.

وأشار النداء إلى أن الغنوشي، وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، كان من أبرز الداعين إلى المشاركة السياسية السلمية والحكم الديمقراطي والحوار الوطني في تونس والعالم العربي، وأنه تعرض للسجن والملاحقة والنفي لأكثر من عشرين عاما، لكنه ظل متمسكا برفض العنف والانخراط في العمل السياسي السلمي.

كما رأى الموقعون أن الغنوشي كان أحد أبرز مهندسي الانتقال الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2011، وأنه اختار في لحظات الاستقطاب السياسي الحوار والتسوية على حساب المواجهة، والوحدة الوطنية بدلا من المكاسب الحزبية الضيقة.

وطالبت العريضة السلطات التونسية بالإفراج الفوري عن راشد الغنوشي، وإطلاق سراح جميع المحتجزين بسبب نشاطهم السياسي السلمي أو تعبيرهم عن آرائهم، واحترام حرية التعبير والمشاركة السياسية واستقلال القضاء، وإعادة فتح المجال أمام الحوار الديمقراطي والتنافس السياسي السلمي.

واختتم النداء بالتأكيد أن مستقبل تونس لن يتعزز بسجن المعارضين السياسيين، بل بالعودة إلى الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.