توتر غير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب.. هل تستطيع إسرائيل البقاء دون أميركا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

"لولاي لنسفت إسرائيل من على وجه الأرض".. مرارا وتكرارا، ردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 17 يونيو/حزيران 2026 هذه العبارة. مشيرا إلى أن وجود إسرائيل، من دونه ودون دعم الولايات المتحدة، لم يكن ليستمر.

وزادت التصريحات التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني من حدة الغضب داخل إسرائيل تجاه الولايات المتحدة.

ورأى مسؤولون إسرائيليون أن إقدام الولايات المتحدة على توقيع الاتفاق دون موافقة إسرائيل، إلى جانب تصريحات ترامب التي أشار فيها إلى أن الأخيرة لم تكن لتستمر في الوجود لولاه، يمثلان إهانة كبيرة. حسب وصفهم.

سجال أميركي– إسرائيلي

ومن جانبه، انتقد وزير الثقافة والرياضة في حكومة الاحتلال، ميكي زوهار، تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قائلا: إنه كان بإمكان تل أبيب وحدها أن تمحو إيران من على وجه الأرض.

جاء ذلك في مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية بتاريخ 17 يونيو/حزيران 2026، عقب تصريحات لترامب قال فيها: "لولاي لما كانت إسرائيل موجودة اليوم".

وقال زوهار: "أقول للرئيس ترامب إن إسرائيل لم تكن فقط ستكون موجودة وحاضرة في كل ظرف، بل كنا سنضرب إيران بطريقة لا يبقى لديهم فيها كهرباء ولا ماء ولا طعام، لو أردنا ذلك".

وأضاف: "لم نفعل ذلك لأننا احترمنا الولايات المتحدة، ولم نكن لنسمح لإيران، في أي حال من الأحوال، بأن تهدد أمن إسرائيل".

ومن جانبه، علق وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني، إيتمار بن غفير، قائلا: إن "اتفاق ترامب لا يلزمنا".

وأضاف، في منشور على منصة "إكس"، أن إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة، مؤكدا أن تل أبيب ليست شريكا في هذا الاتفاق.

بدوره، وصف وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الاتفاق مع إيران بأنه "سيئ لنا وللعالم الحر كله". وفق تعبيره.

وقال سموتريتش، في تغريدة على منصة "إكس": "علينا مواصلة حملتنا لإسقاط النظام الإيراني بأنفسنا، وضمان عدم امتلاك طهران لسلاح نووي".

من جانبه، قال رئيس حزب الديمقراطيين اليساري، يائير غولان، على منصة "إكس": إن "الاتفاق أُبرم دون علم إسرائيل، ويمنح طوق نجاة للنظام القاتل في طهران".

وبعد هذه التصريحات من الجانب الإسرائيلي، وجه جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في 19 يونيو/حزيران 2026، انتقادات حادة لعدد من أعضاء حكومة الاحتلال الذين هاجموا مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها مع إيران، قائلا: إن الرئيس دونالد ترامب هو "الرئيس الوحيد المتعاطف مع إسرائيل حاليا".

وقال فانس إنه لو كان مكان أي عضو في الحكومة الإسرائيلية لما أقدم على "مهاجمة الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع".

وأشار إلى أن "ثلثي الأسلحة التي حمتهم خلال الأشهر الماضية صنعتها ومولتها الولايات المتحدة من خلال دافعي الضرائب الأميركيين".

ويطرح هذا السجال من التصريحات تساؤلا قديما متجددا: هل يمكن أن تبقى إسرائيل موجودة دون حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة؟

ومن جانبه، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور صالح إبراهيم: إن الحروب التي خاضها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر أبرزت أهمية ومحورية الولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل، وأنها باتت ضرورة وجودية لبقائها.

وأضاف أنه لولا الدعم اللامحدود المقدم للاحتلال لما تمكن من الصمود في حرب غزة لأكثر من ثلاثة أشهر، بحسب اعترافات قادة سلاح الجو الإسرائيلي.

وأضاف، في حديث لـ"الاستقلال": "كل ما يملكه الاحتلال من طائرات حربية، وهي العمود الأساسي لحروبه، أميركية الصنع، حيث سعت الولايات المتحدة تاريخيا إلى منح الاحتلال تفوقا نوعيا في الجو على سائر دول العالم، من خلال أحدث الطائرات وأكثرها قدرة على التخفي والمناورة".

وتابع: "إلى جانب تزويد الولايات المتحدة لإسرائيل بأقوى وأكثر القنابل والصواريخ فتكا، ومن بينها أسلحة محرمة دوليا، فهي لا تكتفي بتزويدها بها، بل تتجند للدفاع عنها في المحافل الدولية وحمايتها عند استخدام هذه الأسلحة في جرائم الإبادة".

وشدّد على أن أهم ما تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل ليس الأسلحة والطائرات فقط، بل التكنولوجيا والقدرات السيبرانية، وأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تمكينها من استخدام شبكة أقمارها الصناعية وراداراتها، وهو ما جعل الاحتلال يتمتع بتفوق استخباري واضح.

وتابع: "حرب إيران أثبتت أن الولايات المتحدة استخدمت قواعدها في المنطقة لتأمين احتياجات الاحتلال من السلاح، وكانت جزءا أساسيا من الجسر الجوي المستمر إلى تل أبيب، وهو ما مكن الاحتلال من قصف غزة وسوريا ولبنان وإيران وقطر واليمن".

وأكد أن الولايات المتحدة كان لها دور حاسم في امتلاك الاحتلال للسلاح النووي، عبر حمايته من الضغط الدولي وعدم فرض اتفاقية حظر الانتشار النووي عليه، إضافة إلى المساهمة في تطوير مشروعه النووي.

وأوضح أن إسرائيل، وإدراكا منها بأن وجودها مرتبط باستمرار الدعم الأميركي، عملت تاريخيا على تأمين ولاء المسؤولين والسياسيين وأعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ لدولة الاحتلال، من خلال أدوات الضغط واللوبيات ومئات وسائل الإعلام، إضافة إلى السيطرة على صناعة السينما.

ولهذا تأسست "إيباك"، أقوى جماعات الضغط (اللوبي)، لتعميق العلاقات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتأثير على الكونغرس والإدارة الأميركية لاتخاذ سياسات مؤيدة لإسرائيل.

وتابع: "من أبرز ما عملت عليه إسرائيل وأذرعها في أميركا هو الربط الديني بين البروتستانت الإنجيليين واليهودية؛ حيث يرون أن عودة اليهود إلى أرض فلسطين مقدمة لعودة المسيح في آخر الزمان، وقد استغلت إسرائيل هذه السردية على نطاق واسع".

دعم عسكري مفتوح

ومهد هذا التشابك الديني والعقائدي، إلى جانب الضغط الإعلامي والسياسي، لحصول إسرائيل على دعم أميركي مفتوح في مختلف المجالات، ليصبح هذا الدعم العمود الفقري لتفوقها العسكري، والممول الرئيس لترسانتها، والحامي السياسي لها في المحافل الدولية.

وتعد إسرائيل أكبر متلقٍ للمساعدات الأميركية في العالم، وبحسب بيانات مجلس العلاقات الخارجية الأميركي حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فقد قدمت واشنطن لإسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي مئات المليارات من الدولارات على شكل مساعدات عسكرية وأمنية مباشرة.

ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فتحت الولايات المتحدة مخازنها العسكرية أمام إسرائيل عبر واحد من أكبر جسور التسليح في تاريخ العلاقات بين الجانبين، ضمن دعم عسكري واسع شمل آلاف الأطنان من الذخائر والقنابل والصواريخ والمعدات القتالية المتطورة.

ورغم أن الأرقام الرسمية الكاملة للدعم العسكري الأميركي لإسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 لم تُنشر بشكل نهائي، فإن تقارير أميركية تشير إلى مستويات ضخمة وغير مسبوقة من الدعم المستمر.

وتشير تقديرات مشروع "تكلفة الحرب" في جامعة براون إلى أن قيمة الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل تجاوزت 17.9 مليار دولار خلال عام واحد فقط، خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.

أما معهد الأبحاث الأميركي "كوينسي"، فقد قدّر أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة لا تقل عن 21.7 مليار دولار منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 10 أكتوبر/تشرين الثاني 2025.

وبحسب المعهد، نقلت واشنطن إلى إسرائيل أكثر من 50 ألف طن من الأسلحة والذخائر عبر مئات الطائرات والسفن العسكرية، تضمنت أكثر من 14 ألف قنبلة من طراز MK-84 زنة ألفي رطل، ونحو 6500 قنبلة زنة 500 رطل، إضافة إلى أكثر من 3000 صاروخ Hellfire، وحوالي 2600 قنبلة صغيرة القطر من نوع GBU-39، إلى جانب ما يقارب 3000 حزمة توجيه ذكية JDAM.

كما شملت الإمدادات أكثر من 57 ألف قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، ومئات القنابل الخارقة للتحصينات من طراز BLU-109، فضلا عن آلاف قذائف الدبابات والذخائر الموجهة.

وامتد الدعم الأميركي ليشمل تزويد إسرائيل بصواريخ لمنظومتي "القبة الحديدية" و"مقلاع داود"، إضافة إلى طائرات ومروحيات عسكرية وقطع غيار لمقاتلات F-35 وF-15 ومروحيات AH-64 Apache، فضلا عن عربات مدرعة ووقود طائرات وأنظمة اتصالات ومراقبة متطورة.

دعم تكنولوجي

لم يقتصر الدعم الأميركي لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر على السلاح والتمويل فقط، بل امتد إلى مستويات غير مسبوقة من الإسناد الاستخباري والتكنولوجي والفضائي، جعلت واشنطن شريكا مباشرا في إدارة الحرب من الناحية المعلوماتية والعملياتية.

فقد سخرت الولايات المتحدة قدراتها في مجال الأقمار الصناعية والتجسس الإلكتروني والمراقبة الجوية لصالح الاحتلال، عبر تزويده بصور فضائية عالية الدقة، وبيانات استخبارية فورية، وتقنيات تعقب واتصالات متقدمة، إضافة إلى دعم عمليات الاستهداف والتشويش والرصد الإلكتروني.

وقالت صحيفة "واشنطن بوست" في يونيو/حزيران 2024: إن وكالات مثل NSA وCIA وNGA كثفت تبادل المعلومات مع الجيش الإسرائيلي بشكل يومي خلال الحرب.

وأوضحت أن الأقمار الصناعية الأميركية التجارية والعسكرية لعبت دورا محوريا في توفير صور آنية لتحركات المقاومة والبنية التحتية داخل غزة.

واستخدمت شركات أميركية كبرى مثل Maxar وPlanet Labs تقنيات تصوير بدقة تصل إلى 40 سنتيمترا للصورة الواحدة، وهي دقة قادرة على رصد المركبات والتحركات العسكرية والتغيرات الميدانية بدقة عالية.

هل اقتربت النهاية؟

ورغم هذا التاريخ الطويل من التحالف والتبعية، تواجه إسرائيل اليوم تحديا جديدا يتمثل في تغير المزاج الشعبي داخل الولايات المتحدة، خصوصا بعد الحرب على غزة.

فقد أظهرت استطلاعات رأي أميركية أجرتها جامعة كوينيبياك في 28 أغسطس/آب 2025 تراجعا في التأييد الشعبي لتزويد إسرائيل بالمزيد من السلاح؛ حيث أشار أحد الاستطلاعات إلى أن 60% من الأميركيين يعارضون استمرار الدعم العسكري، مقابل 32% فقط يؤيدونه.

وشهد الكونغرس الأميركي انقسامات غير مسبوقة بشأن دعم إسرائيل، فيما تصاعدت الاحتجاجات داخل الجامعات الأميركية ضد الحرب، ما أثار مخاوف إسرائيلية من تحول الأزمة إلى نقطة انعطاف تاريخية في العلاقة مع واشنطن.

وأثار هذا التراجع حالة قلق داخل إسرائيل؛ إذ حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك من أن إسرائيل "تخسر الجيل القادم من الأميركيين"، فيما تحدث مسؤولون عن "أزمة شرعية متصاعدة" داخل الجامعات الأميركية.

وكان واضحا أن إسرائيل لا تخشى فقط فقدان السلاح الأميركي، بل تخشى أيضا تراجع "الشرعية السياسية" التي توفرها واشنطن على الساحة الدولية.

كما وصفت صحيفة "جيروزاليم بوست" التراجع في شعبية إسرائيل داخل الولايات المتحدة بأنه "الأخطر منذ عقود"، خاصة مع اتساع الفجوة بين المؤسسة السياسية الأميركية والشارع الشبابي.

وتزايدت المخاوف الإسرائيلية مع اتساع الاحتجاجات في الجامعات الأميركية الكبرى مثل هارفارد وكولومبيا؛ حيث رفع آلاف الطلاب شعارات تطالب بوقف تسليح إسرائيل وفرض عقوبات عليها.

ومن جانبه، قال الدكتور صالح إبراهيم إنه بعد حرب الإبادة الجماعية، انقلب الوضع بشكل غير مسبوق؛ إذ بات الشارع الأميركي، خاصة فئة الشباب، أكثر ميلا لمناهضة الاحتلال ومعارضة استمرار الدعم العسكري له.

وتوقع أن ينعكس هذا التحول على توجهات الناخبين وبرامج المرشحين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بحيث يصبح دعم إسرائيل بأموال الضرائب الأمريكية قضية مثيرة للجدل.

وأوضح أن هذا التحول أثار مخاوف إسرائيلية من أن الولايات المتحدة لن تبقى على صورتها التقليدية خلال السنوات المقبلة، ما دفع نتنياهو إلى توقيع اتفاقيات إستراتيجية طويلة الأمد لضمان استمرار الإمدادات العسكرية لأطول فترة ممكنة.