ذهب الحدود يشعل التوتر.. أسرار الصراع على ثروات "الدرع النوبي" بين مصر والسودان

تمتد الصحراء الشرقية بين أسوان في أقصى جنوب مصر ومرسى علم على ساحل البحر الأحمر
ما بين قصف جوي استهدف منطقة حدودية شمال السودان وأسفر عن قتلى وجرحى من العاملين في التنقيب الأهلي عن الذهب، ونفي مصري قاطع لتنفيذ أي غارات داخل الأراضي السودانية أو السعي للسيطرة على مناجم الذهب، عاد الشريط الحدودي بين البلدين إلى واجهة التوتر من جديد، مثيراً تساؤلات حول حقيقة ما جرى وخلفياته.
فالحادثة التي وقعت في منطقة "جبل العقيدات" قرب المثلث الحدودي أعادت فتح ملفات شائكة تتعلق بأمن الحدود وثرواتها المعدنية. وبين روايات تتحدث عن استهداف مهربين ومنقبين تجاوزوا الحدود المصرية، وأخرى تؤكد وقوع القصف داخل الأراضي السودانية، تتصاعد علامات الاستفهام بشأن ملابسات الحادثة وأبعادها الحقيقية.
كما تطرح التطورات الأخيرة احتمال ارتباط الحادثة بصراع غير معلن على مناطق الذهب المنتشرة في واحدة من أغنى البقع المعدنية على الحدود المشتركة، حيث تحولت "جبال الذهب" خلال السنوات الماضية إلى مركز جذب للمنقبين وشبكات التهريب، وإلى ساحة تنافس خفي تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
فتنة الذهب
بدأت القصة بقصف جوي عنيف وقع في 16 يونيو/حزيران 2026 على المنطقة الحدودية بين السودان ومصر، واستهدف مواقع للتعدين الأهلي غير المنظم عن الذهب، ليتحول الحادث سريعاً إلى قضية سياسية وأمنية أثارت جدلاً واسعاً في البلدين.
وبحسب روايات منقبين سودانيين تداولت عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن الهجوم الذي تبين لاحقاً أنه نُفذ بواسطة القوات المصرية أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من السودانيين العاملين في التنقيب التقليدي عن الذهب قرب الشريط الحدودي. وأكد هؤلاء أن مركبات ومدرعات تابعة للجيش والشرطة المصريين وصلت إلى المنطقة في اليوم التالي، وأجبرت المعدنين على مغادرتها، فيما جرى توقيف عدد منهم.
وتزامنت تلك التطورات مع حملة أمنية واسعة نفذتها السلطات المصرية في المناطق الحدودية، انتهت بترحيل ما بين ألفي وثلاثة آلاف سوداني وإفريقي عبر معبر أرقين الحدودي في 20 يونيو/حزيران 2026، بعد عمليات تدقيق وملاحقة للعاملين في أنشطة التعدين الأهلي غير المقنن، وفق ما أوردته مصادر مصرية وسودانية.
ووفق روايات متطابقة لمصادر سودانية، استهدف القصف مواقع تعدين معروفة بين العاملين في القطاع بأسماء "جبل العقيدات" و"الجبل الأحمر" و"الجبل الأبيض"، وهي مناطق جبلية غنية بالذهب تقع في نطاق حدودي متداخل بين شمال السودان وجنوب مصر.
كما امتد الاستهداف إلى منجم شمال الوادي ومحيط سوق الأنصاري بولاية البحر الأحمر السودانية، على مسافة تقدر بنحو 20 كيلومتراً أو أكثر جنوب الحدود المصرية.
وبحسب إفادات نقلها الصحفي السوداني أسامة عبد الحليم عبر موقع "سودانيل" في 19 يونيو/حزيران 2026، شاركت في العملية طائرتان من طراز "ميغ" وطائرة استطلاع إلى جانب طائرات مسيّرة، قبل أن تتدخل قوة برية مصرية مؤلفة من نحو 20 عربة "لاند كروزر" مسلحة اقتحمت المنطقة عقب القصف مباشرة.
وأشار إلى أن حصيلة اليوم الأول بلغت خمسة قتلى وعشرة جرحى، بينما تداول ناشطون سودانيون مقاطع مصورة قالوا إنها توثق آثار القصف في مواقع التعدين القريبة من الحدود المشتركة.
وتكتسب هذه المناطق أهمية خاصة لكونها تقع ضمن نطاق صحراوي يُعد من أغنى المناطق بالذهب في الشريط الحدودي بين البلدين. وبينما تؤكد الخرائط الإدارية السودانية أن مواقع التعدين المستهدفة تقع داخل الأراضي السودانية، تعدها القاهرة جزءاً من المنطقة المتاخمة لحلايب وشلاتين الخاضعة لسيطرتها منذ سنوات، ما يضيف بعداً سيادياً إلى الأزمة.
وخلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان، تحولت هذه المناطق إلى ملاذ اقتصادي لآلاف الشباب السودانيين الذين فقدوا مصادر دخلهم التقليدية، وأصبح التعدين الأهلي بالنسبة لكثير منهم وسيلة للبقاء وتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
وفي خضم الجدل الذي أثارته العملية، برز موقف رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، أحد أكبر المستثمرين في قطاع التعدين، إذ أشاد بتدخل القوات المسلحة المصرية، ورأى أن ما جرى يمثل مواجهة لـ"عصابات التعدين العشوائي" وفرضاً لسيادة الدولة على المناطق الحدودية.
وقال ساويرس: إن هذه الخطوات من شأنها أن تعزز ثقة المستثمرين العالميين بقطاع التعدين المصري، وتمهد لزيادة الاستثمارات الأجنبية وتحقيق طفرة في عوائد الدولة من الثروات المعدنية.
لكن في المقابل، يرى مراقبون سودانيون أن الحادثة تتجاوز مجرد مكافحة التعدين غير القانوني، لتفتح مجدداً ملف النزاع الحدودي والثروات المعدنية في المنطقة، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت "جبال الذهب" قد تحولت إلى ساحة صراع خفي بين المصالح الاقتصادية وحسابات السيادة على الحدود المشتركة.
قصف داخل أم خارج السودان؟
أثارت حادثة القصف الجوي التي وقعت في المنطقة الحدودية بين السودان ومصر جدلاً واسعاً حول موقع الاستهداف الحقيقي وطبيعة العملية العسكرية، وسط روايات متضاربة بين مصادر سودانية ومصرية بشأن ما إذا كانت الضربات نُفذت داخل الأراضي السودانية أم استهدفت مواقع تقع داخل الحدود المصرية.
وتحدثت منصات وصحف سودانية عن أن القصف بدأ في 16 يونيو/حزيران 2026 واستمر حتى 18 من الشهر ذاته، وأسفر عن مقتل نحو 100 من "الدهابة" (الباحثين التقليديين عن الذهب) وإصابة عشرات آخرين، استناداً إلى إفادات ناجين وشهود عيان من المنطقة.
وأكدت تلك المنصات أن الغارات المصرية استهدفت مواقع تقع شمال السودان، ونشرت مقاطع مصورة ومشاهد لتشييع عدد من المعدنين السودانيين الذين قيل إنهم سقطوا جراء القصف.
كما ربطت بعض الأوساط السودانية الحادثة بما وصفته بمحاولات مصرية متواصلة للهيمنة على مناطق غنية بالمعادن ضمن ما يعرف بـ"حزام الدرع النوبي"، وهو أحد أهم التكوينات الجيولوجية القديمة في المنطقة، ويضم احتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن النفيسة، ويمتد عبر أجزاء واسعة من ولايتي البحر الأحمر والشمالية في السودان.
وتحدثت تقارير نشرتها صحف سودانية، بينها "سودان تريبيون" و"سودان وور مونيتور"، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بين المعدنين، دون التوصل إلى حصيلة نهائية دقيقة، فيما ذهب تحالف "تأسيس" المرتبط بقوات الدعم السريع إلى الحديث عن سقوط "مئات القتلى" في القصف.
وسرعان ما تحولت الحادثة إلى مادة للتجاذب السياسي، إذ استغلت قوات الدعم السريع الواقعة لتوجيه اتهامات مباشرة إلى القاهرة بانتهاك السيادة السودانية.
وفي هذا السياق، أصدر تحالف "تأسيس"، الذراع السياسية لقوات الدعم السريع، بياناً في 17 يونيو/حزيران 2026 اتهم فيه مصر بتنفيذ ضربات داخل الأراضي السودانية، وانضمت إلى هذا الموقف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى جانب حزب الأمة القومي.
ووصف البيان القصف بأنه دعم مباشر لما سماه "جيش الحركة الإسلامية"، في إشارة إلى الجيش السوداني، مقدرا أن القاهرة تستفيد من استمرار الحرب عبر السعي للسيطرة على الموارد الزراعية والحيوانية والتعدينية السودانية.
في المقابل، تشير روايات مصرية إلى أن الظاهرة ليست جديدة، إذ تحدثت وسائل إعلام مصرية منذ عام 2009 عن تدفق آلاف السودانيين إلى مناطق التعدين في الصحراء الشرقية المصرية بحثاً عن الذهب، لا سيما في محيط مدينة مرسى علم التي تبعد نحو 340 كيلومتراً عن الحدود السودانية.
وفي أعقاب الحادثة، أعلن المتحدث العسكري المصري إطلاق عملية أمنية وعسكرية واسعة في نطاق المنطقة العسكرية الجنوبية، استهدفت شبكات الجريمة المنظمة المتورطة في التعدين غير المشروع وتهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير النظامية.
وأوضح في بيان صدر في 20 يونيو/حزيران 2026 أن الحملة أسفرت عن ضبط 223 شخصاً، بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، خلال عمليات استهدفت مواقع التنقيب غير القانوني عن الذهب في جنوب البلاد، مشيراً إلى ترحيل الأجانب إلى بلدانهم.
كما أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ حملة موسعة ضد شبكات التعدين غير المشروع والتهريب في مناطق جنوب الصحراء الشرقية، أسفرت عن مصادرة معدات وأسلحة وضبط مئات الأشخاص.
وزادت صور الأقمار الصناعية التي تداولتها مصادر مفتوحة من تعقيد المشهد، إذ أظهرت آثار غارات جوية على مواقع تعدين غير قانونية داخل محافظة البحر الأحمر المصرية.
ووفق تلك الصور، جرى استهداف موقعين منفصلين؛ الأول قرب مدينة مرسى علم على بعد نحو 340 كيلومتراً من الحدود السودانية، والثاني على مسافة تقارب 8 كيلومترات شمال الحدود المشتركة بين البلدين، وهو ما عزز الرواية المصرية القائلة: إن الضربات وقعت داخل أراضيها.
وفي سياق متصل، لفت الانتباه تداول وسائل إعلام مصرية أرقاماً كبيرة تتعلق بعمليات التسلل عبر الحدود الجنوبية، إذ نقلت عن المتحدث العسكري أن القوات المسلحة تمكنت من ضبط 99 ألفاً و886 متسللاً من جنسيات مختلفة على الاتجاهات الاستراتيجية للدولة، وهو رقم أعاد طرح ملف الحدود الجنوبية والتحديات الأمنية المرتبطة بها.
من جانبه، روى أحد الناجين السودانيين من القصف لموقع "راديو دبنقا" في 17 يونيو/حزيران 2026 أن الغارة استهدفت منطقة "رأس الجبل" في منجم جبل العقيدات، أحد أكبر مواقع التعدين الأهلي في المنطقة.
وأوضح أن الموقع كان يضم ما بين خمسة آلاف وسبعة آلاف معدّن سوداني، مشيراً إلى أن الطائرات التي يعتقد أنها مصرية ظلت تحلق فوق المنطقة بصورة متكررة خلال الأيام السابقة للهجوم، قبل أن تنفذ غارة قال إنها تضمنت إسقاط أربع قنابل أو براميل متفجرة على تجمع للمعدنين.
وفي أول تعليق رسمي سوداني، أعلن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان أن الحكومة ستفتح تحقيقاً في الأحداث التي وقعت قرب الحدود المصرية.
لكن البرهان وجّه في الوقت نفسه رسالة واضحة إلى المعدنين السودانيين، داعياً إياهم إلى عدم تجاوز الحدود الدولية، وقال: "جارتنا الشمالية مصر يجب احترام حدودها وعدم تجاوزها حتى لا يتسبب الناس في مشكلات لأنفسهم وللدولة".
كما أكد مستشار البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية أمجد فريد أن القوات المصرية استهدفت معدنين سودانيين قرب الحدود، واصفاً الحادثة بأنها "مؤسفة" وتمثل امتداداً لسلسلة من الاحتكاكات السابقة التي سقط فيها ضحايا من الجانبين.
وفي قراءة مختلفة للمشهد، رأى موقع "هورن ريفيو" الإثيوبي في تقرير نشره بتاريخ 22 يونيو/حزيران 2026 أن صمت الجيش السوداني النسبي تجاه الحادثة يعود إلى طبيعة العلاقات القائمة بين القاهرة والخرطوم، والدعم المصري للجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع.
وذهب التقرير إلى أن الضربات الجوية جاءت في إطار حسابات استراتيجية مصرية تهدف إلى حماية مصالحها الاقتصادية في المناطق الحدودية الغنية بالذهب.
كما زعم أن الفوضى الناتجة عن الحرب السودانية سمحت خلال السنوات الأخيرة بتدفق كميات كبيرة من الذهب عبر الحدود إلى مصر، وهو ما وفر للقاهرة مورداً مهماً من العملة الصعبة.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما أورده معهد "تشاتام هاوس" البريطاني في مارس/آذار 2025، حين أشار إلى أن ما يصل إلى 60 بالمئة من إنتاج الذهب السوداني غير الرسمي يتدفق إلى الاقتصاد المصري بطرق مختلفة.
غير أن "هورن ريفيو" رأى أن الغارات الأخيرة لم تكن تستهدف وقف تدفق الذهب نفسه، بقدر ما هدفت إلى تفكيك شبكات التعدين المستقلة الخارجة عن سيطرة الدولة، والتي باتت تنافس الجهات الرسمية وتؤثر في أسعار الذهب وحركة التجارة عبر الحدود.
وبذلك، تحولت حادثة القصف من مجرد عملية أمنية ضد التعدين غير المشروع إلى ملف شائك تتداخل فيه تقديرات الأمن القومي، والنزاع الحدودي، والصراع على الذهب، والمصالح الاقتصادية المتشابكة بين البلدين.

ذهب الدرع النوبي
تمتد الصحراء الشرقية بين أسوان في أقصى جنوب مصر ومرسى علم على ساحل البحر الأحمر، فوق واحد من أغنى الأحواض المعدنية في المنطقة. ويصف أحد العاملين في التنقيب الأهلي تلك المنطقة بأنها "بحر من الذهب"، في إشارة إلى كثافة الرواسب المعدنية المنتشرة في جبالها وأوديتها.
وفي هذه المساحة الشاسعة، تتداخل مصالح المعدنين التقليديين والمهربين والقبائل المحلية والشركات الاستثمارية، بينما تسعى السلطات المصرية منذ سنوات إلى فرض سيطرة أكبر على أنشطة التنقيب واستخراج الذهب في المنطقة.
وتُعد الصحراء النوبية الممتدة بين جنوب مصر وشمال السودان، والمعروفة جيولوجياً باسم "حزام الدرع النوبي"، من أغنى مناطق العالم بالذهب والمعادن النفيسة. ويضم هذا الحزام تكوينات صخرية قديمة تحتوي على احتياطيات ضخمة من الذهب والنحاس ومعادن أخرى، ما جعله محط اهتمام الحكومات والشركات والمعدنين التقليديين على حد سواء.
وتكتسب حادثة القصف الأخيرة قرب الحدود السودانية المصرية أهمية خاصة لأنها تلامس ثلاثة ملفات شديدة الحساسية في آن واحد؛ أمن الحدود بين البلدين، والتنافس على مناطق الذهب والثروات المعدنية، والتداعيات الإنسانية للحرب السودانية التي دفعت آلاف المدنيين إلى العمل في التعدين الأهلي بالقرب من الشريط الحدودي.
لكن كثيراً من المراقبين يرون أن جوهر الأزمة يرتبط بالصراع المتصاعد على السيطرة على مناطق الذهب الواقعة ضمن نطاق الدرع النوبي، خاصة بعد دخول القاهرة والخرطوم خلال السنوات الأخيرة في مشاريع وخطط تهدف إلى تطوير قطاع التعدين وتعظيم العوائد الاقتصادية منه.
وتشير تقارير سودانية إلى أن مصر كثفت اهتمامها خلال السنوات الماضية بالمناطق الغنية بالذهب في الشريط الحدودي، ولا سيما المناطق المتاخمة لولاية البحر الأحمر السودانية وجبل العوينات، التي شهدت في فترات سابقة توترات مرتبطة بأنشطة التعدين والتنقيب.
وفي هذا السياق برزت تحركات لشركات مصرية حكومية وخاصة في قطاع التعدين، أبرزها شركة "شلاتين للثروة المعدنية"، المملوكة للدولة المصرية، إلى جانب شركات أخرى مرتبطة بجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش المصري، والتي تتمتع بامتيازات واسعة في مناطق حلايب وشلاتين والمناطق المحاذية لها.
كما عززت القاهرة حضورها المؤسسي في هذا القطاع بعد إصدار القانون رقم 193 لسنة 2020، الذي منح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية حق استغلال المحاجر ومناطق التعدين لمدة 30 عاماً، في خطوة عدها مراقبون جزءاً من استراتيجية أوسع لإحكام السيطرة على الموارد التعدينية في الجنوب المصري.
في المقابل، شرعت الحكومة السودانية أيضاً في إطلاق مشاريع استثمارية تستهدف المناطق الغنية بالذهب والمعادن على امتداد الشريط الحدودي.
وقبل أشهر من حادثة القصف الأخيرة، وقعت وزارة المعادن السودانية اتفاقاً استثمارياً مع شركة "ديب ميتالز" لتنفيذ مشاريع للتنقيب عن الذهب والحديد باستثمارات تتجاوز 277 مليون دولار، تشمل مواقع امتياز في ولايات الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل والقضارف، إضافة إلى إنشاء مصنع لمعالجة مخلفات التعدين ومصفاة حديثة للذهب.
وأدى تزامن هذه المشاريع مع التوترات الحدودية إلى انتشار شائعات داخل السودان حول منح القاهرة امتيازات للتنقيب عن الذهب في شمال البلاد، خصوصاً في المناطق التي تُعد من الأكثر غنى بالمعدن الأصفر.
وتداولت منصات سودانية معلومات تتحدث عن شراكات أو عقود محتملة لشركات مصرية داخل السودان، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الشارع السوداني، الذي رأى في تلك الأنباء محاولة للاستحواذ على ثروات البلاد في ظل ظروف الحرب والانقسام وضعف مؤسسات الدولة. غير أن القاهرة سارعت إلى نفي هذه المزاعم بشكل رسمي.
ففي 19 يونيو/حزيران 2026، أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عدم صحة ما تم تداوله بشأن وجود اتفاقيات لإنشاء 108 مناجم للذهب والمعادن النفيسة في شمال السودان ضمن إطار شراكة استراتيجية بين البلدين.
كما نفت الوزارة صحة التصريحات المنسوبة إلى وزير البترول كريم بدوي حول حصول مصر على امتيازات أو شراء مناجم ذهب داخل الأراضي السودانية، مؤكدة أن ما تم تداوله "عارٍ تماماً من الصحة".
ورغم ذلك، أعادت حادثة القصف الأخيرة فتح باب التساؤلات حول العلاقة بين التقديرات الأمنية والمصالح الاقتصادية في المنطقة الحدودية، وما إذا كانت المنافسة على الذهب تشكل أحد المحركات غير المعلنة للتوترات المتكررة بين الجانبين.
ويتمحور جانب كبير من هذا الصراع حول كيفية استثمار وتأمين "الدرع النوبي"، الذي تحوّل بفعل انتشار التعدين الأهلي والعشوائي إلى بؤرة احتكاكات أمنية متكررة، دفعت السلطات المصرية إلى تنفيذ حملات ملاحقة وترحيل لمنقبين سودانيين، بينما يتمسك السودان بروايته التي تؤكد أن كثيراً من هؤلاء يعملون داخل أراضيه السيادية.
وتزداد تعقيدات الملف بسبب ارتباطه بالنزاع المزمن حول مثلث حلايب وشلاتين، حيث تتداخل الحدود السياسية مع مناطق الامتياز التعديني ومواقع التنقيب التقليدي.
ويعتمد آلاف المعدنين السودانيين، المعروفين محلياً باسم "الدهابة"، على أجهزة كشف المعادن وسيارات الدفع الرباعي للتنقل بين الأودية والجبال الحدودية، مستفيدين من الطبيعة الصحراوية المفتوحة للمنطقة، ما يجعل عمليات ضبط الحدود أمراً بالغ الصعوبة.
وفي حين تتهم القاهرة هؤلاء المعدنين بتجاوز الحدود الدولية والتسلل إلى مناطق امتياز مخصصة لشركات مصرية، خاصة في محيط مرسى علم، تؤكد الخرطوم أن غالبية أنشطة التعدين تتم داخل النطاق الجغرافي السوداني وأن السكان يمارسون هذا النشاط منذ عقود طويلة.
وأمام استمرار هذا الواقع، يجمع عدد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين المتخصصين في شؤون القرن الإفريقي على أن الحل الأمني وحده لن يكون كافياً لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
ويرون أن المخرج الأكثر واقعية يكمن في التوصل إلى اتفاقية اقتصادية وتنظيمية مشتركة بين القاهرة والخرطوم لإدارة الثروات المعدنية في المناطق الحدودية، بما يضمن حماية السيادة الوطنية لكل طرف ويحد من الاحتكاكات الميدانية.
كما يدعون إلى تشكيل لجان فنية مشتركة لترسيم مناطق التعدين التقليدي، ووضع آليات رقابية وضريبية مرنة تسمح بتنظيم النشاط الأهلي، وتضمن استفادة خزائن الدولتين من العوائد المعدنية الضخمة التي تختزنها جبال الدرع النوبي، بدلاً من تحويلها إلى مصدر دائم للتوتر والصدام.

ما علاقة إسرائيل؟
كان لافتاً دخول إسرائيل على خط الجدل المرتبط بأحداث الحدود السودانية المصرية، وإبداء دوائر إعلامية وأمنية إسرائيلية اهتماماً غير معتاد بحادثة قصف مواقع التعدين قرب الشريط الحدودي بين البلدين.
فقد زعمت منصة "كيكار هاشابات" (Kikar HaShabbat)، إحدى أبرز المنصات الإخبارية الإسرائيلية الموجهة لليهود المتدينين، في 18 يونيو/حزيران 2026، أن الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تتابع بقلق بالغ التطورات الأخيرة على الحدود السودانية، وتتعامل بحساسية كبيرة مع أي تحركات عسكرية مصرية في تلك المنطقة.
وذكرت المنصة أن حوادث احتكاك سابقة وقعت بين قوات مصرية وعمال مناجم سودانيين، لكنها رأت أن ما جرى هذه المرة يمثل "تصعيداً دراماتيكياً غير مسبوق" بسبب استخدام الطيران الحربي في استهداف مواقع قريبة من الحدود.
ويعكس هذا الاهتمام الإسرائيلي طبيعة النظرة الأمنية التي تتبناها تل أبيب تجاه التحركات العسكرية المصرية، إذ تراقب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ سنوات قدرات الجيش المصري وانتشاره، خصوصاً في المناطق الجنوبية والشرقية.
وتنظر إسرائيل إلى أي عملية عسكرية مصرية خارج النطاق التقليدي لحماية الحدود بصفتها مؤشراً على تطور القدرات العملياتية للجيش المصري واتساع هامش حركته الإقليمية، حتى وإن كانت تلك العمليات مرتبطة بملفات أمنية داخلية أو حدودية.
وتخشى دوائر إسرائيلية من أن تتحول مثل هذه العمليات إلى سوابق تسمح للقاهرة بتوسيع نطاق انتشارها العسكري وتنفيذ عمليات عابرة للحدود عند الضرورة، بما قد يمنحها أوراق قوة إضافية في معادلات الردع والتوازنات الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، تتعامل تل أبيب مع أي تحرك عسكري مصري واسع النطاق بصفته تطوراً يستحق المتابعة والتقييم، بغض النظر عن طبيعة الهدف المباشر للعملية.
في المقابل، تنظر القاهرة إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً، إذ ترى أن الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023 خلقت فراغات أمنية واسعة على امتداد الشريط الحدودي، الأمر الذي أتاح توسع أنشطة التعدين غير المنظم وحركة التهريب والتنقل غير الشرعي.
وتخشى السلطات المصرية أن تتحول مناطق التعدين العشوائي إلى بيئة حاضنة لشبكات أكثر خطورة، تشمل تهريب السلاح والمخدرات والوقود والبشر، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية الوعرة وصعوبة الرقابة على الحدود الممتدة بين البلدين.
لذلك يرى مراقبون أن التدخل المصري الأخير، سواء أكان داخل الحدود المصرية أم في المناطق المتاخمة لها، جاء في إطار محاولة فرض سيطرة أمنية أكبر على منطقة باتت تمثل تحدياً متزايداً للأمن القومي المصري، في ظل تداخل ملف الذهب مع ملفات الهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة المنظمة.
وبينما تنظر القاهرة إلى القضية بصفتها مسألة أمن حدود وسيادة ومكافحة أنشطة غير قانونية، تبدو إسرائيل منشغلة بما تكشفه هذه التطورات من مؤشرات تتعلق بقدرات الجيش المصري وحركته في محيطه الإقليمي، وهو ما يفسر دخولها غير المباشر على خط الجدل الدائر حول "حرب الذهب" في المثلث الحدودي بين مصر والسودان.
المصادر
- على حدود الذهب والنار.. ماذا حدث في مناجم شمال الوادي؟
- صفقة الموت.. تحقيق يكشف خفايا الهجوم المصري على المعدّنين السودانيين!
- لماذا ضربت مصر السودان؟ قصف الجار أبناءه.. فمن قصف السيادة؟
- ناجٍ يكشف عن مقتل العشرات جراء غارة جوية على منجم للذهب شمالي السودان
- قصف جوي مصري يستهدف مناجم الذهب على الحدود السودانية ويوقع ضحايا مدنيين
- وزارة البترول تنفى تصريحات منسوبة للوزير بشأن إنشاء 108 منجم للذهب في السودان
- Gold and the war in Sudan
- SAF’s Silence on Egypt’s Bombing of Sudan
- حرب الذهب

















