"يني شفق": التقارب العسكري بين تركيا ومصر يغير موازين قوى شرق المتوسط

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يشهد شرق البحر المتوسط واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه السياسي والعسكري المعاصر، في ظل تغيرات متسارعة، تعيد تشكيل التحالفات الإقليمية التي كانت مستقرّةً لسنوات طويلة. 

في قلب هذه التحولات برزت مؤشرات متزايدة على تقارب تركي مصري متسارع، تجاوز حدود المصالحة السياسية التقليدية، بحسب ما أوردته صحيفة “يني شفق” التركية في مقال للكاتب التركي "بولانت أوراك أوغلو".

فقد دخل هذا التقارب مرحلة أكثر عمقاً، ارتبطت بالتنسيق العسكري والتعاون الدفاعي، وهو ما أثار حالة من القلق الواضح لدى إسرائيل والولايات المتحدة وحُلفائهما الإقليميين.

تغير إستراتيجي

وذكر الكاتب التركي أن العلاقات بين تركيا ومصر عاشت لسنوات طويلة حالة من التوتر الحاد منذ عام 2013؛ حيث تصاعد الخلاف السياسي بين أنقرة والقاهرة وتحول إلى صراع غير مباشر في عدد من الملفات الإقليمية مثل ليبيا، وشرق المتوسط، والتحالفات العربية المتنافسة. 

لكنّ المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع انطلاق مسار المصالحة بين البلدين، وتسارع وتيرتها بشكل لافت خلال المرحلة الأخيرة.

إنّ هذا التقارب لم يعد مقتصراً على إعادة العلاقات الدبلوماسية أو تبادل الزيارات الرسمية، بل تشير المعطيات المتداولة إلى انتقال العلاقة تجاه مستوى أكثر حساسية، يتمثل في التنسيق العسكري والأمني، وهو تطور يحمل أبعاداً إستراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين البلدين.

فقد تحدّثت مصادر متعددة عن رصد الاستخبارات الأميركية ارتفاعاً استثنائياً في مستوى التنسيق العسكري بين وزارتي الدفاع التركية والمصرية، سواء من حيث كثافة الاجتماعات أو طبيعة الملفات التي يتم بحثها. 

هذا الأمر شكّل قلقاً متزايداً داخل الدوائر الأميركية والإسرائيلية؛ لأن أي شراكة إستراتيجية بين أنقرة والقاهرة تعني بشكلٍ مؤكّد تغيراً جذرياً في موازين القوى التي بُنيت خلال السنوات الماضية في شرق المتوسط.

وأضاف الكاتب أن إسرائيل والولايات المتحدة عملتا لفترة طويلة على بناء منظومة تحالفات إقليمية، هدفت إلى الحد من النفوذ التركي في المنطقة، وقد شكّلت اليونان وقبرص والإمارات جزءاً أساسياً من هذه المنظومة. 

لذلك فإنّ وجود مصر ضمن هذا التوازن، أو بقاؤها على الحياد كان عنصراً مهماً في استقرار هذه المعادلة، لكنّ انتقال القاهرة نحو شراكة عسكرية مع أنقرة يهدد بإحداث اختلال كبير في هذا البناء السياسي والعسكري.

تحدٍّ متصاعد

وبحسب الكاتب، ما يثير قلق إسرائيل والولايات المتحدة في هذه المسألة هو اهتمام القاهرة المتزايد بالتكنولوجيا العسكرية التركية، خصوصاً في منظومات الدفاع الجوي المتقدمة التي طورتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة. 

فقد نجحت تركيا خلال العقد الماضي في بناء صناعة دفاعية متقدمة، جعلتها لاعباً مهماً في سوق السلاح العالمي، وذلك بعدما أثبتت كفاءتها في إنتاج الطائرات المسيرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والمنظومات الدفاعية الحديثة.

وفي حال اتجهت مصر فعلياً إلى تعزيز تعاونها العسكري مع تركيا في هذا المجال، فإن ذلك سيمنح الجيش المصري خيارات إستراتيجية جديدة خارج نطاق الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يمثل تطوراً لا يمكن تجاهله بالنسبة لواشنطن.

وتابع: إن التحركات التي ترددت حول نشاط دبلوماسي مكثف، تقوده اليونان وقبرص والإمارات داخل دوائر القرار الأميركية تعكس حجم القلق الذي بدأ يتشكل لدى هذه الدول:

بالنسبة لليونان، فإن أي تحالف بين تركيا ومصر يعني تراجعاً كبيراً في قدرتها على موازنة النفوذ التركي داخل شرق المتوسط، خصوصاً في ملفات ترسيم الحدود البحرية وحقول الغاز والنزاعات المتعلقة ببحر إيجه.

أما قبرص فترى أن التقارب المصري التركي قد يضعف التحالف الأمني، الذي بنته خلال السنوات الماضية مع إسرائيل واليونان، والذي كان يستهدف بالأساس مواجهة التحركات التركية في المنطقة. 

أمّا الإمارات فتنظر إلى هذا التطور بصفته عودة قوية للدور التركي في المجال العربي والإقليمي، بعد سنوات من التنافس الحاد في ملفات ليبيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وأضاف أن أكثر ما يثير القلق في التقديرات المتداولة هو الحديث عن احتمال تحول التعاون التركي المصري إلى نواة مشروع عسكري أكبر، يضم دولاً إسلامية وعربية ذات ثقل كبير. 

فإنّ هذه الفكرة المطروحة تتحدث عن إمكانية تشكل محور، يضم تركيا ومصر وربما السعودية وباكستان، وذلك في إطار تعاون دفاعي واسع قد يتجاوز مجرد الاتفاقات الثنائية إلى بناء تكتل عسكري إقليمي جديد.

وإذا تحقق مثل هذا السيناريو فإن المنطقة ستكون أمام تحول تاريخي غير مسبوق؛ لأن هذا التحالف سيجمع بين قوة بشرية هائلة، وقدرات عسكرية كبيرة، وصناعات دفاعية متطورة، إضافة إلى موارد اقتصادية ضخمة. 

وهو ما سيؤدي إلى إعادة صياغة معادلات القوة، ليس فقط في الشرق الأوسط بل على مستوى النظام الدولي الأوسع.

وأردف الكاتب بأنه خلال العقد الماضي بنت إسرائيل إستراتيجيتها الإقليمية على استمرار الانقسامات داخل العالم العربي والإسلامي، وعلى بقاء القوى الإقليمية الكبرى في حالة تنافس، بحيث تمنع ظهور محور موحد قادر على فرض معادلات جديدة. 

لذلك فإنّ التقارب التركي المصري يهدد هذه الفرضية بشكل مباشر؛ لأنه يفتح الباب أمام ولادة توازنات جديدة لا تكون إسرائيل مركزها الأساسي كما كان الحال خلال السنوات الأخيرة.

لهذا يبدو أن تل أبيب تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها تحولاً إستراتيجياً بالغ الخطورة، وهو ما يفسر حالة النشاط الدبلوماسي والاستخباراتي المكثف، والذي يجري الحديث عنه في محاولة لفهم أبعاد هذا التقارب قبل أن يتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.

قوة مركزية

وعلق الكاتب بأنّ أنقرة تتحرك وفق رؤية إستراتيجية طويلة المدى، تهدف إلى تثبيت موقعها كقوة مركزية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. 

فَإعادة بناء العلاقات مع مصر تمثل جزءاً من مشروع أوسع، تسعى من خلاله تركيا إلى إنهاء سنوات الاستقطاب الحاد، وتوسيع دائرة نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.

كما أن تصدير الصناعات الدفاعية أصبح أحد أهم أدوات السياسة الخارجية التركية؛ حيث تستخدم أنقرة هذا القطاع ليس فقط كمصدر اقتصادي، وإنما كوسيلة لبناء تحالفات إستراتيجية طويلة الأمد.

وأضاف أن القاهرة بدورها تبدو في مرحلة إعادة تعريف أولوياتها الإستراتيجية، فَالبيئة الدولية تشهد تغيرات متسارعة، والاعتماد على الشّراكات التقليدية لم يعد كافياً لضمان المصالح الوطنية في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوى. 

لهذا فإنّ التقارب مع تركيا يمنح مصر هامش حركة أوسع، ويعزز موقعها كلاعب رئيس في شرق المتوسط، كما يفتح أمامها خيارات تسليحية وسياسية أكثر استقلالية.

ومجمل هذه التطورات يشير إلى أن ما يجري ليس مجرد تحسن في العلاقات الثنائية بين دولتين مهمتين، بل ربما يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط. وقد تكون المنطقة أمام إعادة تشكيل واسعة للتحالفات القديمة، وصعود محاور جديدة أكثر استقلالاً عن النفوذ الغربي التقليدي.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً إن ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية، وحالة القلق التي ظهرت لدى بعض القوى الإقليمية، تعكس إدراكاً متزايداً بأن التوازنات التي حكمت المنطقة خلال العقد الماضي بدأت تتغير بالفعل. 

وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد خلال السنوات القادمة ولادة نظام إقليمي جديد، تكون فيه تركيا ومصر في قلب معادلة القوة الجديدة، وهو تحول قد يعيد صياغة مستقبل الشرق الأوسط لعقود طويلة قادمة.

الكلمات المفتاحية