دمشق تحت النار عشية البرلمان الجديد.. من يسعى لإرباك المرحلة الانتقالية؟

انفجرت عبوة ناسفة مزودة بشظايا معدنية داخل "مقهى المشيرية" بمنطقة الحجاز
بينما تستعد سوريا لانعقاد أولى جلسات البرلمان الجديد، شهدت العاصمة دمشق ومحيطها تصعيدا أمنيا متزامنا شمل تفجيرا داميا في مقهى قرب القصر العدلي، وإحباط محاولتي تفجير منفصلتين، بالتوازي مع قصف إسرائيلي استهدف مناطق في درعا والقنيطرة، في تطورات وضعت السلطات الانتقالية أمام أحد أصعب الاختبارات الأمنية منذ أشهر.
وفي تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر الخميس 2 يوليو/ تموز 2026، انفجرت عبوة ناسفة بدائية الصنع تزن نحو كيلوغرام واحد ومزودة بشظايا معدنية داخل "مقهى المشيرية" بمنطقة الحجاز، على بعد نحو 70 مترا من مبنى القصر العدلي التاريخي وشارع النصر.
وأسفر التفجير عن مقتل 10 أشخاص وإصابة أكثر من 20 آخرين بجروح متفاوتة، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه حتى الآن، وسط إدانات أممية ودولية واسعة.
وقالت وزارة الداخلية السورية: إن التحقيقات الأولية أظهرت أن الانفجار نُفذ بواسطة عبوة ناسفة بدائية الصنع زُودت بشظايا معدنية لزيادة الخسائر البشرية والمادية، مؤكدة أن منفذي الهجوم وكل من يقف وراءه "سيلاحقون حتى يقدموا إلى العدالة، ولن يفلت أي متورط من المحاسبة".
وبعد ساعات من التفجير، أعلنت مديرية إعلام ريف دمشق تمكن قوات الأمن الداخلي من إحباط محاولة تفجير عبوة ناسفة كانت مزروعة داخل حافلة للنقل العام في حي الورود، التابع إداريا لمحافظة ريف دمشق والملتصق عمرانيا بالعاصمة.
وأوضحت أن وحدات الهندسة تعاملت مع البلاغ بسرعة، وطوقت المنطقة، قبل أن تتمكن من تفكيك العبوة وإبطال مفعولها دون وقوع إصابات أو أضرار مادية، فيما باشرت الأجهزة الأمنية تحقيقا موسعا ومشطت المنطقة بحثا عن أي أجسام مشبوهة أخرى، مع ملاحقة المتورطين في زرع العبوة.
وأكدت المديرية أن قوات الأمن ستواصل التصدي لكل محاولات تقويض الاستقرار، مشيدة بتعاون المواطنين في الإبلاغ عن التحركات المشبوهة.
وفي تطور أمني آخر، أعلنت القوى الأمنية، عند الساعة الخامسة وعشر دقائق من صباح الجمعة 3 يوليو/ تموز، إحباط هجوم استهدف حاجز "كشكول - الدويلعة" بريف دمشق.
وقالت: إن شخصين يستقلان دراجة نارية أطلقا النار على عناصر الحاجز، قبل أن يحاول أحدهما، ويدعى دانيال رياض داوود والمطلوب في قضايا قتل ومخدرات، تفجير عدة قنابل، إلا أن إحداها انفجرت فيه، ما أدى إلى مقتله وإصابة ثلاثة عناصر أمن.
وتزامنت هذه التطورات مع قصف مدفعي إسرائيلي استهدف الأراضي الزراعية بين بلدتي معرية وعابدين في ريف درعا الغربي، وبين بلدتي بريقة وكودنة في ريف القنيطرة الجنوبي، فيما أفادت مصادر محلية بتحليق مكثف لطائرات استطلاع إسرائيلية فوق المناطق المستهدفة، دون تسجيل إصابات بشرية.
وأثارت الهجمات إدانات عربية ودولية واسعة؛ إذ أصدرت وزارات خارجية السعودية والبحرين والعراق وقطر ومصر والأردن والكويت وتركيا بيانات أكدت فيها رفضها جميع أشكال الإرهاب ومحاولات زعزعة استقرار سوريا وعرقلة مسارها السياسي، داعية إلى الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها.
كما أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم الذي استهدف مدنيين قرب موقع حكومي في العاصمة دمشق.
ويعد تفجير مقهى الحجاز الأكثر دموية في العاصمة منذ الهجوم الذي استهدف كنيسة حي الدويلعة في يونيو/ حزيران 2025، وأسفر آنذاك عن مقتل 25 شخصا، ويأتي في وقت تواصل فيه الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع جهودها لترسيخ الأمن واستكمال مسار العدالة الانتقالية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة؛ إذ جاءت بعد يوم واحد من إعلان الرئاسة السورية تشكيل أول برلمان بعد سقوط نظام بشار الأسد، والمؤلف من 210 أعضاء، والمقرر أن يعقد أولى جلساته في 6 يوليو/ تموز الجاري.
كما يتزامن التصعيد مع انعقاد جلسات محاكمة عدد من مسؤولي النظام السابق في القصر العدلي الملاصق للمقهى المستهدف، بينهم عاطف نجيب ووسيم الأسد، وهو ما يدفع مراقبين إلى الربط بين الهجوم ومحاولات تعطيل مسار العدالة الانتقالية.
وتزامنت الأحداث أيضا مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، واقتراب انتهاء المهل المتعلقة بخروج عناصر "حزب الله" من المناطق الحدودية، الأمر الذي يفتح الباب أمام فرضيات تربط التصعيد الأمني بالتجاذبات الإقليمية المحيطة بالملف السوري.
هذه الصياغة أقرب إلى أسلوب التقارير التحليلية في الوكالات؛ إذ تبدأ بخلاصة الحدث، ثم تعرض الوقائع وفق تسلسلها الزمني، قبل الانتقال إلى الخلفيات السياسية والأمنية، مع حذف التكرار وتحسين الترابط بين الفقرات.
غضب عارم
وسادت منصات التواصل موجة عارمة من الحزن والصدمة فور انتشار اللقطات الأولى لتفجير مقهى الحجاز؛ حيث عبر ناشطون عن غضبهم من استهداف فضاء مدني عام يرتاده الموظفون والمحامون والبسطاء يوميا، مؤكدين أن إراقة دماء المدنيين في المقاهي جريمة لا يمكن تبريرها تحت أي غطاء سياسي.
وتداولوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #دمشق، #قصر_العدل، #سوريا، #دانيال وغيرها، صورا ومقاطع فيديو من موقع الحدث تظهر الدمار والإسعافات، مستنكرين محاولة زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى في مرحلة انتقالية حساسة.
أصابع الفلول
واتهم ناشطون فلول النظام السابق أو خلايا نائمة بمحاولة إفشال الانتقال السياسي وزعزعة الاستقرار الذي بدأت سوريا تتنفّسه أخيراً بافتعال جرائم التفجيرات في مختلف أنحاء سوريا، رابطين الأحداث بتوقيت مع جلسات البرلمان الجديد المقرر انعقادها قريبا، ومحاكمات رموز النظام المخلوع.
تسريع المحاكمات
وطالب ناشطون بتسريع مسار العدالة الانتقالية وأن تكون محاكمات الفلول أكثر صرامة وسرعة، محذرين من خطورة امتداد مدة المحاكمات؛ لأنها تمنح الفلول فرصة للتحرك الأمني والانتقام وتعرض المجتمع والدولة لمخاطر أمنية.
ودعوا إلى محاكمات عسكرية سريعة لمجرمي الحرب لضمان الردع الفوري، وحماية المسار القضائي، وتجنب تكرار الهجمات التي تستهدف رموز العدالة، معبرين عن أملهم في أن يكون "الثمن الباهظ" دافعاً للدولة لسد القصور الأمني والقانوني في هذا المسار.
كما حثوا على أن يتم الضرب بيد من حديد على المتورطين في عمليات التفجير والمحرضين والموالين للنظام وأن يكون التعاطي مع ملف التفجيرات أكثر حزما، معربين عن ثقتهم في أن هذه التفجيرات والأعمال الإرهابية الجبانة لن تفلح في تعطيل مسيرة العدالة الانتقالية.
الأسباب والرسائل
وناقش محللون وصحفيون وناشطون الأسباب المحتملة وراء توالي التفجيرات والعمليات الإرهابية في سوريا، خاصة في هذا التوقيت الذي يتزامن مع تشكيل مجلس الشعب الجديد ومحاكمات فلول النظام السابق وزيارات دبلوماسية، والرسائل المراد إيصالها إلى السلطة.
ورجحوا أن هذه العمليات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المرحلة الانتقالية، ويتهمون خلايا داعش أو فلول نظام الأسد (بما في ذلك رموز مثل رامي مخلوف) أو خلايا مرتبطة بحزب الله/إيران أو حتى تدخلات إسرائيلية.
وركزوا على الحاجة المُلِحّة لتطهير أمني شامل من الخلايا النائمة والمخابرات السابقة لتجنب تكرار مثل هذه الهجمات التي تستهدف قلب العاصمة وتثير الشكوك حول هشاشة الوضع الأمني.
جانب إنساني
وركّز قطاع واسع من الناشطين على الجانب الإنساني المؤلم في حادث التفجير قرب القصر العدلي؛ إذ أثارت صورة المحامي عيد عوض محمد (المعروف أيضاً بعيد محمد)، وهو أب لستّ فتيات صغيرات كن يعتمدن عليه كَسَندٍ أُسري ومعيل وحيد، حزنًا واسعًا وتعاطفًا كبيرًا.
وظهرت صورة المحامي وهو جالس على كرسيه في المقهى، منحنيًا فوق أوراقه القانونية التي كان يراجعها لكسب قوت عائلته، وقد خُضّبت دماؤه تلك الأوراق بعد أن باغتته شظية من العبوة الناسفة.
ووصف الناشطون الحادث بأنه عودة مخيفة للعبوات الإجرامية التي تستهدف المدنيين العاديين أثناء سعيهم اليومي للرزق، وتحولت صفحاتهم إلى دفاتر عزاء جماعية تَعُجّ بالدعاء له بالرحمة، والغضب من هذا الإرهاب الذي يضرب حياة الأبرياء.
كما أشاروا إلى معاناة زوجته وبناته الستّ اللاتي فقدن معيلهن فجأة، وانعكاس هذه الفاجعة على واقع السوريين اليومي الصعب.

















